بين تفوق الشركات الصينية وشبح الرسوم الأمريكية، صناعة السيارات الأوروبية على مفترق طرق
الجمعة، 09 يناير 2026 09:35 ص
السيارات الأوروبية
على الرغم من ديناميكيات المنافسة العالمية والتحولات التكنولوجية والضغوط التنظيمية، لا تزال أوروبا تملك فرصة لتأمين ريادتها العالمية على المدى الطويل، حيث يمثل قطاع صناعة السيارات، أحد أهم أعمدة الاقتصاد الأوروبي، ويعد من آخر القطاعات الصناعية التي لا تزال تتمتع فيها أوروبا بريادة عالمية واضحة.
فالقطاع لا يقتصر دوره على إنتاج المركبات فحسب، بل يمتد ليشمل سلاسل قيمة ضخمة تضم الموردين، ومراكز البحث والتطوير، والخدمات اللوجستية، والتجارة، ما يجعله مسؤولًا عن ملايين فرص العمل ونسبة معتبرة من الناتج الصناعي الأوروبي.
غير أن هذه الأهمية الاستراتيجية باتت اليوم مهددة بفعل تداخل عوامل عالمية وتنظيمية تضغط بشكل مباشر على ربحية واستدامة الصناعة.

تواجه شركات السيارات الأوروبية تراجعًا متزايدًا
على المستوى العالمي، تواجه شركات السيارات الأوروبية تراجعًا متزايدًا في قدرتها على تحقيق الأرباح في الأسواق الخارجية، ففي الصين، التي تعد أكبر سوق سيارات في العالم، تشهد العلامات الأوروبية تآكلًا مستمرًا في حصتها السوقية، خاصة في قطاع السيارات الكهربائية.
ويعود ذلك إلى تفوق الشركات الصينية من حيث التكلفة، وسرعة الابتكار، والدعم الحكومي، إضافة إلى تكامل سلاسل التوريد المحلية، هذا التراجع لا يعني فقط خسارة حجم مبيعات، بل فقدان مصدر رئيسي للأرباح كان يعوض ضعف الأداء في أسواق أخرى.
أما في الولايات المتحدة، فتواجه الشركات الأوروبية حالة من عدم اليقين الناتجة عن السياسات التجارية والجمركية، فاحتمالات فرض رسوم إضافية، إلى جانب برامج الدعم الموجهة للمصنعين المحليين، تقلل من جاذبية السوق الأمريكية وتضغط على هوامش الربح، ونتيجة لذلك، تتقلص الفرص التوسعية أمام الشركات الأوروبية في واحدة من أكثر الأسواق ربحية تاريخيًا.
السوق الأوروبية محط الأنظار في قطاع السيارات
في ظل هذه التطورات، أصبحت السوق الأوروبية أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة لمصنعي السيارات الأوروبيين، إلا أن هذه السوق، بدلًا من أن تمثل عنصر استقرار، تحولت إلى مصدر ضغط إضافي بفعل الإطار التنظيمي الصارم.
إذ تواجه الشركات الأوروبية مجموعة من السياسات البيئية التي تهدف إلى تسريع التحول نحو التنقل المستدام، لكنها في الوقت نفسه تحدث آثارًا اقتصادية سلبية عميقة.
أول هذه السياسات، يتمثل في التحول الإجباري نحو السيارات الكهربائية، فمن الناحية الاقتصادية، تعاني السيارات الكهربائية من هوامش ربح أقل مقارنة بمركبات محركات الاحتراق الداخلي.
ويرجع ذلك إلى ارتفاع تكاليف البطاريات، والمنافسة السعرية الشديدة، وانخفاض عوائد خدمات ما بعد البيع، التي لطالما شكلت مصدر دخل رئيسي للشركات، كما أن الطلب الاستهلاكي لا ينمو بالوتيرة التي تستهدفها السياسات العامة، ما يخلق فجوة بين الأهداف التنظيمية وواقع السوق.
السياسة الثانية، هي تطبيق معايير الانبعاثات الجديدة (يورو 7)، والتي تفرض استثمارات إضافية كبيرة على تطوير محركات الاحتراق الداخلي، والمفارقة الاقتصادية هنا أن هذا النوع من المحركات لا يزال يمثل العمود الفقري لربحية الشركات الأوروبية، وخاصة الألمانية منها، وبالتالي، فإن تحميل هذا القطاع مزيدًا من الأعباء التنظيمية، يقلص قدرته على تمويل التحول التكنولوجي بدلًا من استغلاله كرافعة انتقالية.
أما السياسة الثالثة، فتتمثل في حدود الانبعاثات على مستوى أساطيل الشركات والغرامات المرتبطة بها، وتعد هذه الغرامات مخاطرة مالية كبيرة، خصوصًا في حال لم يتماش سلوك المستهلكين مع نسب التبني المفروضة للسيارات الكهربائية.
وفي هذه الحالة، تتحمل الشركات تكلفة فجوة لا تملك السيطرة الكاملة عليها، ما يحول السياسة البيئية إلى عامل عدم يقين اقتصادي.

الأثر التراكمي قد يؤدي إلى انخفاض ربحية الشركات الأوروبية
وتظهر التحليلات الاقتصادية أن الأثر التراكمي لهذه السياسات قد يؤدي إلى انخفاض ربحية الشركات الأوروبية، بما يتراوح بين 7 و8 نقاط مئوية بحلول عام 2030.
وهو ما يعني عمليًا تآكل كامل الأرباح المحققة في السوق الأوروبية، ودفع القطاع إلى منطقة الخسائر، والأهم من ذلك أن هذا السيناريو يتحقق سواء ارتفعت حصة السيارات الكهربائية إلى 35% أو 55%، ما يعكس وجود مشكلة هيكلية عميقة.
اقتصاديًا، تضع هذه التطورات أوروبا أمام ثلاثة مسارات محتملة، الأول يتمثل في تقلص حجم الصناعة وخسارة الوظائف وتراجع القيمة المضافة.
الثاني هو اللجوء إلى الدعم الحكومي والحماية التجارية، وهو مسار يخفف الصدمة مؤقتًا، لكنه يضعف التنافسية على المدى الطويل.
أما المسار الثالث، والأكثر استدامة، فيكمن في إعادة تصميم السياسات التنظيمية بما يوازن بين الأهداف البيئية والواقع الاقتصادي للصناعة.
لا تكمن الأزمة في التحول نحو التنقل المستدام بحد ذاته، بل في سرعة وحدة التنظيم مقارنة بقدرة السوق والصناعة على التكيف، ومن دون هذا التوازن، فإن صناعة السيارات الأوروبية مهددة بفقدان دورها كأحد المحركات الرئيسية للنمو والابتكار في الاقتصاد الأوروبي.
اقرأ أيضًا:
أسهم السيارات الأوروبية ترتفع بعد مقترح ترامب لتخفيف معايير الوقود
طوفان السيارات الصينية الفاخرة يجتاح أوروبا، والكبار في موقف لا يحسدون عليه
Short Url
نمو ضخم وفرص استثمارية غير مسبوقة، سوق الجسور العالمي يتخطى 120 مليار دولار في 2025
06 يناير 2026 02:00 م
من قمم 2025 إلى رهانات 2026، هل أصبحت العملات الرقمية أداة مالية ناضجة؟
04 يناير 2026 12:34 م
نمو يتخطى 6%، السناكس الصحية تغيّر خريطة الاستهلاك العالمي
04 يناير 2026 11:22 ص
أكثر الكلمات انتشاراً