بين تحولات الاقتصاد العالمي وضغوط الكربون، الصناعة المصرية على مفترق طرق
الأحد، 18 يناير 2026 04:10 م
الصناعة المصرية
في لحظة عالمية تتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية، تقف الصناعة المصرية أمام اختبار مزدوج: كيف تحافظ على دورها التاريخي كقاطرة للنمو والتشغيل، وفي الوقت ذاته تتكيف مع عالم يعيد رسم خرائط الإنتاج والتجارة وفق اعتبارات جديدة، في مقدمتها الاستدامة والحياد الكربوني والرقمنة.
الوثيقة لا تقدم مجرد سرد لسياسات أو أرقام، بل تعكس سردية وطنية متكاملة تسعى إلى إعادة تعريف دور الصناعة في الاقتصاد المصري خلال العقد القادم.

عالم يتغير وسلاسل قيمة تعاد صياغتها
لم يعد الاقتصاد العالمي ذلك الفضاء المفتوح الذي تحكمه الكفاءة وحدها، التوترات الجيوسياسية، وتصاعد الحمائية، والدروس المستخلصة من أزمات سلاسل الإمداد خلال جائحة كورونا، دفعت كبرى الاقتصادات إلى إعادة التفكير في مواقع الإنتاج.
مفاهيم مثل Nearshoring وFriendshoring أصبحت عناوين المرحلة، بما يعنيه ذلك من فرص للدول القريبة جغرافيًا من الأسواق الكبرى، والقادرة على توفير بيئة إنتاج مستقرة.
بالنسبة لمصر، يشكل هذا التحول فرصة نادرة. الموقع الجغرافي، والاتفاقيات التجارية، والبنية التحتية المتطورة نسبيًا، كلها عوامل تؤهلها للاندماج بعمق أكبر في سلاسل القيمة الإقليمية والأوروبية.
غير أن هذه الفرصة مشروطة بقدرة الصناعة المحلية على مواكبة الثورة الصناعية الرابعة والخامسة، حيث لم تعد المنافسة تدور حول التكلفة فقط، بل حول التكنولوجيا، والابتكار، والبصمة البيئية.
الصناعة المصرية.. صمود نسبي وتحسن تصديري
رغم الاضطرابات الاقتصادية العالمية، حافظت الصناعة المصرية على مساهمة مستقرة في الناتج المحلي الإجمالي تراوحت بين 14% و17% على مدى عقدين، لكن المؤشر الأهم كان تحسن هيكل الصادرات، إذ ارتفعت مساهمة الصادرات الصناعية إلى أكثر من 50% بحلول 2024، في دلالة على انتقال تدريجي من الاعتماد على المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
اللافت أن عام 2024/2025 شهد انتعاشًا قويًا للصناعات غير البترولية، بمعدل نمو تجاوز 14%، مدفوعًا بتحسن توافر مستلزمات الإنتاج وتيسير الإفراجات الجمركية.
قطاعات مثل السيارات، والملابس الجاهزة، والمنسوجات، والمشروبات برزت كمحركات رئيسية للنمو، مؤكدة أن الصناعة لا تزال قادرة على التعافي حين تتوافر السياسات الداعمة.
قطاعات واعدة.. ورهان على التوطين
تراهن الاستراتيجية الوطنية للتنمية الصناعية على مجموعة من القطاعات القادرة على تحقيق اختراق نوعي، صناعة السيارات، على سبيل المثال، لم تعد مجرد تجميع، بل مشروع وطني يستهدف إنتاج 500 ألف مركبة سنويًا بحلول 2030، مع تعميق المكون المحلي والتوسع في السيارات الكهربائية.
كذلك، تمثل الصناعات الطبية والدوائية قصة نجاح محتملة، في ظل استهداف رفع الصادرات إلى 3 مليارات دولار، اعتمادًا على ميزة تنافسية إقليمية وأطر تنظيمية أكثر تطورًا.
أما الملابس الجاهزة والمنسوجات، فتستفيد من إعادة تموضع سلاسل الإمداد العالمية، واستقطاب استثمارات أجنبية مباشرة تبحث عن بدائل للأسواق الآسيوية.

ممكنات التنمية الصناعية.. مناخ أعمال وتمويل ومهارات
الاستراتيجية الصناعية لا تكتفي بتحديد القطاعات، بل تركز على سبعة ممكنات رئيسية، في مقدمتها تحسين مناخ الأعمال، وتسريع الإجراءات، وتوفير تمويل تنافسي، وربط الصناعة بالبحث العلمي، وتطوير العمالة.
جوهر هذه الرؤية هو الانتقال من سياسات دعم عامة إلى سياسات ذكية تستهدف تعميق التصنيع المحلي وبناء سلاسل قيمة متكاملة.
تحديد 28 صناعة وفرصة استثمارية واعدة يعكس هذا التوجه، مع التركيز على الصناعات الأقل استهلاكًا للطاقة والأكثر كثافة في التشغيل، بما يتماشى مع التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر.
CBAM.. التحدي الأصعب في الأفق
ربما يمثل تطبيق آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) الاختبار الأهم للصناعة المصرية في السنوات المقبلة، فهذه الآلية، التي ستدخل حيز التنفيذ المالي الكامل في 2026، لا تفرض فقط تكلفة إضافية على الصادرات كثيفة الكربون، بل تعيد تعريف مفهوم التنافسية ذاته.
التقديرات تشير إلى أعباء سنوية تقارب 317 مليون دولار على الشركات المصرية، مع تركز التأثير في قطاعات الحديد والصلب والألومنيوم والأسمدة، والأخطر أن التأثير لا يقتصر على الشركات المصدرة، بل يمتد إلى الاقتصاد ككل، مع احتمال تراجع الدخل الحقيقي بنحو 0.6%.
لكن الوجه الآخر للصورة أن CBAM قد يتحول من تهديد إلى فرصة، فالتكيف المبكر، والاستثمار في خفض الانبعاثات، والتحول للطاقة النظيفة، يمكن أن يمنح الصناعة المصرية ميزة تنافسية طويلة الأجل، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على المنتجات منخفضة الكربون.

استجابة مؤسسية وتمويل أخضر
التحركات المصرية في هذا الملف تعكس إدراكًا مبكرًا لحجم التحدي، من الانضمام إلى منصات الخبراء الدولية، إلى الاعتراف الأوروبي بجهات الاعتماد المصرية، وصولًا إلى إطلاق سوق طوعي للكربون، تتشكل بنية مؤسسية داعمة للتحول الأخضر.
برنامج الصناعة الخضراء المستدامة، بتمويل يتجاوز 270 مليون يورو، يمثل حجر زاوية في هذا التحول، من خلال دعم الاستثمارات في كفاءة الطاقة، وإزالة الكربون، والاقتصاد الدائري، كما يعكس التعاون مع ألمانيا والاتحاد الأوروبي عبر GIZ وTAIEX إدراكًا لأهمية الدعم الفني ونقل المعرفة، وليس التمويل فقط.
الصناعة كرافعة للنمو في عالم جديد
ما تكشفه هذه الوثيقة هو أن التنمية الصناعية في مصر لم تعد مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة استراتيجية، النجاح لن يُقاس فقط بزيادة الإنتاج أو الصادرات، بل بمدى قدرة الصناعة على الاندماج في عالم يتغير، عالم تحكمه سلاسل قيمة مرنة، وتكنولوجيا متقدمة، ومعايير بيئية صارمة.
الرهان الحقيقي هو تحويل التحديات – من اضطراب سلاسل الإمداد إلى CBAM – إلى محفزات لإعادة الهيكلة والتحديث، وإذا ما نجحت مصر في هذا التحول، فإن الصناعة قد تستعيد دورها التاريخي، ليس فقط كمحرك للنمو، بل كعمود فقري لاقتصاد إنتاجي تنافسي ومستدام.
اقرأ أيضًا:
أعباء بملايين الدولارات، كيف تتأثر الشركات المصرية برسوم آلية تعديل حدود الكربون؟
صناعة الأخشاب في مصر 2026، آفاق استثمارية واعدة لتوطين الإنتاج وتعزيز الصادرات
Short Url
السياحة المصرية تحقق 24 مليار دولار وتوفر 3 ملايين فرصة عمل
18 يناير 2026 01:57 م
القطاع الخاص في صدارة سد الفجوة التمويلية، كيف تحولت مصر إلى منصة للتمويل التنموي؟
18 يناير 2026 12:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً