الأحد، 19 يوليو 2026

01:53 ص

هيكل ديناصور بـ 50 مليون دولار في مزاد عالمي، كيف انتهت قصة "جاس"؟

السبت، 18 يوليو 2026 10:42 م

ديناصور ريكس

ديناصور ريكس

قبل 67  مليون عام، كان ديناصور "تيرانوصور ريكس" الذي أُطلق عليه اسم “جاس” يصارع من أجل البقاء؛ إذ يُعتقد أن آثار العض الموجودة على جمجمته دليلٌ على تعرضه لهجوم من ديناصور آخر من النوع نفسه.

واليوم، أصبح هذا الديناصور محور صراع من نوع مختلف تماماً؛ ليس صراعاً من أجل البقاء، بل صراعاً حول من يملك الحق في المعرفة العلمية الكامنة داخل عظامه.

بيع "جاس" مؤخراً لمشترٍ خاص لم يُكشف عن هويته مقابل 50.1 مليون دولار، مسجلاً بذلك رقماً قياسياً جديداً في المزادات الخاصة بأحافير الديناصورات.

 ورغم ضخامة هذا المبلغ، إلا أن العينة نفسها قد تكون ذات قيمة علمية أكبر؛ إذ يمكن لهيكله العظمي -الذي يتميز باكتمال استثنائي- أن يساعد الباحثين على معرفة المزيد عن الخصائص البيولوجية والسلوك والبيئة التي عاش فيها واحدٌ من أشهر الحيوانات المفترسة التي وطئت الأرض على الإطلاق.

وتكمن المخاوف في أن تصبح كل تلك المعلومات غير متاحة للدراسة إذا انتهى المطاف بـ "جاس" معروضاً في غرفة معيشة خاصة بدلاً من حفظه في متحف أو مؤسسة بحثية.

واحد من أكثر هياكل "تي ريكس" اكتمالاً  

يُعد "جاس" عينة استثنائية، حيث حُفظ ما يقدر بـ 61% من هيكله العظمي، مما يضعه في مصاف أكثر هياكل "تي ريكس" اكتمالاً التي تم اكتشافها على الإطلاق.

وتتضمن بقاياه مجموعة نادرة من العظام، تشمل أضلاعاً بطنية تُعرف باسم “الغازتراليا”، وعظام العضد، وعظمة ترقوة  كاملة، وحوضاً محفوظاً بالكامل، وأقداماً بحالة حفظ ممتازة.

وفي حديثه لموقع “iflscience”، وصف البروفيسور بول باريت - خبير الديناصورات في متحف التاريخ الطبيعي بلندن - اكتشاف هيكل عظمي بهذا القدر من الاكتمال بأنه "حلم" لعلماء الحفريات، فالعينة التي تتمتع بمثل هذا المستوى العالي من الاكتمال يمكن أن تزوّد العلماء بمعلومات تفوق بكثير ما يحصلون عليه عادةً من البقايا المجزأة التي تشكل غالبية اكتشافات الأحافير.

ومع ذلك، حتى المؤسسات الكبرى - مثل متحف التاريخ الطبيعي - لا يمكنها منافسة الأسعار الهائلة التي تُسجل في المزادات الكبرى لبيع أحافير الديناصورات.

المتاحف عاجزة عن منافسة سوق المزادات

على الرغم من أهميتها العلمية، عادةً ما تنفق المتاحف مبالغ زهيدة نسبياً لاقتناء عينات جديدة مقارنةً بالأسعار التي يدفعها هواة الجمع الأثرياء.

ووفقاً للتقرير السنوي لمتحف التاريخ الطبيعي، لم تنفق المؤسسة سوى 23 ألف جنيه إسترليني (حوالي 31 ألف دولار) لشراء 15 عينة في العام الماضي؛ إذ تعتمد المتاحف بدلاً من ذلك بشكل كبير على التبرعات وعمليات التبادل والأحافير التي يتم استخراجها خلال العمل الميداني.

ويزداد هذا التباين وضوحاً عند مقارنة السعر الجديد بالرقم القياسي السابق المسجل في مزادات الديناصورات.

ففي العام الماضي، بيع الهيكل العظمي لديناصور "ستيغوصور" الملقب بـ "أبيكس" مقابل 44.6 مليون دولار، وهو مبلغ يزيد بنحو 10 ملايين دولار عن الرقم القياسي السابق الذي كان يحمله ديناصور "تي ريكس" المعروف باسم “ستان”.

أما الآن، فقد حطم "جاس" (Gus) ذلك الرقم القياسي ببيعه مقابل 50.1 مليون دولار.

وصرح البروفيسور ستيف بروساتي، من جامعة إدنبرة، لموقع "IFLScience" بأنه شعر بالدهشة - وإن لم تكن صدمة - إزاء تسجيل "جاس" لهذا الرقم القياسي الجديد.

وأشار إلى أن مبلغ 50 مليون دولار يُعد ضخماً للغاية، موضحاً أنه لا يستطيع التفكير في العديد من المتاحف القادرة على دفع مثل هذا السعر.

التكلفة الخفية لعملية بيع قياسية

بيع "جاس" بسعر يقارب ضعف القيمة التقديرية التي حُددت للعينّة قبل المزاد، وقد شارك المشتري - الذي لم يُكشف عن هويته - في المزاد عبر الهاتف.

ولا تعني الملكية الخاصة بالضرورة أن الأحفورة ستظل مخفية بشكل دائم عن العلماء أو عامة الناس؛ إذ يقوم بعض هواة الجمع بإعارة عيناتهم للمتاحف، مما يتيح للباحثين والزوار دراستها ومشاهدتها، ومع ذلك، فإن مثل هذه الترتيبات لا تضمن إتاحة الوصول إليها بشكل دائم.

وأوضح البروفيسور باريت أن المتاحف تحفظ العينات بشكل دائم، مما يسمح لأجيال من العلماء بالعودة إلى الأحفورة نفسها مراراً وتكراراً والتحقق من الملاحظات التي سجلها باحثون سابقون.

وأضاف أنه عندما تنتقل ملكية العينة إلى جهة خاصة، قد يظل بعض المالكين ملتزمين بشدة بالتعاون مع العلماء، لكن ضمان مستقبل الأحفورة على المدى الطويل يصبح أكثر صعوبة.

وتكمن المخاطرة في احتمال اختفاء العينة فعلياً من السجل العلمي، ومعها معلومات قد لا تتاح للباحثين فرصة استعادتها أبداً.

من له الحق في امتلاك حفريات الديناصورات؟

لا تزال مسألة ملكية حفريات الديناصورات، ومن يملك حق التحكم في الوصول إليها، موضع نقاش دولي حاد، فلا يوجد اتفاق عالمي موحد ينظم ما يحدث عند اكتشاف حفريات الديناصورات.

ففي البرازيل، على سبيل المثال، تصبح حفرية الديناصور ملكًا للدولة تلقائيًا، أما في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، فقد يختلف الوضع القانوني اختلافًا كبيرًا، حيث قد تعود ملكية الحفريات إلى مالك الأرض التي عُثر عليها فيها.

تمثل هذه الأنظمة طرفي نقيض، مع وجود اختلافات عديدة بينها، ويشير البروفيسور باريت إلى أن الديناصورات لم تكن تعترف بالحدود الوطنية أو القارية الحديثة، ومع ذلك، تُكتشف الحفريات الآن في مواقع تقع ضمن ملكية أو ولاية الدول الحديثة وملاك الأراضي الخاصين، لذا، لا يدور النقاش بالضرورة حول منع الناس من امتلاك الحفريات بشكل كامل.

المشكلة ليست في الاكتشاف بل في السعر

يجادل باريت بأنه لا ينبغي حرمان هواة جمع الأحافير تلقائيًا من ملكية العينات التي يكتشفونها، لا سيما وأن جهودهم قد تُسفر عن اكتشاف أحافير مهمة.

ويشير إلى مثال هاوي جمع الأحافير فيل جاكوبس، الذي قاده شغفه طوال حياته إلى اكتشاف خطم بليوصور عمره 150 مليون عام على ساحل العصر الجوراسي.

ويوضح باريت أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في امتلاك هاوي جمع الأحافير لاكتشافه أو حصوله على تعويض مالي مقابل العمل المطلوب للعثور عليه واستخراجه وإعداده، فبدون هواة جمع الأحافير، قد لا تتاح للعلماء فرصة دراسة العديد من العينات المهمة.

المشكلة الحقيقية، بحسب النقاد، هى الأسعار الباهظة التي يُدرّها سوق المزادات الحديث.

عندما يتحول الديناصور إلى "غنيمة" مقتناة

في وقت مضى، كان من الممكن شراء ديناصور من فصيلة “الصوروبود” - مثل "الديبلودوكس"- مقابل نحو مليون دولار، ورغم أن هذا المبلغ لا يزال ضخماً، إلا أنه كان يُعتبر أقرب إلى التكلفة الفعلية لعمليات التنقيب عن الأحفورة وتجهيزها.

وصرحت البروفيسورة سوزي ميدمنت، من متحف التاريخ الطبيعي في لندن، لموقع "IFLScience" بأن علماء الحفريات - سواء الهواة أو العاملين في المجال التجاري - يستحقون مقابلاً مادياً نظير جهودهم في العثور على الحفريات والتنقيب عنها وإعدادها.

ومع ذلك، رأت ميدمنت أن تقييم إحدى العينات بمبلغ 50 مليون دولار يمثل استغلالاً وتحويلاً للتراث الطبيعي إلى سلعة تجارية؛ فهذا التراث ينبغي أن يكون متاحاً للجميع لمشاهدته، لا أن يُحبس داخل منزل شخص ثري.

اقرأ ايضا

التوك توك" يسرق العمالة من المصانع.. أزمة هروب الأيادي العاملة تهدد الصناعة الوطنية

Short Url

search