%23 من المحاصيل في حالة ركود، هل بدأ عصر التراجع الزراعي؟
الخميس، 12 فبراير 2026 10:29 ص
الأمن الغذائي
هدير جلال
يبلغ عدد سكان العالم اليوم نحو خمسة أضعاف ما كان عليه مطلع القرن العشرين، ومع ذلك لم تحظَ البشرية في معظم تاريخها بغذاء أوفر مما هو متاح حالياً، ويرجع هذا التحول الكبير إلى ثلاثة عوامل رئيسية عززت قدرة العالم على تجنب المجاعات، رفع الإنتاجية الزراعية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتوسع التجارة الدولية، غير أن هذه الركائز الثلاث تواجه اليوم تهديدات متزايدة، وفقًا لما ذكرته بلومبرج الشرق.

تباطؤ محرك الإنتاجية
كان التقدم الأبرز منذ الثورة الصناعية هو الارتفاع المستمر في إنتاجية الزراعة، فعلى مدى عقود، نجح المزارعون في زيادة المحصول من كل هكتار، حتى بدا نمو الغلة وكأنه مسار طبيعي لا يتوقف، لكن هذا المسار بدأ يتعثر تحت ضغط تغير المناخ فبعد أن نما الإنتاج الزراعي بأكثر من 2% سنوياً على مدار ستة عقود، تراجع معدل النمو منذ عام 2020 إلى 1.63%.
أما إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية التي تقيس كفاءة النظام الغذائي ككل، بعيداً عن مجرد زيادة المدخلات من أراضٍ ومياه وأسمدة وعمالة وآلات فلم تتجاوز 0.76% خلال العقد الماضي، وهو ما يمثل أكثر قليلاً من ثلث المعدل المطلوب لإطعام نحو 10 مليارات نسمة بحلول 2050.
وعند التعمق في بيانات المحاصيل الأساسية، تبدو الصورة أكثر إثارة للقلق، فقد توقف تقريباً نمو غلة الذرة والأرز والقمح خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكذلك الحال بالنسبة إلى الزيوت النباتية الرئيسية، كما تشهد محاصيل أساسية في المناطق الاستوائية، التي يعتمد عليها مئات الملايين في أفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء من الأميركتين والمحيط الهادئ، ركوداً مماثلاً، مثل الكسافا واليام والموز.
23% من الإجمالي نسبة المحاصيل التي تعاني من الركود والتراجع
في عام 2000، كانت نحو 95% من المحاصيل العالمية تنتمي إلى فئة تشهد نمواً سريعاً في الغلة، أما اليوم، فتمثل المحاصيل التي تعاني ركوداً أو تراجعاً نحو 23% من الإجمالي، ما يشير إلى اقتراب كثير من الأنظمة الزراعية من حدودها الإنتاجية القصوى.
الاستنزاف المتسارع للمياه الجوفية
من بين الأسباب المحتملة لهذا التباطؤ الاستنزاف المتسارع للمياه الجوفية، وهو مخزون طبيعي استغرق تكوينه آلاف السنين، فقد أشارت دراسة للأمم المتحدة في يناير إلى أن العالم تجاوز مرحلة “أزمة المياه” إلى “مرحلة نضوب المياه”، حيث يفوق السحب من الأمطار والأنهار والآبار قدرة الطبيعة على التعويض، ما يضع الأنظمة المائية على مسار خطر.
ووفقًا لما ذكرته بلومبرج الشرق، هناك نحو 70% من طبقات المياه الجوفية عالمياً تسجل انخفاضاً طويل الأمد، رغم أنها توفر قرابة نصف مياه الاستخدام المنزلي و40% من مياه الري.

تراجع إنتاج القمح بنحو 90%
وتُعد السعودية مثالاً تحذيرياً، ففي أوائل التسعينيات، أصبحت لفترة وجيزة سادس أكبر مصدر للقمح عالمياً بفضل استخراج مكثف للمياه الجوفية الصحراوية ضمن برنامج لتعزيز الأمن الغذائي. لكن مع نضوب تلك المخزونات، تراجع إنتاج القمح بنحو 90%.
وتتكرر الضغوط نفسها في مناطق أكثر كثافة سكانية وأقل ثراء ففي أجزاء من البنجاب بالهند ينخفض منسوب المياه الجوفية بنحو نصف متر سنوياً، وارتفع عدد الآبار التي يتجاوز عمقها 70 متراً من نحو 100 ألف بئر في أواخر الثمانينيات إلى 3.8 مليون بئر حالياً، وبعضها يصل إلى عمق يقارب 380 متراً.
وفي إيران، التي يعتمد سكانها البالغ عددهم 93 مليون نسمة على المياه الجوفية في تأمين الغذاء، أدى الاستنزاف إلى طرح مقترحات لنقل العاصمة طهران، فيما ساهمت أزمات المياه المتكررة في تفاقم التوترات الاقتصادية والاجتماعية.
لطالما شكلت التجارة الركيزة الثالثة في منظومة الأمن الغذائي العالمي، فمنذ ستينيات القرن الماضي، جاء جانب كبير من الفائض الغذائي من الإنتاج الاستثنائي في نصف الكرة الغربي، خاصة في سهول الأرجنتين، وسيرادو البرازيل، وبراري كندا، والولايات المتحدة التي لعبت الدور الأبرز.
في عام 2024، حملت الصادرات الأمريكية الصافية من الذرة والأرز والقمح والزيوت النباتية والسكر نحو 2.66 تريليون سعرة حرارية، تكفي لإطعام سكان الولايات المتحدة لعام كامل. وبفضل التجارة، تستطيع دول قاحلة مثل الكويت استيراد “مياه افتراضية” متجسدة في الغذاء المزروع في أماكن أخرى، كما يمكن لليابان، محدودة الأراضي الزراعية، الاعتماد على أراضي دول أخرى عبر الأسواق العالمية.
غير أن هذه المنظومة تفترض عالماً تعتبر فيه التجارة لعبةً رابحة للجميع، ومع تصاعد النزعات القومية والحمائية، تبدو هذه الفرضية أقل يقيناً، ورغم أن السياسات الأميركية الأخيرة أبقت الصادرات الزراعية إلى حد كبير خارج دائرة الاضطرابات الجمركية، فلا ضمان لاستمرار هذا الوضع.
وقد استخدمت روسيا صادرات الحبوب والزيوت الأوكرانية كورقة ضغط بعد غزو 2022، كما استُخدمت قيود الغذاء لأغراض سياسية في مناطق عدة مثل غزة ودارفور وإثيوبيا واليمن وناغورنو كاراباخ.
التجويع أحد أقدم أدوات الإكراه السياسي في التاريخ، وفي عالم يتسم باضطرابات مناخية متزايدة ونزاعات جيوسياسية محتدمة، يصبح من غير الواقعي افتراض أن هذه الأداة ستختفي، ومع تباطؤ الإنتاجية، واستنزاف المياه، وتسييس التجارة، تبدو أسس النظام الغذائي العالمي أقل صلابة مما كانت عليه، رغم وفرة الغذاء التي ينعم بها العالم اليوم.

اقرأ أيضًا:
وزير الزراعة يبحث و "باير" العالمية آفاق التعاون في البحوث التطبيقية وحماية المحاصيل
«زارعة الشيوخ»: تحديث قانون الزراعة ضرورة وطنية لتعزيز الأمن الغذائي ودعم الفلاح
بنمو 6.31%.. سوق معدات ما بعد الحصاد يتجاوز 5.8 مليار دولار
وزير الزراعة : الدولة تضع الأمن الغذائي والتنافسية العالمية على رأس أولوياتها
وكيل زراعة الشيوخ في حواره لـ"إيجي إن": مصر ليست آمنة غذائيًا بنسبة 100% وارتفاع تكاليف الإنتاج أبرز التحديات
لتحقيق الأمن الغذائي «وزارة الزراعة» تدعم 715 ألف مزارع وسيدة ريفية
رئيس زراعة الشيوخ: السياسات السعرية العادلة ودعم الفلاح ضرورة لتحقيق الاكتفاء الذاتي الزراعي
وزير الاستثمار: التنمية والأمن الغذائي في صدارة أولويات إصلاح التجارة العالمية
بـ 5.5 مليون جنيه، استثمارات جديدة لإنتاج مسحوق البروتين (فيديو)
Short Url
بينها السردية الوطنية، رانيا المشاط تبرز إنجازاتها بوزارة التخطيط خلال 8 سنوات
12 فبراير 2026 12:17 م
الدحيح: التكنولوجيا تغيّر طريقة تفكيرنا ولن تلغي دور الإنسان
12 فبراير 2026 11:49 ص
هشام عز العرب: 40% من نمو قروض CIB خلال 2025 موجه للاستثمارات الرأسمالية
12 فبراير 2026 11:49 ص
أكثر الكلمات انتشاراً