الانسحاب الأمريكي الكبير، ترامب يعيد رسم النظام الاقتصادي والسياسي العالمي
الجمعة، 23 يناير 2026 04:46 م
دونالد ترامب
يشكل الانسحاب الأمريكي الواسع من 66 منظمة واتفاقية دولية في يناير 2026 نقطة تحول مفصلية في مسار الاقتصاد العالمي، إذ يتجاوز كونه قرارًا إداريًا أو ماليًا محدود الأثر، ليعكس تحولًا هيكليًا يعيد رسم قواعد النظام الاقتصادي والسياسي الدولي الذي تشكل منذ منتصف القرن العشرين.
وكانت الولايات المتحدة على مدار عقود طويلة المحرك الرئيسي للنظام الاقتصادي متعدد الأطراف، ليس فقط من خلال التمويل، بل عبر صياغة المعايير، وتوجيه السياسات، والتحكم في تدفقات المعلومات الاقتصادية العالمية.
ومن ثم، فإن الانسحاب بهذا الحجم يعيد توزيع الأدوار داخل النظام العالمي ويحدث فراغًا مؤسسيًا يؤثر مباشرة في كفاءة الأسواق، واستقرار سلاسل التوريد، وتوقعات النمو العالمي.

المنطق الاقتصادي الرسمي للانسحاب وحدوده الواقعية
تستند الإدارة الأمريكية في تبرير القرار إلى خطاب اقتصادي يركز على ترشيد الإنفاق العام وتقليل ما تعتبره هدرًا ماليًا في مؤسسات دولية تعاني من الازدواجية وسوء الإدارة، ومن منظور محاسبي ضيق، قد يبدو هذا الطرح منطقيًا، إذ تسهم الولايات المتحدة بنسب مرتفعة في تمويل عدد كبير من هذه المنظمات.
إلا أن التحليل الاقتصادي الأعمق يكشف أن هذا المنطق يتجاهل الطبيعة غير المباشرة للعوائد الاقتصادية المتحققة من العضوية في المؤسسات الدولية، فالكثير من هذه العوائد لا تظهر في صورة أرباح مالية مباشرة، بل في صورة استقرار الأسواق، وانخفاض تكاليف المخاطر، وتحسين بيئة الأعمال العالمية، وهي عناصر يصعب تعويضها عبر الأطر الثنائية أو السياسات الانعزالية.
أثر الانسحاب على تدفقات المعلومات الاقتصادية وكفاءة الأسواق
تلعب المؤسسات الدولية الفنية دورًا محوريًا في إنتاج وتوحيد البيانات الاقتصادية العالمية، وهي وظيفة أساسية لضمان كفاءة الأسواق وتقليل حالة عدم اليقين، ومع انسحاب الولايات المتحدة من منظمات معنية بالسلع الأساسية والطاقة والمعادن، تتعرض الأسواق لخطر فقدان الشفافية وتراجع جودة المعلومات المتاحة.
ويؤدي هذا الخلل إلى زيادة عدم تماثل المعلومات بين الفاعلين الاقتصاديين، ما يمنح ميزة نسبية للدول أو الشركات التي تمتلك قواعد بيانات مستقلة أو نفوذًا أكبر داخل هذه الأسواق.
وفي هذا السياق، يتحول الانسحاب من أداة لتعزيز السيادة الاقتصادية إلى عامل يضعف قدرة المنتجين والمستثمرين الأمريكيين على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة.
التداعيات على قطاع السلع الأساسية والزراعة الأمريكية
يعد قطاع السلع الأساسية، ولا سيما الزراعة والمعادن، من أكثر القطاعات عرضة للتأثر المباشر بالانسحاب، فالانسحاب من اللجنة الاستشارية الدولية للقطن يحرم المزارعين الأمريكيين من الوصول إلى منظومة بيانات محايدة تتعلق بالإنتاج والاستهلاك والمخزونات العالمية.
ونتيجة لذلك، تزداد التقلبات السعرية وترتفع مخاطر التسعير الخاطئ، ما يؤثر سلبًا على دخول المزارعين وقدرتهم على التخطيط طويل الأجل، وينطبق الأمر ذاته على قطاع المعادن الاستراتيجية مثل الرصاص والزنك، حيث يؤدي غياب الولايات المتحدة عن آليات الرصد الدولية إلى إضعاف قدرتها على التنبؤ بالاختناقات المحتملة في سلاسل التوريد، وهو ما يحمل آثارًا مباشرة على الصناعات التحويلية والدفاعية.
الانسحاب المناخي وانعكاساته على الاقتصاد الكلي
يمثل الخروج من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ والهيئات المرتبطة بها أخطر الأبعاد الاقتصادية للقرار، نظرًا لتشابك ملف المناخ مع جميع قطاعات الاقتصاد العالمي، فغياب الولايات المتحدة عن الإطار القانوني العالمي للمناخ يعني فقدانها القدرة على التأثير في تصميم أسواق الكربون، وآليات التمويل الأخضر، ومعايير الإفصاح البيئي التي ستتحكم في حركة التجارة والاستثمار خلال العقود المقبلة.
وعلى المستوى الكلي، يؤدي هذا الانسحاب إلى زيادة المخاطر المرتبطة بالكوارث المناخية داخل الاقتصاد الأمريكي نفسه، بما يحمله ذلك من تكاليف مرتفعة على البنية التحتية، والتأمين، والمالية العامة.
تأثير الانسحاب على قطاع الطاقة والتنافس التكنولوجي
في ظل التحول العالمي المتسارع نحو الطاقة المتجددة، يؤدي الانسحاب من منظمات مثل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة والتحالف الدولي للطاقة الشمسية إلى عزل الشركات الأمريكية عن شبكات الابتكار العالمية.
ويترتب على ذلك تراجع القدرة التنافسية للولايات المتحدة في قطاعات تعتبر من محركات النمو المستقبلية، مثل تقنيات تخزين الطاقة والهيدروجين الأخضر وسلاسل توريد الطاقة الشمسية.
وفي المقابل، تستفيد دول أخرى، وعلى رأسها الصين، من هذا الغياب لتعزيز سيطرتها على المعايير التقنية والأسواق الناشئة، ما يخلق فجوة تنافسية يصعب سدها لاحقًا.

الانعكاسات الاستثمارية والمالية العالمية
يؤدي تقليص الدور الأمريكي في المؤسسات الدولية إلى ارتفاع مستوى المخاطر السياسية والتنظيمية في النظام الاقتصادي العالمي، وهو ما ينعكس مباشرة على قرارات المستثمرين.
فالاستثمارات طويلة الأجل تعتمد على وضوح القواعد واستقرار الأطر القانونية، ومع انسحاب الولايات المتحدة من مواقع صياغة هذه القواعد، تتزايد احتمالات إعادة توجيه رؤوس الأموال نحو تكتلات أخرى أكثر استقرارًا من حيث الالتزام المؤسسي.
وعلى المدى المتوسط، قد يضعف ذلك من جاذبية السوق الأمريكية لبعض أنواع الاستثمارات الاستراتيجية، خصوصًا تلك المرتبطة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.
إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي العالمي
يسهم الانسحاب الأمريكي في تسريع التحول نحو نظام اقتصادي دولي متعدد الأقطاب، حيث تبرز الصين كأكبر مستفيد من الفراغ المؤسسي، فمن خلال تعزيز حضورها في المؤسسات الدولية، تستطيع بكين توجيه السياسات والمعايير بما يخدم نموذجها التنموي واستراتيجياتها الصناعية.
وفي المقابل، يواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطًا متزايدة لتعويض الغياب الأمريكي، ما يدفعه نحو تحمل أعباء مالية وتنظيمية إضافية، ويعزز توجهه نحو الاستقلالية الاستراتيجية وربما إعادة تعريف علاقاته الاقتصادية عبر الأطلسي.
التداعيات الداخلية على الاقتصاد الأمريكي
داخليًا، يخلق القرار حالة من عدم اليقين القانوني والسياسي تؤثر على بيئة الأعمال والاستثمار، فالجدل الدستوري حول صلاحيات الانسحاب من المعاهدات، والانقسام الحاد بين الحزبين، يبعث برسائل متناقضة للأسواق والشركات.
ويؤدي ذلك إلى تردد في اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل، وإلى زيادة اعتماد الشركات الأمريكية على استراتيجيات التحوط أو التوسع الخارجي لتقليل المخاطر المرتبطة بتقلب السياسات.
منظمات الأمم المتحدة والتأثير المتوقع بعد الانسحاب
المنظمة | مجال العمل | مساهمة الولايات المتحدة قبل الانسحاب | التأثير المتوقع بعد الانسحاب | قوة الأثر |
|---|---|---|---|---|
UN Department of Economic and Social Affairs | التنمية | تمويل وتوجيه سياسات | ضعف التنسيق الأممي | متوسط |
Economic Commission for Africa | التنمية الإقليمية | تمويل ودعم فني | تقليص البرامج | قوي |
Economic Commission for Latin America and the Caribbean | التنمية الإقليمية | دعم اقتصادي | فجوة تمويل | متوسط |
Economic and Social Commission for Asia and the Pacific | التنمية الإقليمية | تمويل وخبرات | ضعف التنفيذ | متوسط |
Economic and Social Commission for Western Asia | التنمية الإقليمية | دعم سياسي | تأثير مؤسسي متوسط | متوسط |
International Law Commission | القانون الدولي | خبراء ودعم فني | تراجع الثقل القانوني | متوسط |
International Residual Mechanism for Criminal Tribunals | العدالة الدولية | تمويل ودعم سياسي | ضعف الاستدامة | قوي |
International Trade Centre | التجارة والتنمية | تمويل وبناء قدرات | تقليص دعم الدول النامية | قوي |
Office of the Special Adviser on Africa | قضايا إفريقيا | دعم سياسي وتحليلي | تراجع الأولوية المؤسسية | متوسط |
Office of the SRSG for Children in Armed Conflict | حماية الأطفال | دعم سياسي وتمويلي | ضعف آليات الرصد | قوي |
Office of the SRSG on Sexual Violence in Conflict | العنف الجنسي في النزاعات | دعم سياسي وتمويلي | تراجع آليات المساءلة | قوي |
Office of the SRSG on Violence Against Children | حماية الطفل | دعم معياري | ضعف البرامج الوقائية | متوسط |
Peacebuilding Commission | بناء السلام | مشاركة سياسية ومالية | ضعف التنسيق الدولي | قوي |
UN Peacebuilding Fund | بناء السلام | مساهمات مالية رئيسية | ضعف الاستقرار | قوي |
Permanent Forum on People of African Descent | حقوق الأقليات | دعم سياسي ورمزي | تأثير رمزي محدود | ضعيف |
UN Alliance of Civilizations | الحوار الحضاري | دعم سياسي | تراجع الزخم الدولي | متوسط |
UN-REDD Programme | المناخ والغابات | تمويل ومشاركة سياسية | تقليص برامج الحد من الانبعاثات | قوي |
UN Conference on Trade and Development | التجارة والتنمية | دعم مالي وفني | ضعف أجندة الدول النامية | قوي |
UN Democracy Fund | الحوكمة | ممول رئيسي | انكماش البرامج | قوي |
UN Energy | الطاقة | دعم تنسيقي | تأثير متوسط | متوسط |
UN Women | حقوق المرأة | تمويل محوري | فجوة تمويلية كبيرة | قوي |
UN Framework Convention on Climate Change | المناخ | تمويل ونفوذ سياسي | إضعاف القيادة المناخية | قوي |
UN Human Settlements Programme | التنمية الحضرية | تمويل ودعم فني | تباطؤ البرامج | متوسط |
UN Institute for Training and Research | التدريب وبناء القدرات | تمويل وبرامج | تقليص التدريب | متوسط |
UN Oceans | المحيطات | دعم تنسيقي | تأثير متوسط | متوسط |
UN Population Fund | الصحة الإنجابية | دعم مالي ولوجستي | تراجع الخدمات | قوي |
UN Register of Conventional Arms | الشفافية العسكرية | دعم سياسي | ضعف الإبلاغ | متوسط |
UN System Chief Executives Board for Coordination | تنسيق أممي | مشاركة سياسية | تأثير إداري محدود | ضعيف |
UN System Staff College | تدريب الكوادر | دعم تدريبي | أثر تشغيلي محدود | ضعيف |
UN Water | المياه | دعم تنسيقي | تأثير متوسط | متوسط |
UN University | البحث والتدريب | تمويل وأكاديميون | تقليص البرامج | متوسط |
الخلاصة الاقتصادية والاستشراف المستقبلي
يكشف التحليل الاقتصادي الشامل أن الانسحاب الأمريكي من المؤسسات الدولية لا يمثل مجرد تقليص للالتزامات المالية، بل إعادة تموضع عميقة تحمل تكاليف هيكلية مرتفعة.
فبينما قد تحقق الولايات المتحدة وفورات محدودة على المدى القصير، فإنها تخاطر بخسارة دورها كمصمم للقواعد الاقتصادية العالمية، لتتحول تدريجيًا إلى فاعل يعمل ضمن منظومة صاغها الآخرون.
وعلى المدى الطويل، قد يؤدي هذا المسار إلى تراجع النفوذ الاقتصادي الأمريكي وإلى تسريع تشكل نظام عالمي جديد أقل تمركزًا حول واشنطن وأكثر خضوعًا لتوازنات قوى بديلة.
اقرأ أيضًا:
بيانات اقتصادية أمريكية مفاجئة تقلص الطلب على الذهب كملاذ آمن
الضرائب الجديدة تهز الاقتصاد الأمريكي في 2026، دفعة للأفراد والشركات وجدل حول العدالة المالية
Short Url
نمو مرن وسط عالم مضطرب، لماذا لا يخشى العالم الركود في 2026؟
22 يناير 2026 04:02 م
المرأة تقود التغيير، السعودية تكتب فصلا جديدا بالتنمية الاقتصادية بعيدا عن النفط في 2026
22 يناير 2026 12:45 م
أكثر الكلمات انتشاراً