الأحد، 25 أكتوبر 2026

02:16 م

أخطر ممر ملاحي في العالم.. البحر الأسود يتعرض لأكبر عمليات هجوم على السفن

الأحد، 25 أكتوبر 2026 12:10 م

البحر الأسود _ صورة أرشيفية

البحر الأسود _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

تحول البحر الأسود خلال عام 2026 إلى أخطر ممر ملاحي في العالم من حيث الخسائر البشرية، متجاوزًا مضيق هرمز الذي تصدر اهتمام الأسواق العالمية على مدار الأشهر الماضية، وذلك في ظل تصاعد الهجمات الروسية والأوكرانية على السفن التجارية، وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة بشأن تدفقات صادرات الحبوب والنفط، إلى جانب الضغوط المتصاعدة على تكاليف الشحن والتأمين البحري.

وبحسب بيانات شركة الأمن البحري «أمبري» والمنظمة البحرية الدولية، تعرضت أكثر من 570 سفينة لهجمات في البحر الأسود منذ بداية العام، ما أسفر عن مقتل 40 بحاراً على الأقل، مقابل 24 حالة وفاة مؤكدة في مضيق هرمز.

عدد الهجمات في البحر الأسود

وتشير تقديرات إلى أن عدد الهجمات في البحر الأسود تجاوز نظيره في منطقة الخليج بأكثر من 6 أضعاف، مع استهداف ناقلات النفط وسفن الشحن والحبوب باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق المفخخة، بالتزامن مع احتدام المواجهات بين روسيا وأوكرانيا.

وخلال الربع الثالث من العام الجاري، تجاوز متوسط الهجمات أربع عمليات يوميًا، ما دفع شركات الشحن إلى زيادة حذرها بشأن إرسال السفن إلى المنطقة، لا سيما في ظل انخفاض هوامش الربح مقارنة بالرحلات عبر الشرق الأوسط، رغم المخاطر الأمنية التي تواجه الملاحة في المنطقتين.

387 سفينة تحت الهجوم خلال ثلاثة أشهر

شهدت الملاحة التجارية في البحر الأسود تصعيداً حاداً في الهجمات منذ الصيف الماضي، إذ تعرضت نحو 387 سفينة لاعتداءات خلال الفترة الممتدة من يوليو إلى سبتمبر، بزيادة تجاوزت خمسة أضعاف مقارنة بالربع السابق، وفقاً لبيانات شركة «أمبري».

وجاء هذا التصعيد مع توسيع أوكرانيا عملياتها باستخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف السفن الروسية، في إطار مساعيها لتعطيل إمدادات الديزل القادمة من شبه جزيرة القرم، قبل أن تمتد العمليات إلى مضيق كيرتش، الذي يصل بحر آزوف بالبحر الأسود.

وفي سبتمبر، نقلت صحيفة «فايننشال تايمز» عن قائد أوكراني قوله إن القوات الأوكرانية استهدفت أكثر من 300 سفينة روسية خلال 11 أسبوعاً، من بينها ناقلات خاضعة للعقوبات وسفن مخصصة لنقل الحبوب.

في المقابل، كثفت روسيا هجماتها على السفن المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية، حيث استحوذت الهجمات الروسية على نحو 90% من إجمالي الاعتداءات التي استهدفت السفن خلال الأيام الـ45 الماضية، بحسب شركة «أمبري».

وامتدت التهديدات إلى المياه القريبة من دول حلف شمال الأطلسي، بعدما تعرضت ناقلتان للمواد الكيميائية لهجمات بطائرات مسيّرة قبالة السواحل الرومانية في 15 أكتوبر.

وأعلنت السلطات الرومانية تعرض ناقلة أخرى لهجوم قبالة سواحل البلاد، أسفر عن مقتل بحار وفقدان ثلاثة آخرين، في تطور يعكس اتساع النطاق الجغرافي للمواجهات البحرية.

تكاليف التأمين على السفن ترتفع إلى 15% من قيمتها

أدى تصاعد المخاطر الأمنية في البحر الأسود إلى زيادة مباشرة في تكاليف تشغيل السفن، بعدما قررت اللجنة المشتركة للحرب، المعنية بتحديد المناطق عالية المخاطر لأغراض التأمين، توسيع نطاق المناطق المصنفة ضمن أعلى مستويات التهديد ليشمل معظم أنحاء البحر الأسود.

ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» عن عاملين في قطاع التأمين البحري أن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب قد تصل إلى 15% من قيمة هيكل السفينة، بما يقارب ضعف المستويات المفروضة على السفن العاملة في منطقة الخليج.

وفي ظل ارتفاع هذه التكاليف، اتجه بعض مالكي السفن إلى تشغيل ناقلات قديمة يصل عمر بعضها إلى 50 عاماً، مستفيدين من انخفاض قيمتها التأمينية مقارنة بالسفن الحديثة.

وتواجه شركات الشحن، بالتوازي مع ذلك، صعوبات متزايدة في استقطاب أطقم مستعدة للعمل في المنطقة، بسبب ارتفاع احتمالات التعرض للهجمات، والتشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، فضلاً عن مخاطر الألغام البحرية.

وأوضح الاتحاد الدولي لعمال النقل أن بعض البحارة العاملين في المنطقة ينحدرون من دول، من بينها سوريا وأذربيجان وبنين، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن ظروف العمل ومستويات الحماية القانونية والتعويضات المستحقة في حال وقوع حوادث.

وأظهرت عقود أن الرواتب الشهرية لبعض البحارة السوريين قد تبدأ من 800 دولار، مع مضاعفة الأجر عن أيام العمل داخل مناطق الحرب، تتراوح تعويضات الوفاة المحددة في أحد العقود بين 25 ألفاً و50 ألف دولار، وفقاً للرتبة الوظيفية للبحار، وفق الفايننشال تايمز.

صادرات الحبوب والنفط تواجه ضغوطاً متزايدة

امتدت تداعيات الهجمات البحرية إلى ما هو أبعد من ارتفاع أقساط التأمين، لتؤثر في حركة الصادرات الزراعية والنفطية من روسيا وأوكرانيا، اللتين تعدان من أبرز الموردين العالميين للحبوب.

وفي أوكرانيا، تراجعت حركة السفن في موانئ منطقة أوديسا الكبرى إلى أقل من 10 سفن خلال سبتمبر، بعدما بلغت نحو 400 سفينة في يوليو، وفقاً لشركة «تي آي إس»، أكبر مشغل خاص للموانئ في البلاد.

وهبطت الصادرات الزراعية الأوكرانية المنقولة بحراً إلى 1.4 مليون طن في أغسطس، بانخفاض يقارب 75% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بحسب وزارة الزراعة الأوكرانية.

لحماية مليار شخص

وفي محاولة للحد من تداعيات تعطل الموانئ الرئيسية، سعت كييف إلى تحويل جانب من صادرات الحبوب إلى موانئ أصغر على نهر الدانوب، إلا أن استمرار الهجمات حدّ من قدرتها على الاستفادة الكاملة من الطاقة التشغيلية المتاحة في تلك الموانئ.

أما في روسيا، فقد دفعت المخاطر الأمنية شركات التصدير إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر تكلفة، من خلال الشحن عبر بحر البلطيق وميناء فلاديفوستوك الواقع في أقصى شرق البلاد.

وفي هذا السياق، تراجعت شحنات الحبوب المنطلقة من الموانئ القريبة على البحر الأسود وبحر آزوف إلى نحو 201 ألف طن خلال سبتمبر، بما يعادل سدس الكميات المسجلة في الشهر السابق، وفقاً لبيانات شركة وساطة الشحن «آي إف سي إتش أو آر غالبريثس».

هل تمتد تداعيات أزمة البحر الأسود إلى أسعار الغذاء العالمية؟

تثير الاضطرابات المستمرة في البحر الأسود مخاوف من انتقال آثارها إلى أسواق الغذاء العالمية، خاصة في الدول الإفريقية والآسيوية التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الحبوب الروسية والأوكرانية.

وبدأت بعض الدول المستوردة بالفعل البحث عن بدائل لتأمين احتياجاتها، إذ اتجه مشترون في إندونيسيا إلى السوق الأسترالية، وسط مخاوف من تعطل وصول شحنات الحبوب الروسية خلال الأشهر المقبلة.

ولا تقتصر التهديدات على تأخير الشحنات الحالية أو تراجع أحجامها، بل تمتد إلى احتمالات انخفاض الإنتاج الزراعي خلال الموسم المقبل، نتيجة تراجع عائدات التصدير وارتفاع تكاليف النقل.

وحذر أندريه فيريفسكي، رئيس مجلس إدارة شركة «كيرنيل» الأوكرانية المتخصصة في تصدير زيت دوار الشمس، من أن التداعيات الأشد قد تظهر خلال موسم الزراعة المقبل، موضحاً أن المزارع الصغيرة والمتوسطة تعتمد على إيرادات التصدير لتمويل مشتريات الوقود والبذور والأسمدة.

وتتزامن هذه المخاطر الاقتصادية مع تصاعد المخاوف من اتساع نطاق المواجهات البحرية، خصوصاً بعد وصول الهجمات إلى مناطق قريبة من المياه الإقليمية لدول أعضاء في حلف شمال الأطلسي.

وعلى الرغم من دعوات البرلمان الأوروبي إلى إطلاق عملية بحرية أوروبية في البحر الأسود، لا تزال فرص التدخل العسكري المباشر محدودة، الأمر الذي يبقي شركات الشحن والمستوردين في مواجهة حالة مستمرة من عدم اليقين.

ومع استمرار تبادل الهجمات بين روسيا وأوكرانيا، تتزايد احتمالات تحول المخاطر الأمنية في البحر الأسود من أزمة ملاحة إقليمية إلى عامل ضغط إضافي على حركة التجارة الدولية، وأسعار الغذاء، وتكاليف النقل، في وقت تواجه فيه سلاسل الإمداد العالمية تحديات واضطرابات متنامية.

اقرأ أيضًا:

رغم استمرار الأزمات الجيوسياسية.. نمو كبير في الطلب على السفن الجديدة (تفاصيل)

Short Url

search