السبت، 18 يوليو 2026

11:00 م

سباق الذكاء الاصطناعي العسكري، حرب الخوارزميات تفرض واقعًا جديدًا وتثير أسئلة أخلاقية

الأربعاء، 29 أبريل 2026 12:02 ص

الذكاء الاصطناعي العسكري

الذكاء الاصطناعي العسكري

تتسابق الدول لدمج الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، وتتصدر أوكرانيا وروسيا طليعة تطور الأنظمة العسكرية سواء الهجومية أو الدفاعية لتحقيق ميزة استباقية في ساحة المعركة، وللاستفادة من تلك التكنولوجيا عن طريق بيعها لجميع الدول التي ترغب في الوجود على الساحة العسكرية العالمية.

يحدث التطور السريع للذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في مختلف الصناعات بوتيرة غير مسبوقة، ولا يستثنى من ذلك قطاع الحروب، فالأسلحة المجهزة بالذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل العمليات الحربية الحديثة، مما يؤثر بشكل كبير على التخطيط الاستراتيجي والعمليات الميدانية والاستخدام الأخلاقي للقوة العسكرية.

وتتسابق الدول لدمج الذكاء الاصطناعي في أسلحتها وتعد أوكرانيا وروسيا في طليعة الدول التي تطور أنظمة ذاتية التشغيل لتحقيق التفوق في ساحة المعركة، ولكن مع دمج الذكاء الاصطناعي في القتال، يبقى هناك سؤال جوهري: إلى أي مدى يجب أن نعتمد عليه وما هي المخاطر المترتبة على ذلك؟

أوبنهايمر.. رائد التقدم العسكري الأمريكي

هذه لحظة أوبنهايمر في جيلنا، ومن لا يعرف أوبنهايمر فهو عالم أمريكي يطلق عليه أبو القنبلة الذرية، وذلك بفضل إشرافه العسكري على صنع اول قنبلة نووية دمرت مدينة هيروشيما اليابانية وجعل ميزان الحرب يميل لأمريكا، فكما أعادت الأسلحة النووية تعريف الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي، اليوم تعيد التكنولوجيا وتحديدًا الذكاء الاصطناعي تشكيل ساحات المعارك.

ولكن كلما يصل العالم من تقدم تكنولوجي ويروضه في العمليات العسكرية فإننا ننزلق إلى سباق عسكري لا يمكن السيطرة عليه، فالطائرات المسيرة ذاتية التشغيل وأنظمة الاستهداف القائمة على الخوارزميات تهدد بجعل القتل الجماعي أشبه بعملية عسكرية سهلة المنال، بل ودخول الروبوتات العسكرية المعارك فإننا أمام خطر لا يمكننا تصور مداه مستقبلاً.

تخوض روسيا اليوم حربًا طاحنة أمام أوكرانيا في مجال الطائرات المسيرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ويستخدم كلا الجانبين تقنيات التشغيل الذاتي في ساحة المعركة، ونظرًا للتفوق العددي الروسي لجأت أوكرانيا إلى الطائرات المسيرة في وقت مبكر من الحرب مما أجبر موسكو أن تحذو حذوها، وفي الحرب الروسية الأوكرانية، تشكل الطائرات المسيرة حاليًا ما يقارب من 70 إلى 80% من الخسائر في ساحة المعركة.

وقد أشار الجنرال زالوزني، القائد العام السابق للقوات المسلحة الأوكرانية، إلى أن العديد من الطائرات المسيرة الأوكرانية تعتمد على مكونات تجارية وبرمجيات مفتوحة المصدر، مما يتيح لها خوض حرب استنزاف منخفضة التكلفة.

التنافس بين روسيا وأوكرانيا على التكنولوجيا العسكرية

أدى التنافس بين قدرات الحرب الإلكترونية ومشغلي الطائرات المسيرة إلى ابتكارات من كلا الجانبين، مثل استخدام كابلات الألياف الضوئية لتجاوز التشويش، إلا أن التدابير المضادة لتعطيل هذا التكيف قيد التطوير بالفعل، وتتشكل المرحلة التالية من حرب الطائرات المسيرة، إذ تمكن أنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي الطائرات المسيرة من تحديد الأهداف وضربها بأقل قدر من التدخل البشري حتى في البيئات شديدة التشويش.

إنها الآن معركة من أجل التفوق في مجال الطائرات المسيرة، حيث تسعى كل من أوكرانيا وروسيا إلى تحقيق اختراقات تكنولوجية كلما أمكن، وفي هذا السياق ستتطور الطائرات المسيرة المزودة بالذكاء الاصطناعي، مما قد يحول الحرب إلى معركة خوارزميات.

يلعب الابتكار المدني دورًا محوريًا أيضًا، وتعمل مجموعات تطوعية مثل فيكتوري درونز على دمج الذكاء الاصطناعي في منصات الطائرات المسيرة مما يقلل تكلفة استهداف الأهداف النهائية، ووفقًا لليوبا شيبوفيتش الرئيسة التنفيذية والمؤسسة المشاركة لشركة "ديجنيتاس"، يمكن الآن إضافة أنظمة استهداف تعتمد على الذكاء الاصطناعي إلى الطائرات المسيرة مقابل 1000 هريفنيا فقط (حوالي 25 دولار أمريكي).

ومع تطور هذه النماذج من خلال استخدامها في ساحات المعارك، تزداد دقتها، ومع ذلك لا تنجح أنظمة الاستهداف القائمة على الذكاء الاصطناعي إلا عند اختبارها وتدريبها مع مستخدمين حقيقيين في القتال، وقد أشار فيكتور ساخارتشوك الرئيس التنفيذي لشركة "تويست روبوتيكس"، إلى أن مجموعات الطائرات المسيرة التي تصنع ذاتيًا والتي لم تخضع لتدريب كافي قد غزت الجبهة في عام 2024 لكنها سرعان ما فشلت في الميدان مما يؤكد أنه بدون تدريب حتى أفضل تقنيات الاستهداف تصبح عديمة الفائدة.

التطور التالي للذكاء الاصطناعي في القتال

إن الذكاء الاصطناعي سيقضي على أساليب الحرب التقليدية ما يجعل التمويه والخداع والتدابير الإلكترونية المضادة شبه مستحيلة، وساحة المعركة المستقبلية ستتأثر بشكل كبير بالقدرة على إدارة البصمة البصرية وبدون تمويه متعدد الأطياف فعال سيتم رصد القوات واستهدافها وتدميرها على الفور بواسطة أنظمة استشعار مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

قد يتوقف مستقبل الحروب على أي جهة يستطيع إنشاء عقل جماعي متفوق وشبكة من الآلات تعمل معًا بسلاسة وتتكيف مع ظروف ساحة المعركة بسرعة تفوق قدرة أي مشغل بشري، لكن هذا لا يعني نهاية التدخل البشري، فمع تحول ساحة المعركة نحو الأنظمة ذاتية التشغيل ستظل الخدمات اللوجستية والصيانة التي يقودها الإنسان ضرورية ولكن حتى أفضل الآلات ليست مكتفية ذاتيًا.

قد يتوقف مستقبل الحروب على أي جهة يستطيع إنشاء عقل جماعي متفوق وشبكة من الآلات تعمل معًا بسلاسة وتتكيف مع ظروف ساحة المعركة بسرعة تفوق قدرة أي مشغل بشري، لكن هذا لا يعني نهاية التدخل البشري، فمع تحول ساحة المعركة نحو الأنظمة ذاتية التشغيل ستظل الخدمات اللوجستية والصيانة التي يقودها الإنسان ضرورية ولكن حتى أفضل الآلات ليست مكتفية ذاتيًا.

إن نشر الأنظمة ذاتية التشغيل يطرح تحديات واقعية، ماذا يحدث عندما تتعطل هذه الآلات أو تتوقف عن العمل؟ حتى أكثر الطائرات المسيرة والروبوتات تطورًا ستظل بحاجة إلى تدخل بشري لإصلاحها وصيانتها وإعادة نشرها.

وبينما قد تحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة ثورة في قدرات الخطوط الأمامية فإن البنية التحتية اللوجستية التي يديرها العنصر البشري ستظل أساسية لاستدامة العمليات الميدانية وسيظل البشر متحكمين في قرارات ساحة المعركة وكيفية خوض الحروب وسيكون الذكاء الاصطناعي أداة لزيادة تلك العمليات وحشية وفتكًا.

الذكاء الاصطناعي أداة وليس حلاً سحريًا

يرى بعض الخبراء أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم في الحد من الخسائر غير المقصودة في الحروب لا سيما في المناطق الحضرية، بينما يحذر آخرون من أنه قد يتصرف بدقة متناهية أو يستخدم بيانات خاطئة لاستهداف المدنيين، ولم يتضح بعد أي الجانبين على صواب لكن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيلعب دورًا في كيفية إدارة العمليات العسكرية وبالتالي سيتعين عليه التعامل مع المدنيين في ساحة المعركة.

يمثل خطر الاعتماد المفرط على التكنولوجيا تحديًا آخر، وهناك أمثلة تاريخية أعطت فيها الجيوش الأولوية للهيمنة التكنولوجية لتهزم في النهاية أمام تدابير مضادة بسيطة، فعلى سبيل المثال الحرب على الإرهاب، حيث تفوقت الولايات المتحدة في مجال الاستخبارات الإلكترونية مما دفع تنظيم القاعدة إلى التكيف باستخدام الاتصالات الورقية والرسل لتجنب رصدها.

وبالمثل، في حرب لبنان الثانية استخدم حزب الله أغطية إخماد الحرائق لإخفاء مواقع إطلاق الصواريخ مما حال دون استهدافها بفعالية من قبل الغارات الجوية الإسرائيلية، وبينما ستعزز الذكاء الاصطناعي والأسلحة ذاتية التشغيل بلا شك من فتك ساحة المعركة، إلى أنه لا ينبغي للقادة أن ينسوا أبدًا أن الخيال والحلول البسيطة يمكن أن تقوض هذه الميزة.

وقد أثبتت أوكرانيا صحة ذلك مؤخرًا من خلال عملية شبكة العنكبوت في أوائل يونيو، حيث هربت شحنات من الطائرات المسيرة إلى مطارات مختلفة في أنحاء روسيا، ثم أطلقت روسيا طائراتها المسيرة، ملحقة أضرارًا بنسبة 34% من أسطول قاذفاتها بعيدة المدى مستخدمة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوجيه الضربات إلى أضعف نقاطها، وبلغت الخسائر التي تكبدتها روسيا 7 مليارات دولار، ومع ذلك لا يقتصر الجدل الأخلاقي حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب على المخاطر النظرية فحسب.

ونلاحظ استخدام إسرائيل للاستهداف المدعوم بالذكاء الاصطناعي في غزة كمثال واقعي على كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على قرارات ساحة المعركة، إذ تستطيع خوارزميات التعلم الآلي المدربة على البيانات العسكرية التنبؤ بمواقع العدو وتحليل التكتيكات وتحسين الضربات.

دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات الفتاكة يثير مخاوف أخلاقية

ومع ذلك، يجب التحذير من أن دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات الفتاكة يثير مخاوف أخلاقية جدية لا سيما مع الأسلحة ذاتية التشغيل، وتشير التقارير إلى أن استخدام إسرائيل لنظام الذكاء الاصطناعي "لافندر" قد حدد ما يصل إلى 37 ألف هدف محتمل مرتبط بحماس مما أدى إلى تسريع الغارات الجوية ولكنه ساهم أيضًا في وقوع خسائر فادحة في صفوف المدنيين.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى سيطرة أكبر على العمليات القتالية موجهًا الجيش البري والمعارك الجوية والاشتباكات البحرية، وسيتطلب هذا التحول تغييرات جذرية في الهياكل العسكرية بما في ذلك إعادة تعريف القيادة والسيطرة واستحداث مجالات وظيفية جديدة وإعادة النظر في العمليات المركزية مقابل العمليات اللامركزية.

هذا النهج من الذكاء الاصطناعي يمكن تصوره بأنه بمثابة العقل المركزي للعمليات العسكرية حيث يحلل بيانات ساحة المعركة في الوقت الفعلي ويصدر الأوامر للوحدات البشرية والآلية بسرعة ودقة تفوق الأساليب التقليدية، ويشير مصطلح "مينوتور" إلى نموذج هجين يعمل فيه الذكاء الاصطناعي والقوات البشرية معًا مع تحقيق التوازن بين الأتمتة والإشراف البشري لتعزيز الفعالية العسكرية.

ومع استمرار تسارع دمج الذكاء الاصطناعي في الحروب يبقى السؤال المحوري مطروحًا: ما مدى إمكانية تفويض اتخاذ القرارات للآلات وما هي التكلفة المترتبة على ذلك؟

تدريب جميه نماذج الذكاء الاصطناعي على كل سيناريوهات المعركة

لن يتم تدريب جميع نماذج الذكاء الاصطناعي على كل سيناريوهات ساحة المعركة وسيكون للذكاء الاصطناعي حدوده، ومن المفارقات أن الطرف الذي يعتمد بشكل مفرط على الحرب المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد يعرض نفسه لنقاط ضعف جديدة سيتعلم خصمه حتمًا استغلالها.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد احتمال بعيد في ساحة المعركة، بل أصبح واقعًا ملموسًا يتطور باستمرار، فمن تحديد الأهداف في المراحل الأخيرة إلى اتخاذ القرارات الاستراتيجية، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل وتيرة الحرب وأدواتها، وقد ساهمت معركة أوكرانيا والاعتداء الغاشم على غزة ومؤخرًا الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران تسريع هذا التوجه.

وفي الوقت الحالي يتسابق العالم لبناء أسراب منسقة من الأنظمة ذاتية التشغيل لتجوب الأجواء، وتسيطر على البحار، وتلحق الهزيمة بالعدو بلا شفقة ولا رحمة، ونحن حاليًا نخاطر بالدخول في لحظة فاصلة يتجاوز فيها الخطأ ما لم يتجاوزه من قبل مانحين الآلات القدرة على تحديد مصير البشر.

اقرأ أيضًا:

الليزر يغير قواعد الحرب، أمريكا تطوّر أسلحة طاقة عالية لمواجهة الطائرات المسيرة

Short Url

search