روسيا والحرب في الشرق الأوسط، المكاسب الاقتصادية والفرص والمخاطر
الثلاثاء، 10 مارس 2026 10:53 ص
روسيا والحرب في الشرق الأوسط
لم تكن موسكو طرفًا مباشرًا في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، لكنها وجدت نفسها في موقع يستفيد من التحولات الجيوسياسية التي أحدثها الصراع، فبينما تنخرط قوى كبرى في المواجهة، اختارت روسيا سياسة التحوط الاستراتيجي التي تقوم على إبقاء قنوات الاتصال المفتوحة من جميع الأطراف، دون التورط عسكريًا بصورة مباشرة.
ولا تعكس هذه المقاربة، حرص الكرملين على تجنب استنزاف موارده فقط، بل تعكس أيضًا قراءة اقتصادية وسياسية عميقة، للفرص التي قد تنتج عن صراعٍ واسع النطاق في منطقة تعد شريان الطاقة العالمي.
وتبرز عدة عوامل في ظل هذا المشهد، تجعل روسيا من بين أكثر الدول القادرة على الاستفادة من تداعيات الحرب، خصوصًا على الصعيد الاقتصادي، فالطاقة وتجارة السلاح وتحولات التوازنات الجيوسياسية، إضافة إلى تغير أولويات الغرب، كلها عناصر تشكل منظومة مكاسب محتملة لموسكو، وإن كانت هذه المكاسب لا تخلو من مخاطر استراتيجية طويلة الأمد.

ارتفاع أسعار الطاقة وتعزيز الإيرادات الروسية
ويشكل النفط والغاز حجر الأساس في الاقتصاد الروسي، إذ تعتمد الموازنة الفيدرالية بدرجة كبيرة على عائدات الطاقة، ومع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، برزت مخاوف جدية بشأن استقرار الإمدادات العالمية، خصوصًا مع التهديدات التي تحيط بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
ويمر عبر هذا المضيق، ما يقرب من خُمس صادرات الطاقة العالمية، وأي اضطراب في الملاحة فيه ينعكس فورًا على أسعار الأسواق العالمية، وفي حال استمرار التوتر أو إغلاق المضيق جزئيًا أو كليًا، فإن الأسواق ستشهد قفزات حادة في أسعار النفط والغاز.
ويمثل هذا السيناريو بالنسبة لروسيا، فرصة اقتصادية مهمة، إذ يسمح بزيادة إيراداتها من صادرات الطاقة، حتى مع استمرار العقوبات الغربية المفروضة عليها منذ الحرب في أوكرانيا، فكل ارتفاعٍ في سعر البرميل، يُترجم مباشرةً إلى مليارات الدولارات الإضافية في خزينة الدولة الروسية.
كما أن ارتفاع الأسعار، يقلل من تأثير الخصومات التي اضطرت روسيا إلى تقديمها لبعض المشترين، مثل الصين والهند، خلال السنوات الأخيرة، ومع تراجع الإمدادات من بعض الدول في الشرق الأوسط بسبب الحرب أو القيود اللوجستية، قد يتزايد الطلب على النفط الروسي، ما يمنح موسكو فرصة لاستعادة جزءٍ من نفوذها في أسواق الطاقة العالمية.
إعادة تشكيل خريطة تجارة السلاح
وعادة ما تؤدي الحروب إلى زيادة الطلب على الأسلحة والأنظمة الدفاعية، وهو ما يفتح الباب أمام الدول المنتجة للسلاح لتعزيز صادراتها، وتعد روسيا واحدة من أكبر مصدري السلاح في العالم، ولها تاريخ طويل من العلاقات العسكرية مع دول الشرق الأوسط.
وأوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال اجتماع للتعاون العسكري - التقني تم عقده في الكرملين، أن المنتجات الدفاعية الروسية تم تصديرها إلى أكثر من 30 دولة خلال عام 2025، وحققت عائدات تجاوزت 15 مليار دولار من العملات الأجنبية.
وحظت العديد من المنظومات والأسلحة الروسية باهتمامٍ متزايدٍ من قبل المشترين، وفي مقدمتها مقاتلات Su-35 وSu-57، ومجموعة واسعة من أنظمة الدفاع الجوي، ودبابات T-90، وأنظمة المدفعية الحرارية الضغطية.
وحظيت هذه المنتجات باهتمامٍ متزايدٍ، حيث أثبتت فعاليتها في ميادين العمليات، وأسهمت في ترسيخ صورة الصناعات الروسية، كخيارٍ عملي ومجرب ميدانيًا.
وتتجه بعض الدول، إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بسرعة، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيرة والصواريخ التكتيكية، وتشكل هذه المجالات تحديدًا، نقاط قوة للصناعة العسكرية الروسية، التي تسعى إلى تعويض خسائرها في بعض الأسواق، بسبب العقوبات الغربية.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض الدول التي ترغب في تنويع مصادر تسليحها بعيدًا من الولايات المتحدة أو أوروبا، قد تجد في روسيا خيارًا مناسبًا، خاصة إذا كانت واشنطن منشغلة بتلبية احتياجاتها العسكرية المباشرة في مناطق النزاع.

استنزاف الموارد العسكرية الغربية
وتعد من أبرز التداعيات غير المباشرة للحرب في الشرق الأوسط، احتمال استنزاف جزءٍ من المخزون العسكري الأمريكي والغربي، فالحروب الحديثة تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الصواريخ الموجهة والأنظمة الدفاعية المتطورة، وهي معدات مكلفة وتحتاج إلى وقت طويل لإنتاجها.
ولو اضطرت الولايات المتحدة إلى استخدام كميات كبيرة من هذه الأسلحة في الشرق الأوسط، فإن ذلك قد يقلل من القدرة على تزويد حلفاء آخرين بها، وعلى رأسهم أوكرانيا، وقد يمنح هذا التطور، فرصة لروسيا لتعزيز موقعها العسكري في الجبهة الأوكرانية، أو على الأقل تقليل الضغط العسكري عليها.
وتحويل الموارد المالية والعسكرية الغربية نحو الشرق الأوسط، قد يؤدي إلى تراجع الدعم السياسي والاقتصادي لكييف، وهو ما قد يغير جزئيًا ميزان القوى في الصراع المستمر منذ سنوات.
تحولات في طرق التجارة والطاقة
ولا تؤثر الحرب في الشرق الأوسط فقط في إنتاج النفط، بل تمتد آثارها إلى طرق التجارة العالمية، فاضطراب الملاحة في بعض الممرات البحرية قد يدفع الدول إلى البحث عن طرق بديلة لنقل الطاقة والسلع، وهو ما قد يعزز أهمية بعض المسارات البرية والبحرية، التي تمر عبر روسيا أو حلفائها.
وقد تكتسب مشاريع الممرات التجارية بين أسيا وأوروبا عبر الأراضي الروسية أو آسيا الوسطى على سبيل المثال، أهمية أكبر إذا أصبحت بعض الطرق التقليدية أقل أمانًا، وهذا بدوره قد يمنح موسكو دورًا أكبر في شبكة التجارة العالمية.
انعكاسات على الاقتصاد الروسي الداخلي
ولا ينعكس ارتفاع أسعار الطاقة فقط على عائدات التصدير، بل قد يؤدي أيضًا إلى تحسين بعض المؤشرات الاقتصادية الداخلية في روسيا، فزيادة الإيرادات الحكومية، قد تساعد في تمويل الإنفاق العسكري والاجتماعي، كما قد تدعم استقرار العملة الوطنية.
وقد يؤدي انخفاض السفر والسياحة إلى بعض مناطق الشرق الأوسط بسبب الحرب، إلى بقاء جزءٍ من الإنفاق الاستهلاكي داخل الاقتصاد الروسي، وهو ما يساهم في دعم بعض القطاعات المحلية، مثل السياحة الداخلية والخدمات.
ولا تعتبر هذه الفوائد الاقتصادية مضمونة بالكامل، إذ تعتمد بدرجة كبيرة على مدة الحرب وحجم تأثيرها في الاقتصاد العالمي، فإذا أدى الصراع إلى ركودٍ عالمي واسع، فقد ينخفض الطلب على الطاقة، وهو ما قد يُحد من المكاسب الروسية.

المخاطر الاستراتيجية طويلة الأمد
وتشير المعطيات إلى أنه من الممكن أن تحمل الحرب في الشرق الأوسط أيضًا، مخاطر استراتيجية لروسيا، على رغم الفوائد الاقتصادية المحتملة، فإيران تعد شريكًا مهمًا لموسكو في عدد من المجالات، بما في ذلك التعاون العسكري والطاقة ومشاريع البنية التحتية.
ولو أدت الحرب إلى إضعاف إيران بصورة كبيرة أو إلى تغيير النظام السياسي فيها، فقد تخسر روسيا حليفًا إقليميًا مهمًا، وقد تتعرض بعض الاستثمارات الروسية في إيران للخطر، بما في ذلك مشاريع الطاقة والبنية التحتية.
وقد تؤثر أي إعادة تشكيل كبيرة للتوازنات في الشرق الأوسط، في النفوذ الروسي بالمنطقة، خصوصًا إذا تمكنت القوى الغربية من تعزيز حضورها السياسي والعسكري بعد انتهاء الحرب.
الاقتصاد العالمي بين الصدمة وإعادة التوازن
ويمكن أن تؤدي الحرب في الشرق الأوسط إلى إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي، فالاضطرابات في أسواق الطاقة، قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم في العديد من الدول، خصوصًا في أوروبا وأسيا، والتي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط والغاز.
كما قد تتأثر سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما قد يدفع بعض الدول إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الاقتصادية، سواءً عبر تنويع مصادر الطاقة أو الاستثمار في بدائل جديدة مثل الطاقة المتجددة.
وتمثل الحرب في الشرق الأوسط، حدثًا جيوسياسيًا كبيرًا تتجاوز آثاره حدود المنطقة لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله، وفي خضم هذه التحولات، تبدو روسيا واحدة من الدول التي قد تحقق مكاسب اقتصادية وسياسية مهمة، مستفيدةً من ارتفاع أسعار الطاقة، وتغير أولويات الغرب.
ويمكن القول إن روسيا تقف اليوم أمام لحظة استراتيجية حساسة، فهي تستفيد من الفوضى الدولية دون أن تشارك فيها مباشرة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن استمرار هذه الفوضى، قد يعيد تشكيل النظام العالمي بطريقة قد تحمل فرصًا جديدة، بقدر ما تحمل تحديات غير محسوبة.
اقرأ أيضًا:-
4 سيناريوهات لأسعار النفط مع تصاعد الحرب على إيران ومضيق هرمز كلمة السر
Short Url
الاقتصاد الدائري في المنطقة العربية.. من خيار بيئي إلى ضرورة اقتصادية
09 مارس 2026 01:00 م
“كان يا مكان” و“درش” و“عين سحرية” في الصدارة، "المتحدة" على القمة حسب استطلاع عالمي
06 مارس 2026 10:40 م
أكثر الكلمات انتشاراً