من ورقٍ نقدي إلى ورق حمام.. كيف تصنع طباعة الأموال كوارث اقتصادية؟
الجمعة، 16 يناير 2026 10:09 م
طباعة الأموال
في لحظات الانهيار الاقتصادي الكبرى لا تسقط العملة فجأة، بل تتآكل ببطء ثم تنهار دفعة واحدة، وتبدأ القصة بأوراق نقدية تبدو عادية، وتنتهي بها وقد تحولت إلى عبءٍ يومي لا وزن له ولا قيمة، وهذا ما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وكذلك في المجر بعد الحرب الثانية، ويتكرر اليوم في دول مختلفة ظنت أن طباعة النقود طريقٌ مختصرٌ للهروب من الأزمات.

السؤال الأبدي.. لماذا لا تطبع الحكومات المال؟
وربما خطر هذا السؤال على أذهان الكثيرين، وهو لماذا لا تقوم الحكومات بطباعة المزيد من الأموال، فتسدد ديونها، وتساعد الفقراء، وتعفي الناس من الضرائب، ويصبح الجميع في حال أفضل؟ والإجابة المباشرة، التي يؤكدها التاريخ الاقتصادي، أن هذه الخطوة تمثل وصفة جاهزة للتضخم المفرط، وهو أحد أخطر الظواهر التي يمكن أن تصيب اقتصاد أي دولة.
فطباعة المال لا تجعل المواطنين أكثر ثراءً، بل تؤدي عمليًا إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض القوة الشرائية، أي أن المشكلة لا تحل بل تعاد صياغتها بشكل أكثر قسوة.
النقود ليست ثروة بل مجرد انعكاس لها
ولا تعد النقود في جوهرها ثروة حقيقية، بل وسيلة تمثل الثروة الموجودة بالفعل في شكل سلعٍ وخدماتٍ، وعندما تزيد كمية النقود دون أن تزيد كمية ما ينتج فعليًا، فإن كل وحدة نقدية تمثل شريحة أصغر من تلك الثروة، فلو افترضنا أن حكومةً ما، قررت منح كلِ مواطنٍ دخلًا ضخمًا شهريًا، فإن التأثير الأولي سيكون شعورًا زائفًا بالثراء، لكنه سرعان ما يتبدد مع ارتفاع الأسعار بنفس الوتيرة، وفي النهاية سيظل المواطن قادرًا على شراء الكمية نفسها من السلع، لكن بأرقامٍ أكبرَ بلا معنى.
التضخم.. العدو الصامت للمدخرات
وأخطر ما يفعله التضخم هو تدمير المدخرات، فكل من يحتفظ بالنقود سواءً في حسابٍ مصرفي أو في منزله، يشهد تآكلًا مستمرًا لقيمتها الحقيقية، ومع التضخم المفرط تختفي المدخرات بالكامل، وتسحق الطبقة الوسطى التي تعتمد على الاستقرار المالي، وفي الوقت نفسه، يؤدي عدم استقرار الأسعار إلى حالة من الغموض وعدم اليقين، وتجعل الشركات تحجم عن الاستثمار، كما تؤجل خطط التوسع، ما ينعكس مباشرة على النمو الاقتصادي وفرص العمل.
_1768_095636.jpg)
السندات الحكومية.. حين يخون الادخار أصحابه
وتعتمد الحكومات على السندات لتمويل عجزها، والسندات في جوهرها شكل من أشكال الادخار، فالمستثمرون يشترونها باعتبارها آمنة، لكن هذه الثقة تنهار حين تلجأ الدولة إلى طباعة الأموال لسداد ديونها، كما أن ارتفاع التضخم يعني انخفاض القيمة الحقيقية للسندات، ما يدفع المستثمرين للعزوف عنها أو المطالبة بفوائد أعلى، وهكذا تجد الحكومة نفسها محاصرة بعجز أكبر وفوائد أعلى وحاجة متزايدة للطباعة، في حلقة مفرغة يصعب كسرها.
ولا توجد قاعدة صارمة تحكم كمية الأموال التي يجب طباعتها، لكن المبدأ النظري واضح، حيث يجب أن تتناسب الكتلة النقدية مع حجم السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد، وعادة ما تطبع البنوك المركزية ما يعادل 2 إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مع اختلاف النسبة من اقتصاد لآخر، وغالبًا ما تكون أعلى في الدول النامية، لكن أي طباعة تتجاوز هذا التوازن دون غطاء إنتاجي حقيقي، تتحول إلى وقود للتضخم.
ألمانيا 1923م.. من المارك إلى ورق بلا قيمة
وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، فرضت على ألمانيا تعويضات مالية ضخمة بلغت 132 مليار مارك ذهبي، وهو رقم يفوق قدرة الاقتصاد الألماني آنذاك، ومع خسارة الحرب وفشل الرهانات السياسية، وجدت جمهورية فايمر نفسها غارقة في الديون، فبدلًا من فرض ضرائب أو خفض الإنفاق، اختارت الحكومة الحل الأسهل، وهو طباعة المارك.
ومع كل دفعة جديدة من النقود، كانت قيمة العملة تنخفض، إلى أن بلغ التضخم ذروته عام 1923م، حين أصبح رغيف الخبز يكلف 200 مليون مارك، ووصل سعر الدولار إلى أكثر من 4.2 تريليون مارك، وفي تلك اللحظة، فقدت النقود وظيفتها بالكامل، وصار العمال يتقاضون أجورهم مرتين يوميًا، وتغير المطاعم أسعارها كل ساعة، حيث أصبح الورق النقدي نفسه بلا قيمة، حتى استخدمه بعض الألمان للتدفئة أو كورق حمام.
ولم يكن التضخم مجرد أزمة أسعار، بل أزمة مجتمع فالمدخرات اختفت والأجور الحقيقية انهارت وفقدت الطبقة الوسطى كل ما راكمته عبر سنوات، وهذا الانهيار الاقتصادي العنيف، فتح الباب أمام الغضب الشعبي وأدى إلى فقدان الثقة بالدولة، فضلًا عن صعود التيارات المتطرفة التي استغلت اليأس الجماعي.
_1768_100037.jpg)
المجر 1946م.. ماكينة طباعة بلا حدود
وبعد الحرب العالمية الثانية، خرجت المجر مدمرة بالكامل، فـ90% من طاقتها الصناعية دمرت، والبنية التحتية انهارت، والبلاد كانت ترزح تحت تعويضات ثقيلة فرضها السوفيت، وفي محاولة لإعادة الإعمار، قررت الحكومة إغراق الاقتصاد بالمال، وخلال ستة أشهر فقط، ارتفع المعروض النقدي من 25 مليار فرونت إلى 1.646 تريليون، ثم قفز إلى أرقامٍ فلكيةٍ بلغت عشرات الترليونات.
وكانت النتيجة أسوأ تضخم في التاريخ الحديث، فالأسعار ترتفع بنسبة 150 ألف في المئة يوميًا، والضرائب تفقد قيمتها خلال ساعات، والأجور الحقيقية تنخفض بأكثر من 80%.
من يدفع الثمن دائمًا؟
في كل تجارب التضخم المفرط، كانت النتيجة واحدة، فالعمال يفقدون قوتهم الشرائية، وأصحاب المدخرات يخسرون كل شيء، والمستثمرون يهربون، والدولة تفقد مصداقيتها، بينما لا ينجو من العاصفة إلا من يمتلك أصولًا حقيقيةً أو عملات صعبة.
السودان.. العملة كسلاح في زمن الحرب
وفي سياقٍ مختلفٍ شكلًا لكنه متشابه مضمونًا، أعلنت السلطات النقدية في السودان، نيتها طباعة فئات جديدة من الجنيه تحت شعار تحديث البنية النقدية، لكن الطباعة في ظل حرب وانقسام مؤسسي، ليست إجراءً فنيًا بقدر ما هي فعلٌ سياسي، فحين يتجاوز التضخم 250%، ويقفز سعر الصرف الموازي فوق 1,800 جنيه للدولار، ويعمل الجهاز المصرفي بنصف طاقته، تصبح العملة انعكاسًا للأزمة لا حلًا لها.
كما أن قيمة العملة لا تأتي من الورق والحبر بل من الثقة، ومن الاقتصاد الحقيقي الذي يقف خلفها، ومع توقف المصانع وانهيار الزراعة، وتفكك سلاسل الإمداد، يتحول كل جنيه مطبوع إلى عبءٍ إضافي على ما تبقى من الاقتصاد.

الدرس الذي لم يتغير عبر قرن
ومن ألمانيا إلى المجر ومن زيمبابوي إلى أزمات الحاضر، الرسالة واحدة، فالطباعة غير المسؤولة للنقود لا تحل الأزمات، بل تصنع أزمات أكبر، فالاقتصاد لا يبنى بالأرقام بل بالإنتاج ولا يستقر دون ثقة ولا ينهض في ظل الحرب والانقسام.
اقرأ أيضًا:-
إرث الحرب العالمية الثانية، الاقتصاد العالمي يدفع ثمن نزاع عمره 80 عامًا؟
"الجميع في مرمى النار".. الحرب الباردة الجديدة، لا منتصر بل خاسرون
Short Url
كوريا الجنوبية تتحول إلى قوة صاعدة في سوق السلاح العالمي.. هل يدوم الصعود؟
15 يناير 2026 10:00 ص
الأعشاب والتوابل في مصر بين النمو والعجز التجاري، سوق بـ2.66 مليار دولار
14 يناير 2026 06:00 م
من النفط إلى المعرفة، التكنولوجيا تعيد تشكيل مستقبل الصناعات التحويلية في الخليج
14 يناير 2026 10:00 ص
أكثر الكلمات انتشاراً