الخميس، 15 أكتوبر 2026

06:12 م

رقية الأشرم تكتب: هل يعيد ترامب رسم خريطة الطاقة على حساب أوروبا وأوكرانيا؟

الخميس، 15 أكتوبر 2026 04:26 م

رقية الأشرم

رقية الأشرم

بقلم رقية الأشرم

لم يكن الإعلان الأمريكي الروسي عن إمدادات الديزل الروسي مجرد اتفاق تجاري عابر، بل فتح الباب أمام تساؤلات اقتصادية أوسع بشأن مستقبل سوق الطاقة العالمي، وجدوى العقوبات الغربية على موسكو، وحدود الفصل بين المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية. ففي التاسع من أكتوبر 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إمدادات من الديزل الروسي إلى الأسواق، بالتزامن مع تحركات أمريكية لتخفيف القيود المفروضة على تجارة الوقود الروسي. وجاء الإعلان في وقت تشهد فيه أسواق الوقود ضغوطًا سعرية، وتواجه فيه الولايات المتحدة تحديات تتعلق بتكلفة الطاقة والنقل والزراعة
لكن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس لماذا تشتري الولايات المتحدة الوقود الروسي فحسب، بل لماذا تعود واشنطن إلى التعامل مع مورد كانت تسعى، منذ اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022، إلى تقليص موارده المالية والضغط على صادراته؟ وهل نحن أمام تحول في أولويات السياسة الاقتصادية الأمريكية، أم محاولة لاحتواء أزمة أسعار الوقود بأدوات تجارية قصيرة الأجل؟


أولًا: من العقوبات إلى المصالح التجارية.. ماذا تغير في الحسابات الأمريكية


اعتمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، خلال السنوات الماضية، على العقوبات الاقتصادية وتقييد تجارة الطاقة الروسية بوصفهما وسيلتين لتقليص الإيرادات التي تحصل عليها موسكو، والضغط على قدرتها على تمويل الحرب. غير أن ارتفاع تكلفة الوقود يعيد طرح معادلة اقتصادية شديدة التعقيد: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في استخدام العقوبات عندما تصبح لها تكاليف مباشرة على المستهلك والمنتج المحلي؟
الديزل ليس مجرد منتج بترولي يُستخدم في السيارات والشاحنات، بل هو مدخل أساسي في سلاسل الإنتاج والتوزيع. فهو يدخل في تشغيل الشاحنات والآلات الزراعية ومعدات البناء، ويؤثر سعره في تكلفة نقل الغذاء والسلع والمواد الخام. ومن ثم، فإن ارتفاع أسعاره قد ينتقل تدريجيًا إلى أسعار المنتجات النهائية، ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصاد.
من هذا المنطلق، يمكن فهم التحرك الأمريكي باعتباره محاولة لتوسيع المعروض من الوقود واحتواء تكلفته. إلا أن نجاح هذه السياسة يظل مرتبطًا بحجم الإمدادات الفعلية، وسرعة وصولها، وتكلفة نقلها، ومدى قدرتها على التأثير في الأسعار المحلية. وقد شكك محللون في أن تكون الكميات المعلنة كافية لإحداث انخفاض كبير ومستدام في أسعار الديزل الأمريكية
وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية: السياسة التي تستهدف تخفيف الأعباء عن المستهلك الأمريكي قد تمنح، في الوقت نفسه، المصدر الروسي فرصة لاستعادة جزء من عائداته التجارية.


ثانيًا: هل يمثل الاتفاق مكسبًا اقتصاديًا لروسيا؟


تتمثل أهمية الاتفاق بالنسبة إلى موسكو في أن تصدير الوقود لا يحقق إيرادات مباشرة فقط، بل يساعد كذلك على استمرار دوران قطاع التكرير، وتوفير النقد الأجنبي، والحفاظ على الأسواق الخارجية، وتقليل أثر القيود التجارية.
كما أن تخفيف العقوبات، ولو بصورة مؤقتة أو محدودة، يحمل قيمة تتجاوز حجم الشحنات ذاتها؛ لأنه قد يفتح نقاشًا أوسع بشأن مرونة نظام العقوبات وإمكانية التعامل مع روسيا عندما تتعارض القيود السياسية مع احتياجات السوق.
لكن لا ينبغي المبالغة في تقدير أثر الاتفاق. فروسيا تبيع بالفعل النفط والمنتجات البترولية إلى أسواق خارجية، ولذلك فإن أهمية الإمدادات الجديدة تتوقف على ما إذا كانت تمثل صادرات إضافية حقيقية، أم إعادة توجيه لشحنات كانت ستذهب إلى أسواق أخرى.
وإذا كانت الشحنات ستُضاف إلى المعروض العالمي، فقد تسهم في تخفيف نقص الإمدادات. أما إذا كانت ستُحوّل من مشترٍ إلى آخر، فإن المكسب العالمي قد يكون محدودًا، بينما تظل الفائدة الأساسية مرتبطة بتغيير وجهة التجارة وشروطها.
وبالتالي، فإن المكسب الروسي المحتمل لا يُقاس فقط بعدد البراميل أو الأطنان المصدرة، بل أيضًا بمدى استعادة الوصول إلى الأسواق، وتحسن شروط البيع، وتراجع العزلة التجارية التي سعت العقوبات الغربية إلى فرضها.


ثالثًا: هل يدفع الاتحاد الأوروبي ثمن التقارب الأمريكي الروسي؟


هنا تبرز واحدة من أهم الإشكاليات الاقتصادية في الاتفاق.
فأوروبا أعادت، منذ عام 2022، ترتيب جانب مهم من منظومتها للطاقة لتقليل الاعتماد على روسيا، وتحملت تكاليف مرتبطة بتغيير الموردين، وبناء بدائل للإمداد، وتطوير البنية التحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، والتكيف مع تقلبات الأسعار.
وعندما تعود الولايات المتحدة إلى فتح مسار لتجارة الوقود الروسي، فإن ذلك يكشف عن اختلاف محتمل في ترتيب الأولويات بين ضفتي الأطلسي: واشنطن تركز على احتياجات السوق الأمريكية وتكلفة الوقود، بينما تتمسك دول أوروبية باستمرار الضغط الاقتصادي على موسكو.
غير أن وصف الاتفاق بأنه «صفعة لأوروبا» يحتاج إلى قدر من الدقة. فالضرر الاقتصادي الأوروبي ليس نتيجة تلقائية لشراء الولايات المتحدة الديزل الروسي؛ إذ يعتمد على حجم التدفقات الجديدة، وتأثيرها في الأسعار العالمية، وطبيعة العقوبات التي ستظل قائمة، ومدى التزام الدول الأوروبية بسياساتها التجارية.
وقد أكدت ألمانيا استمرار موقفها الرافض لدخول الديزل الروسي إلى سوقها رغم التفاهم الأمريكي الروسي، وهو ما يعكس أن الاتفاق لا يعني بالضرورة انتقال أوروبا إلى السياسة الأمريكية نفسها
لكن الخطر الأوسع يكمن في تباين السياسات. فإذا خففت واشنطن القيود على التجارة الروسية، بينما استمرت أوروبا في تحمل تكاليف سياسة أكثر تشددًا، فقد تتسع الفجوة بين المصالح الاقتصادية الأمريكية والأوروبية، ويصبح التنسيق الغربي في ملف الطاقة والعقوبات أكثر تعقيدًا.
ومن هنا، فإن السؤال الأوروبي ليس فقط: هل ستنخفض أسعار الوقود؟ بل أيضًا: هل تستطيع أوروبا الحفاظ على سياستها الاقتصادية تجاه روسيا في ظل تغير حسابات أكبر شريك تجاري وأمني لها؟


رابعًا: هل انتهى الدعم الأمريكي لأوكرانيا؟


اقتصاديًا، ينبغي التمييز بين ثلاثة ملفات: شراء الوقود الروسي، واستمرار العقوبات على موسكو، ومستوى الدعم العسكري والمالي المقدم لأوكرانيا.
تخفيف القيود على تجارة الوقود الروسي قد يرفع إيرادات موسكو، وهو ما يثير مخاوف أوكرانية وغربية من إضعاف أحد أدوات الضغط الاقتصادي على روسيا. لكنه لا يعني، في حد ذاته، انتهاء العلاقة الأمريكية الأوكرانية أو توقف كل أشكال الدعم الأمريكي.
وتشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية قدمت الاتفاق باعتباره جزءًا من مسعى أوسع لإعادة روسيا إلى المفاوضات، في حين عبّر مسؤولون أوكرانيون عن قلقهم من التفاهم، خاصة مع استمرار الخلاف بشأن 
ومن منظور اقتصادي، فإن المسألة تتعلق بتغير أدوات الضغط والتفاوض. فقد ترى واشنطن أن فتح نافذة تجارية محدودة يمكن أن يوفر حافزًا لموسكو للعودة إلى طاولة المفاوضات. وفي المقابل، ترى كييف أن تخفيف القيود قد يمنح روسيا موارد إضافية من دون ضمان تنازلات مقابلة.
والفيصل هنا ليس التصريحات وحدها، بل النتائج القابلة للقياس: هل سيؤدي الاتفاق إلى تخفيض فعلي ومستمر للعقوبات؟ هل ستتغير تدفقات الأموال إلى الاقتصاد الروسي؟ وهل ستُربط التسهيلات التجارية بالتزامات واضحة وقابلة للتحقق بشأن وقف القتال؟
حتى تتضح هذه النقاط، فإن الحديث عن انتهاء الدعم الأمريكي لأوكرانيا يظل استنتاجًا أوسع من الوقائع التي يثبتها اتفاق الوقود نفسه.


خامسًا: التأثير الحقيقي في أسعار النفط والديزل والتضخم


من الأخطاء الاقتصادية الشائعة الاعتقاد بأن زيادة المعروض من الوقود تؤدي بالضرورة إلى انخفاض كبير في الأسعار. فالأسعار العالمية لا تتحدد بقرار ثنائي بين دولتين وحده، وإنما تتأثر بمجموع العرض والطلب، وتكاليف الشحن والتأمين، وقدرات التكرير، والمخزونات التجارية، والمخاطر الجيوسياسية.


كما أن سوق الديزل تختلف عن سوق النفط الخام. فالديزل منتج مكرر يحتاج إلى طاقة تكريرية مناسبة، وقد تتعرض إمداداته لنقص حتى عندما يكون النفط الخام متاحًا بكميات كبيرة.
ولذلك، فإن أثر الاتفاق يمر عبر عدة قنوات:
قناة المعروض: زيادة الإمدادات المتاحة قد تخفف الضغط على سوق الديزل إذا كانت الكميات إضافية فعلًا.
قناة التكلفة: انخفاض تكلفة الوقود قد يقلل نفقات النقل والزراعة والصناعة، لكن انتقال هذا الانخفاض إلى أسعار السلع ليس فوريًا ولا مضمونًا.
قناة التوقعات: مجرد الإعلان عن إمدادات إضافية قد يؤثر في تداولات العقود الآجلة، حتى قبل وصول الشحنات.
قناة المخاطر: استمرار التوترات العسكرية والعقوبات قد يرفع تكاليف التأمين والنقل ويحد من أثر زيادة المعروض.


وقد أظهرت تحركات السوق عقب الإعلان تفاعلًا مع احتمالات زيادة إمدادات الديزل، لكن المحللين حذروا من أن الكميات المعلنة قد لا تكون كافية لتغيير توازن 
وعليه، فإن نجاح الاتفاق اقتصاديًا يجب أن يُقاس باستمرار الإمدادات، وحجم تأثيرها في أسعار الديزل، وتكلفتها النهائية للمستهلك، لا بمجرد الإعلان عن صفقة جديدة.


سادسًا: من يحصد المكاسب ومن يتحمل المخاطر؟


تكشف الصفقة عن تعارض محتمل بين المكاسب قصيرة الأجل والتكاليف الاستراتيجية طويلة الأجل.


فالاقتصاد الأمريكي قد يستفيد إذا أدت الإمدادات الجديدة إلى تخفيف تكلفة الوقود، بينما قد تستفيد روسيا من الإيرادات وتوسيع هامش حركتها التجارية. أما أوروبا، فقد تجد نفسها أمام اختبار جديد لتماسك سياستها تجاه موسكو، في حين تواجه أوكرانيا مخاوف من تراجع الضغط الاقتصادي على الطرف الذي تخوض معه الحرب.


ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن جميع هذه المكاسب ستتحقق بالفعل. فقد تتأخر الشحنات أو تقل عن المعلن، وقد لا ينعكس انخفاض أسعار الجملة على المستهلكين، وقد تستمر القيود الأوروبية والأمريكية الأخرى في الحد من آثار الاتفاق.


وهنا تتضح أهمية المتابعة الاقتصادية الدقيقة: حجم الشحنات التي وصلت بالفعل، والتكلفة مقارنة بالموردين الآخرين، وطبيعة الإعفاءات من العقوبات ومدتها، ومدى تغير صادرات روسيا الإجمالية، وحركة أسعار الديزل في الأسواق المعنية.


الخلاصة: هل تتقدم المصالح الاقتصادية على التحالفات السياسية


إن اتفاق الديزل الروسي الأمريكي يطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة النظام الاقتصادي العالمي: هل تستطيع الدول الكبرى الفصل بين التجارة والطاقة من جهة، والصراعات السياسية والعسكرية من جهة أخرى، أم أن كل صفقة تجارية أصبحت جزءًا من معادلة النفوذ الدولي


بالنسبة إلى ترامب، يمكن قراءة الاتفاق بوصفه محاولة للاستجابة لضغوط أسعار الوقود وتوسيع الخيارات المتاحة أمام السوق الأمريكية، مع استخدام الانفتاح التجاري أداة محتملة في المفاوضات مع موسكو. وبالنسبة إلى روسيا، فإنه يوفر فرصة لتعزيز الإيرادات وتوسيع هامش الحركة في سوق الطاقة. أما أوروبا وأوكرانيا، فتواجهان تساؤلات بشأن مدى استمرار التنسيق الغربي عندما تتعارض المصالح التجارية المباشرة مع أهداف الضغط السياسي والاقتصادي.


لكن لا يمكن الجزم بأن الاتفاق يمثل نهاية للشراكة الأمريكية الأوكرانية، أو أن أوروبا تعرضت بالفعل لخسارة اقتصادية مباشرة، أو أن خريطة الطاقة العالمية تغيرت بصورة دائمة. فهذه نتائج تتوقف على التنفيذ الفعلي للاتفاق، واستمراره، والقرارات اللاحقة المتعلقة بالعقوبات، وحجم التأثير في الأسعار والتجارة.


المعيار الاقتصادي الحاسم ليس من صافح من، بل من حصل على الوقود بأقل تكلفة، ومن حقق الإيرادات، ومن تحمل مخاطر تغير السياسات. وعندما تتضح الأرقام الفعلية، يمكن الحكم على ما إذا كان الاتفاق مجرد استجابة مؤقتة لأزمة الوقود، أم بداية لتحول أوسع في قواعد تجارة الطاقة والعلاقة بين الاقتصاد والسياسة في النظام الدولي.

Short Url

search