الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

04:20 م

الدكتور علاء مصطفى يكتب: مصر الرقمية.. حين يصبح الحاضر من الماضي

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 02:18 م

الدكتور علاء مصطفى

الدكتور علاء مصطفى

«ما نعرضه اليوم أصبح من الماضي».. عبارة لفتت انتباهي قالها الإعلامي الكبير أسامة كمال خلال إدارته جلسة «مصر رقمية»، التي سعدت بحضورها ضمن فعاليات منتدى مصر 2026.

أعتقد أن هذه العبارة تلخص أحد أهم التحديات التي تواجه التحول الرقمي اليوم. فالتكنولوجيا تتطور بسرعة غير مسبوقة، وأصبح من الممكن أن تتحول أحدث الأنظمة إلى تقنيات قديمة خلال فترة قصيرة، وهو ما يفرض علينا إعادة النظر ليس فقط في التكنولوجيا التي نستخدمها، وإنما في الطريقة التي نخطط وندير وننفذ بها مشروعاتنا.

استمعت خلال الجلسة إلى ما عرضه المسؤولون والخبراء من جهود الدولة المصرية في تطوير البنية التحتية الرقمية، والتوسع في الخدمات الحكومية الإلكترونية، وبناء القدرات البشرية، إلى جانب المستهدفات الطموحة للاقتصاد الرقمي خلال السنوات المقبلة.

وهي جهود تستحق التقدير، وتعكس استثمارات كبيرة وإرادة سياسية واضحة لبناء قاعدة تكنولوجية قوية تستطيع الدولة الانطلاق منها نحو المستقبل، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم: هل تتطور مؤسساتنا بنفس سرعة تطور التكنولوجيا؟

في تقديري، هذا هو التحدي الحقيقي للمرحلة المقبلة، فلا يمكن أن نستمر في إدارة مشروعات التحول الرقمي بنفس دورات التخطيط والتعاقد والتنفيذ التقليدية، بينما تتغير التكنولوجيا كل بضعة أشهر. فقد تبدأ جهة حكومية في دراسة مشروع تكنولوجي، وتستغرق سنوات في إجراءات الطرح والتعاقد والتنفيذ، لتكتشف عند تشغيله أن هناك حلولا أحدث وأكثر كفاءة أصبحت متاحة بالفعل.

ولا يقل عن ذلك خطورة أن ننجح في رقمنة البيروقراطية دون إصلاحها. فالتحول الرقمي لا يعني نقل الإجراءات المعقدة من المكاتب إلى الشاشات، وإنما إعادة تصميمها وتبسيطها من الأساس. والمواطن لا يعنيه عدد الخدمات المتاحة إلكترونيا بقدر ما يعنيه أن يحصل على خدمته بسهولة وسرعة ودون تعقيدات.

وهنا تظهر أهمية الانتقال من إدارة التحول الرقمي باعتباره مجموعة من المشروعات التكنولوجية، إلى إدارته باعتباره عملية مستمرة لتطوير مؤسسات الدولة، تتطلب تنسيقا حقيقيا بين الجهات الحكومية، ومرونة في اتخاذ القرار، وقدرة دائمة على التحديث والتطوير.

ومن هنا، أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أربعة تحركات أساسية:

أولا، إطلاق برنامج وطني لإعادة هندسة الإجراءات الحكومية قبل رقمنتها، مع تطوير آليات التخطيط والتعاقد والتنفيذ للمشروعات التكنولوجية، بما يحقق السرعة والمرونة دون الإخلال بالشفافية والرقابة.

ثانيا، الانتقال من قياس حجم الاستثمارات وعدد الخدمات الرقمية إلى قياس أثرها الحقيقي على حياة المواطنين والاقتصاد، من خلال مؤشرات معلنة تشمل جودة الخدمات، ورضا المواطنين، والوقت والتكلفة التي تم توفيرها، والعائد الاقتصادي المتحقق.

ثالثا، تطوير أطر الحوكمة والتشريعات المنظمة لاستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، بما يضمن التكامل بين الجهات، وحماية البيانات الشخصية، وحقوق المواطنين في الشفافية والتظلم والمراجعة البشرية للقرارات المؤثرة عليهم.

رابعا، التوسع في إشراك الشركات التكنولوجية المصرية والشركات الناشئة في مشروعات التحول الرقمي الحكومي، من خلال إتاحة فرص حقيقية للمنافسة والابتكار، والاستفادة من المشروعات الحكومية في بناء منتجات وحلول تكنولوجية مصرية قابلة للتطوير والتصدير. فالدولة لا ينبغي أن تكون فقط مستهلكا للتكنولوجيا، وإنما محركا لنمو صناعة تكنولوجية وطنية قادرة على المنافسة إقليميا ودوليا.

وأعتقد أن مصر تمتلك اليوم فرصة مهمة للانتقال من مرحلة بناء البنية التحتية والمنصات الرقمية إلى مرحلة تعظيم العائد الاقتصادي والمجتمعي منها، بشرط أن يصاحب التطور التكنولوجي تطور مماثل في أساليب الإدارة والتخطيط واتخاذ القرار.

لقد خرجت من جلسة «مصر رقمية» بتقدير أكبر لحجم ما تحقق، ولكن أيضا بقناعة أن المرحلة المقبلة تتطلب تغييرا في طريقة إدارة التحول الرقمي، وليس فقط التوسع في مشروعاته.

وأعود إلى عبارة أسامة كمال التي بدأت بها: «ما نعرضه اليوم أصبح من الماضي»، فالتحدي الحقيقي أمام مصر الرقمية لم يعد فقط أن نمتلك أحدث التكنولوجيا، وإنما أن نمتلك مؤسسات تستطيع التطور بنفس سرعتها، لأن التكنولوجيا التي نشتريها اليوم قد تصبح قديمة غدا، أما قدرتنا على التطوير والتجديد فهي الاستثمار الذي لا يفقد قيمته.

Short Url

search