الخميس، 15 يناير 2026

01:59 م

البنتاجون في مواجهة فجوة الإنتاج، لماذا تعجز المصانع الأمريكية عن تلبية الطلب المتزايد؟

الخميس، 15 يناير 2026 12:00 م

 صناعة السلاح الأمريكية

صناعة السلاح الأمريكية

ميرنا البكري

الأحداث الآن في الولايات المتحدة لا يمكن وصفها بصراع سياسي بين ترامب وشركات السلاح، وأيضًا لا يُمكن اعتبارها نقاش عسكري عن حرب محتملة مع الصين، لكنها أزمة اقتصادية هيكلية في واحدة من أكبر صناعات العالم “الصناعة العسكرية الأميريكية”، فتكشف هذه الأزمة تناقض خطير بين قوة تكنولوجية مرعبة، وبين قدرة إنتاجية محدودة، وبين نظام اقتصادي معتاد يعمل على الربح السريع أكثر من الجاهزية طويلة المدى، ومن هنا، حتى لو كلام ترامب شعبوي أو صدامي لكنه لمس جرح حقيقي في الاقتصاد العسكري الأمريكي.

America's giant armsmakers are being outgunned
الاقتصاد العسكري الأمريكي

أموال بلا حدود، وصناعة بسقف منخفض أمام الحروب الكبيرة

تستحوذ أمريكا على 40% من الإنفاق العسكري العالمي، أي الأموال موجودة وبكثرة، لكن الصدمة أن هناك حرب كبيرة في الاقتصاد العالمي كسيناريو الصين، فقد ينتهي المخزون في أقل من أسبوع، مما يعني أن المشكلة ليست في نقص تمويل، بل بأن النموذج الاقتصادي للصناعة الدفاعية نفسه أصبح عاجزًا.

فعملت شركات السلاح الكبرى لعقود على مبدأ البيع بمعدلات أقل لكن بسعر اعلى وبمواصفات معقدة، وينتج عن ذلك أسلحة خارقة لكن عمليات إنتاج بطيء وخطوط تصنيع ليست مرنة وسلاسل توريد ضعيفة للغاية واعتماد كبير على مكونات نادرة ومهارات تراجعت مع الزمن.

أي يمكن القول أن الصناعة العسكرية الأمريكية مصممة للحروب القصيرة والضربات السريعة، وليس لحروب استنزاف طويلة كالتي حدثت  في أوكرانيا أو الحرب المحتملة مع الصين.

 أرباح قياسية للشركات وأمن قومي مهزوز

ما فجر غضب ترامب أن شركات السلاح تحقق أرباح ضخمة للغاية وبدلًا من أن  تضخها في توسيع المصانع وتدريب عمالة جديدة، تنفقها في توزيعات أرباح وإعادة شراء أسهم ورواتب كبرى للإدارات العليا، وبالمنظور الاقتصادي فهذا تصرف واقعي للغاية لشركات خاصة، لكنها من منظور الدولة خطر استراتيجي؛ نظرًا لأن الشركات استجابت للحوافز التي خلقتها الحكومة التي يمكن اعتبارها خاطئة من عقود متقطعة وطلبات غير مستقرة وتغييرات تصميم مستمرة، وعدم وجود رؤية طويلة المدى، فمن الطبيعي أن تستجيب الشركات لتقليل المخاطرة وتحقيق أرباح قصيرة الأجل وعدم توسيع الإنتاج.

بمعنى آخر الدولة تطالب الشركات بالعمل في بيئة لا تضمن بها استقرار الطلب أو ثبات المواصفات لكن عند الأزمات تطالبها بزيادة الإنتاج بصورة فورية، وهذا  تناقض اقتصادي غير قابل للتطبيق.

ترامب على مفترق الطرق، الصناعة الدفاعية بين العقاب والاستدامة

ترامب لديه قدر من الصواب في تشخيصه للصناعة العسكرية بأمريكا، وهي أن الصناعة الدفاعية الأمريكية تحتاج لتغيير ولا يمكنها الاستمرار بنفس الشكل القديم، لكن المشكلة أن الطريقة نفسها قد تعيق الهدف، فيعد التهديد والمنع وتحديد الرواتب وضرب الأرباح دون مقابل واضح تصرف خطر؛ نظرًا لأن فرض قيود قاسية على الشركات دون إعطائها عقود طويلة الأجل تضمن لها طلب ثابت ومستمر، أو ضخ استثمار حكومي مباشر يوسع المصانع ويجهز خطوط الإنتاج، فيجعل المستثمرين يبتعدون والإنتاج سيصبح أبطأ  وليس أسرع، والشركات سترفع الأسعار لكي تعوض المخاطر، ووقتها، بدلًا من أن تزيد حجم السلاح وتحقق جاهزية حقيقية للجيش، وسيجد ترامب نفسه زود التضخم ورفع الدين العام، دون حل المشكلة الأساسية.

The Case for Increasing Economic Warfare Capabilities in the Military •  Stimson Center
الجيش الأمريكي

 معضلة “الجودة مقابل الكمية”، وأمريكا تواجه طريق محفوف بالمخاطر

راهن الاقتصاد العسكري الأمريكي لعقود على الجودة الخارقة، من F-35، وباتريوت، وأنظمة شبحية، وتكنولوجيا معقدة للغاية، وهذا اتضح قدراته في حروب غير متكافئة وضربات سريعة وخصوم أضعف تكنولوجيًا لكن أمام خصم بحجم الصين، فالمعادلة تتغير فقد تكون الحرب طويلة واستنزافية وتحتاج لعدد كبير وما جعل الشركات جديدة  مثل Anduril تظهر، لأنها تفكر بعقلية سلاح أقل تكلفة بإنتاج أسرع وبالتالي قابلية للتصنيع الكمي، وهذه نقطة تحول اقتصادية مهمة للغاية، لأنها قد تغير شكل الصناعة بالكامل خلال 10 سنوات.

رفع الميزانية لـ 1.5 تريليون، حل أم قنبلة موقوتة؟

يعد رفع الميزانية العسكرية إلى 1.5 تريليون دولار رقم ضخم للغاية، لكنه اقتصاديًا ليس ضمان للنجاح، فإذا ذهبت هذه الأموال لنفس الشركات، وبنفس النموذج القديم، وبنفس العقود المعقدة التي لازالت متعبة، فالنتيجة تكون زيادة التضخم وارتفاع الأسعار وضغط أكبر على أسعار الفائدة وزيادة الدين العام الذي وصل بالفعل لـ 38 تريليون دولار. 

بمعنى آخر، قد يتحمل الاقتصاد الأمريكي تكلفة ضخمة في محاولة إنقاذ الصناعة الدفاعية، دون أن يتم حل الأزمة الأساسية للإنتاج والجاهزية العسكرية.

أبرز التوقعات الاقتصادية للوضع الراهن بالولايات المتحدة 2026

على المدى القصير، قد  تشهد الولايات المتحدة  ضغط سياسي أكبر على شركات السلاح، مع توقيع عقود إنتاج جديدة وصعود شركات دفاع ناشئة، بالإضافة إلى تقلبات واضحة في أسهم الصناعات العسكرية.

ومن المتوقع أن يحدث إعادة هيكلة جزئية للصناعة الدفاعية على المدى المتوسط، مع تركيز أكبر على تطوير أسلحة بتكلفة قليلة وبعدد كبير تصلح للحروب طويلة المدى، مع تدخل حكومي أعمق في التخطيط والإنتاج لضمان جاهزية أقوى.

أما على المدى الطويل فالسيناريوهات تتوزع بين نجاح أمريكا في بناء نموذج إنتاج عسكري جديد ومستدام، أو استمرار التفوق التكنولوجي مع ضعف الإنتاجية، والسيناريو الآخر يمثل خطر أكبر على القدرة العسكرية والاستقرار الاقتصادي.

 القوة العسكرية تبدأ من المصنع نفسه 

يمكن القول أن أي قوة عسكرية حقيقية من الضروري أن يكون خلفها اقتصاد قادر على الاستدامة، وليس تكنولوجيا مبهرة وخطابات سياسية نارية، فأمريكا الآن أمام لحظة اختيار، إما تعيد بناء صناعتها الدفاعية بعقلية إنتاج جماعي طويل المدى، أو تظل أقوى جيش في العالم لكن بقدرة أقل مما تتصور.

وإذا أثبت لنا التاريخ شيء، فهو أن الحروب الكبيرة دائمًا بكسبها المصانع قبل الجيوش.

اقرأ أيضًا:

للهروب من ماما أمريكا، نتنياهو يطوّر صناعته العسكرية بـ110 مليارات دولار

ارتفاع الديون لـ38 تريليون، هل يسقط الاقتصاد الأمريكي رغم قوة الدولار؟

Short Url

search