الأربعاء، 24 يونيو 2026

04:31 ص

الكابلات البحرية في مرمى توترات الحرب.. هل تهدد أزمة مضيق هرمز استقرار الإنترنت العالمي؟

الإثنين، 13 أبريل 2026 01:15 م

كابلات الإنترنت

كابلات الإنترنت

تمتد كابلات الألياف الضوئية في أعماق البحار والمحيطات، حول الأرض كأنها شبكة أعصاب لكائن حي، ولا تعد هذه الكابلات مجرد وسيلة اتصال، بل تمثل العمود الفقري للعالم الرقمي، تنقل يوميًا تريليونات الدولارات من المعاملات المالية، وتحمل بيانات حساسة وأسرار دول، إضافة إلى كونها شريان التواصل الإنساني الحديث.

ومع تصاعد التوترات بين طهران وواشنطن، لم يعد التهديد مقتصرًا على المواجهات العسكرية التقليدية، بل بات يشمل خطر استهداف هذه الكابلات الحيوية، وأي ضرر في مناطق استراتيجية مثل مضيق هرمز أو البحر الأحمر قد يؤدي إلى شلل رقمي واسع، يعيد أجزاء من العالم إلى ما يشبه مرحلة ما قبل الإنترنت.

البحر الأحمر أقصر مسار لنقل البيانات بين آسيا وأوروبا

تعد هذه المنطقة نقطة ضعف حيوية في بنية الإنترنت العالمية، فالبحر الأحمر يمثل أقصر وأهم مسار لنقل البيانات بين آسيا وأوروبا، ويضم أكثر من 17 كابلًا بحريًا، كما تمر عبره نسبة كبيرة من حركة الإنترنت العالمية، وتعتمد عليه الغالبية العظمى من الاتصالات بين القارتين عبر قناة السويس.

في حال انقطاع هذه الكابلات، ستكون التداعيات ضخمة، إذ تدعم هذه الشبكة تحويلات مالية يومية تتجاوز 10 تريليونات دولار، وأي خلل فيها قد يعطل الخدمات السحابية، ويؤثر على سلاسل التوريد الرقمية، ويشل الأنظمة المصرفية العالمية مثل نظام "سويفت".

وشهد مارس 2024 مثالًا واضحًا على ذلك، إذ تضررت أربعة كابلات رئيسية في البحر الأحمر، ما أدى إلى تعطيل نحو 25% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا، في حادثة ارتبطت بتصاعد التوترات في المنطقة.

ومن الناحية التقنية، فهناك مخاوف من امتلاك إيران القدرة على التأثير في هذه الكابلات، خاصة مع امتلاكها غواصات صغيرة قادرة على العمل في المياه الضحلة مثل مضيق هرمز، حيث لا يتجاوز العمق في بعض مناطقه 50 مترًا، كما يمكن نظريًا استخدام وسائل أبسط، مثل مراسي السفن أو فرق غوص متخصصة، لإلحاق أضرار بهذه البنية التحتية الحساسة.

ويكشف هذا الواقع عن هشاشة أحد أهم أعمدة العالم الرقمي، ويؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تخاض فقط بالصواريخ، بل أيضًا باستهداف شرايين البيانات التي تربط العالم.

كيف أدت سفينة "روبيمار" إلى كارثة اتصالات كبرى؟

تخلى طاقم السفينة البريطانية، التي يبلغ طولها 172 مترًا، عنها بعد إلقاء أحد مراسيها، عقب هجوم من الحوثيين، وظلت السفينة تائهة لمدة أسبوعين تقريبًا في منطقة من البحر الأحمر تعج بالكابلات، قبل أن تغرق في الثاني من مارس 2024.

تسبب جر مرساة "روبيمار" لمسافة 70 كم في تمزيق كابلات "AAE-1" و"Seacom" و"EIG" الاستراتيجية في قاع البحر.

الكابلات الأكثر عرضة للمخاطر في منطقة التوتر

#

الكابل البحري

الأهمية الاستراتيجية ونطاق الربط

1

SEA-ME-WE (3, 4, 5, 6)

سلسلة كابلات تمثل العمود الفقري للربط بين جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا الغربية.

2

AAE-1

يمتد من شرق آسيا إلى أوروبا لمسافة 25 ألف كم، وتضرر مرتين (2024 و2025) ويمر عبر نقاط حساسة قرب إيران واليمن.

3

2Africa

أحد أطول الكابلات في العالم، يطوق القارة الإفريقية ويربطها بالشرق الأوسط.

4

EIG

كابل حيوي يربط المملكة المتحدة بالهند بمسار يمر عبر البحر الأحمر.

تعرض لأضرار مادية في البحر الأحمر خلال 2024.

5

FLAG Europe-Asia

من أقدم وأهم الكابلات التي تربط المراكز المالية العالمية ببعضها.

6

Falcon

يربط دول الخليج كافة ويمر بمحاذاة السواحل الإيرانية.

7

FIG / Oryx

مشاريع استراتيجية لربط دول الخليج؛ نظام (FIG) البحري و(Oryx) الأرضي تابع لـ "stc".

8

IMEWE

يربط الهند بأوروبا، سجل كأحد أبرز الضحايا في هجمات سبتمبر 2025 قرب جدة.


صيانة الكابلات البحرية

تسيطر على صناعة وصيانة الكابلات البحرية أربع شركات رئيسية عالميًا، وهي SubCom الأمريكية، وAlcatel Submarine Networks الفرنسية، وNEC Corporation اليابانية، وHMN Tech الصينية، وتعرف هذه الشركات فعليًا بـ"أباطرة البحار"، إذ تتحكم في البنية التحتية التي يقوم عليها الإنترنت العالمي.

لكن المشهد لم يعد حكرًا على شركات الاتصالات التقليدية، فقد بدأ النفوذ ينتقل تدريجيًا إلى عمالقة التكنولوجيا، وعلى رأسهم Google، الذين أصبحوا يستثمرون بشكل مباشر في الكابلات البحرية، ويمتلكون حصصًا فيها لضمان سرعة وأمان تدفق بياناتهم عبر العالم.

خطط الطوارئ الرقمية

بدأت بالفعل محاولات لكسر هذا الاعتماد، من أبرزها مشروع Blue-Raman الذي تقوده Google، والذي يسعى لإنشاء مسار بديل يجمع بين الكابلات البحرية والبرية، مرورًا بالسعودية والأردن، لتفادي نقاط الاختناق التقليدية.

وفي السياق نفسه، بدأت دول مثل الهند والسعودية في تبني ما يمكن وصفه بـ"خطط الطوارئ الرقمية"، وتشمل هذه الخطط تعزيز مراكز تخزين البيانات محليًا، وتوسيع الربط الإقليمي، إلى جانب تبني استراتيجية "تعدد المسارات" (Redundancy)، بحيث لا يعتمد الإنترنت على ممر واحد فقط، وهذا يفسر الاستثمارات المتزايدة في كابلات جديدة تربط الخليج بأوروبا عبر دول مثل اليونان وإيطاليا.

تكلفة إصلاح الأعطال في مناطق النزاع

إصلاح الكابلات في مناطق مضطربة مثل البحر الأحمر أصبح تحديًا مكلفًا وخطيرًا، فقد ارتفعت تكلفة تأمين سفن الإصلاح إلى نحو 150 ألف دولار يوميًا، وهو رقم يعكس حجم المخاطر الأمنية.

الأخطر من ذلك، أن الشركات المشغلة أصبحت تتردد في إرسال فرقها إلى مناطق قد تكون مليئة بالألغام أو مهددة بالصواريخ، ما يعني أن بعض الكابلات قد تظل معطلة لأشهر قبل أن يتم إصلاحها، ولم يعد الصراع على هذه الكابلات مجرد قضية تقنية، بل تحول إلى ملف استراتيجي يمس الأمن القومي والاقتصاد العالمي، إذ يمكن لضربة واحدة في المكان المناسب أن تحدث تأثيرًا يتجاوز حدود الجغرافيا.

هل يوجد بديل بري أو فضائي آمن؟

رغم القفزات الكبيرة في تقنيات الأقمار الصناعية، مثل شبكة Starlink التابعة لشركة SpaceX، فإنها لا تزال بعيدة عن تعويض الكابلات البحرية، فهذه الأنظمة لا تنقل سوى نسبة محدودة جدًا من حركة البيانات العالمية (تقدر بين 1% و3%)، في حين تستطيع كابلات الألياف الضوئية نقل تيرابايت من البيانات في الثانية الواحدة بكفاءة أعلى وزمن تأخير أقل.

أما البدائل البرية، مثل المسارات التي تمر عبر الأردن أو تركيا، فهي موجودة بالفعل لكنها ليست مثالية، وهذه الطرق أكثر تكلفة، وتخضع لتعقيدات سياسية وجيوسياسية، إضافة إلى أنها تعاني من زمن انتقال (Latency) أعلى مقارنة بالمسارات البحرية المباشرة، ما يجعلها خيارًا احتياطيًا للطوارئ وليس بديلًا دائمًا يمكن الاعتماد عليه.

الكابلات البحرية أهداف استراتيجية في الحروب

لم تعد الصراعات في المنطقة تقتصر على النفط أو التجارة التقليدية، بل امتدت لتشمل الشرايين الرقمية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، وأصبحت الكابلات البحرية أهدافًا استراتيجية في حروب هجينة تتجاوز الحدود الجغرافية.

ومع تحول ممرات حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب إلى نقاط توتر عالية، يواجه المستثمرون وشركات التكنولوجيا الكبرى واقعًا معقدًا، فالبنية التحتية التي بنيت خلال عقود من الاستقرار أصبحت مهددة، ما يدفع شركات مثل Meta وGoogle إلى التفكير في بدائل برية مكلفة ومليئة بالتحديات السياسية.

ويرى بعض المحللين، أن استهداف الكابلات قد يمثل خيارًا تقنيًا مدمرًا للجميع، إذ أن الدول التي قد تفكر في هذا السيناريو تعتمد هي نفسها على هذه الشبكات في اتصالاتها وتدفقاتها الاقتصادية.

اقرأ أيضًا:

الحرس الثوري الإيراني: منع ثلاث سفن من عبور مضيق هرمز

Short Url

search