الخميس، 17 سبتمبر 2026

04:52 م

السيارات الكهربائية في أمريكا تحت ضغط سياسات ترامب.. مليارات الاستثمارات تتبخر وآلاف الوظائف مهددة

الخميس، 17 سبتمبر 2026 04:00 م

السيارات الكهربائية وترامب

السيارات الكهربائية وترامب

مي المرسي

كان قطاع السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة يعوّل على موجة استثمارات ضخمة لإعادة رسم خريطة الصناعة الأمريكية، وإنعاش مدن صناعية عانت عقودًا من تراجع التصنيع، وبناء سلسلة توريد محلية للسيارات والبطاريات بعيدًا عن الاعتماد على الصين، لكن هذا المسار تلقى ضربة قوية بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة، مع تغيير السياسات المرتبطة بالسيارات الكهربائية والحوافز الضريبية والانبعاثات والتجارة والهجرة، بالتزامن مع تباطؤ الطلب الأمريكي على السيارات الكهربائية.

وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن مشروعات مرتبطة بالسيارات الكهربائية أُلغيت بقيمة تقارب 20 مليار دولار خلال 2025، بينما تراجعت الاستثمارات الجديدة المعلنة إلى نحو 6.5 مليار دولار، بما يعادل 29% فقط من مستويات العام السابق و12% من ذروة بلغت 55 مليار دولار في 2023.

مصنع بطاريات بـ2.3 مليار دولار يتوقف

أحد أبرز الأمثلة على التحول الذي تشهده الصناعة الأمريكية ظهر في مدينة لوردز تاون بولاية أوهايو، حيث توقف مصنع «ألتيوم سيلز» المملوك لشركتي جنرال موتورز و«إل جي إنيرجي سوليوشن» الكورية الجنوبية، بعد تباطؤ مبيعات السيارات الكهربائية.

وتسبب توقف المصنع في تسريح 480 موظفًا إلى أجل غير مسمى، فيما أُبلغ نحو 850 عاملًا آخرين بأن خدماتهم لن تكون مطلوبة لعدة أشهر.

وكان المصنع، الذي بلغت تكلفة إنشائه نحو 2.3 مليار دولار، أحد رموز موجة الاستثمار في صناعة البطاريات الأمريكية، التي توسعت بقوة خلال الفترة من 2019 إلى 2024، مدفوعة بتوقعات بأن تتحول السيارات الكهربائية إلى محرك جديد للنمو الصناعي وتوفير الوظائف، لكن انتهاء الحوافز الفيدرالية الموجهة إلى مشتري السيارات الكهربائية، وعلى رأسها الائتمان الضريبي البالغ 7500 دولار، أدى إلى تغيرات حادة في اقتصاديات الطلب على السيارات الكهربائية، بالتزامن مع استمرار المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار ومدى القيادة وتوافر البنية التحتية للشحن.

كيف تحولت طفرة السيارات الكهربائية إلى إلغاء للمشروعات؟

بين عامي 2019 و2024، تضاعفت استثمارات تصنيع السيارات في الولايات المتحدة بأكثر من الضعف مقارنة بالسنوات الست السابقة، وكان قطاع السيارات الكهربائية المحرك الرئيسي لهذا النمو، وفق بيانات مركز أبحاث السيارات التي تتبعت المشروعات الصناعية المعلنة.

وجاءت هذه الطفرة نتيجة مزيج من الحوافز الحكومية والتغيرات التنظيمية والاستراتيجية الصناعية، إذ تبنت إدارة جو بايدن سياسات لدفع شركات السيارات نحو المركبات الأقل استهلاكًا للوقود، إلى جانب تقديم دعم مالي كبير لإنتاج البطاريات ومكونات السيارات الكهربائية.

وكان الهدف يتجاوز بيع السيارات نفسها إلى بناء سلسلة توريد أمريكية متكاملة تشمل البطاريات والمواد الخام ومكونات المركبات، بما يحد من الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، خصوصًا الصين، لكن المعادلة تغيرت بعد عودة ترامب، إذ تراجعت الحوافز الموجهة إلى السيارات الكهربائية، وخففت الإدارة الأمريكية بعض القواعد البيئية المرتبطة بانبعاثات السيارات، في الوقت الذي زادت فيه الضغوط التجارية على بعض مكونات البطاريات المستوردة.

وترى إدارة ترامب أن الحوافز السابقة خلقت طلبًا مصطنعًا على السيارات الكهربائية، بينما تقول شركات ومحللون إن التراجع المفاجئ في الحوافز جعل قرارات استثمارية ضخمة أُقيمت على أساس سياسات سابقة أكثر صعوبة من الناحية الاقتصادية.

صناعة البطاريات الألمانية تطلب الدعم مع تزايد المنافسة الصينية - الطاقة

27 ألف وظيفة كانت مرتبطة بمشروعات أُلغيت

لا تقتصر تداعيات التحول في السياسة الأمريكية على قيمة الاستثمارات، بل تمتد إلى سوق العمل في الولايات التي كانت تراهن على السيارات الكهربائية لإعادة إحياء قاعدتها الصناعية.

وتُظهر بيانات مؤسسة «أطلس بابليك بوليسي» أن المشروعات التي أُلغيت بين يناير 2025 وأغسطس 2026 كان من المتوقع أن توفر نحو 27 ألف وظيفة، وفي الوقت نفسه، أظهرت البيانات الفيدرالية انكماش وظائف تصنيع السيارات في الولايات المتحدة بنسبة 1.3% منذ يناير 2025، لتصل إلى نحو 963 ألف وظيفة في أغسطس.

وكانت غالبية الاستثمارات الجديدة متركزة في ما يعرف بـ«حزام البطاريات»، الممتد عبر عدد من الولايات الجنوبية والوسطى، ومنها جورجيا وإنديانا وأوهايو، وهي مناطق استفادت من الحوافز الفيدرالية ومنح الولايات لجذب مصانع البطاريات والسيارات الكهربائية.

وتكشف البيانات أن نحو 87% من الاستثمارات المعلنة في قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات تركزت في ولايات فاز بها ترامب في انتخابات 2024، ما يجعل تأثير تغير السياسة أكثر مباشرة على مناطق كانت تراهن على هذه المشروعات لتوفير الوظائف وتنشيط الاقتصاد المحلي.

الرسوم الجمركية ترفع تكلفة البطاريات

إلى جانب تقليص الحوافز، تواجه صناعة السيارات الكهربائية الأمريكية ضغطًا آخر من السياسة التجارية، فالولايات المتحدة تعتمد على واردات خارجية في عدد من المواد والمكونات الأساسية لصناعة البطاريات، بينما تهيمن الصين على قطاعات مهمة من سلسلة توريد البطاريات العالمية.

وتؤدي الرسوم الجمركية على بعض المواد والمكونات إلى زيادة تكلفة الإنتاج بالنسبة للمصانع الأمريكية، خصوصًا في مواد مثل الجرافيت المستخدم في الأنودات وبعض مكونات بطاريات الليثيوم والحديد والفوسفات.

وهنا تظهر مفارقة مهمة في السياسة الصناعية الأمريكية؛ فمحاولة تقليل الاعتماد على الصين تتطلب بناء قدرات إنتاج محلية، لكن رفع تكلفة المكونات المستوردة في المرحلة الانتقالية يمكن أن يجعل بناء تلك القدرات أكثر تكلفة، خصوصًا عندما يتزامن ذلك مع تراجع الطلب على السيارات الكهربائية.

4 دول أوروبية تؤيد فرض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية

أزمة العمالة تضيف ضغطًا جديدًا

لم تتوقف الضغوط عند التمويل والتجارة، إذ اصطدمت بعض مشروعات البطاريات أيضًا بتشديد إجراءات الهجرة وإنفاذ قوانين العمل، وفي سبتمبر 2025، أدت مداهمة نفذتها سلطات الهجرة الأمريكية في مصنع بطاريات قيد الإنشاء بولاية جورجيا، تابع لمشروع مشترك بين هيونداي موتور و«إل جي إنيرجي سوليوشن»، إلى اعتقال 475 شخصًا.

وكان عدد من العمال المعتقلين مهندسين ومتخصصين من كوريا الجنوبية، وكان وجودهم مرتبطًا بعمليات تركيب ومعايرة معدات شديدة التخصص داخل المصنع.

وبحسب مصادر نقلت عنها رويترز، أصبح بعض العمال الكوريين أكثر ترددًا في السفر إلى الولايات المتحدة، ما تسبب في تأخيرات في عمليات تشغيل بعض مصانع «إل جي» هناك.

وتكشف هذه الواقعة عن مشكلة أوسع تواجه الصناعة الأمريكية، إنشاء مصنع متطور لا يتوقف على ضخ مليارات الدولارات في المباني والمعدات فقط، بل يحتاج أيضًا إلى خبرات هندسية قادرة على تشغيل خطوط الإنتاج وإدخالها إلى مرحلة التشغيل التجاري.

شركات السيارات تعيد حساباتها

في الوقت نفسه، لم يكن تباطؤ السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة نتيجة السياسات وحدها؛ فالسوق الأمريكية نفسها لم تنم بالسرعة التي توقعتها شركات السيارات، إذ واجه المستهلكون أسعارًا مرتفعة نسبيًا للسيارات الكهربائية، إلى جانب مخاوف بشأن مدى القيادة وسرعة الشحن وانتشار البنية التحتية اللازمة.

وأصبحت شركات السيارات أمام معادلة أكثر تعقيدًا: الطلب على السيارات الكهربائية لا يزال موجودًا، لكن نموه أقل من التوقعات السابقة، بينما أصبحت الاستثمارات الضخمة في مصانع البطاريات والسيارات تحتاج إلى وقت أطول حتى تحقق عائدًا مقنعًا.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة فورد، جيم فارلي، إن الانخفاض الحاد في مبيعات السيارات الكهربائية بعد انتهاء الحوافز الضريبية كان عاملًا رئيسيًا وراء قرار الشركة شطب جزء كبير من قيمة استثماراتها في هذا المجال.

وفي المقابل، تدافع إدارة ترامب عن توجهاتها، إذ قال كوش ديساي، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن إدارة بايدن خلقت طلبًا مصطنعًا على السيارات الكهربائية من خلال الدعم المالي، بينما تعمل إدارة ترامب على خفض الضرائب وإزالة ما تعتبره عوائق بيروقراطية لجذب استثمارات صناعية جديدة.

السيارات الهجينة تعود إلى المشهد

ويأتي تراجع زخم السيارات الكهربائية في وقت يشهد فيه السوق الأمريكي تحولًا مهمًا نحو السيارات الهجينة، وتشير بيانات حديثة نقلتها رويترز إلى أن السيارات الهجينة شكلت نحو 19% من مبيعات السيارات بالتجزئة في الولايات المتحدة خلال أغسطس 2026، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وزيادة اهتمام المستهلكين بخيارات تجمع بين محرك الاحتراق الداخلي والكهرباء.

وتدفع هذه التطورات شركات السيارات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها، بدلًا من الانتقال المباشر من السيارات التقليدية إلى السيارات الكهربائية بالكامل.

وبالنسبة للمصنعين، قد تكون السيارات الهجينة حلًا وسطًا يسمح بخفض استهلاك الوقود والانبعاثات دون تحميل المستهلك كامل تكلفة التحول إلى سيارة كهربائية، خصوصًا في سوق لم يصل فيها الطلب على المركبات الكهربائية إلى المستويات التي بُنيت عليها خطط استثمارية سابقة.

الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية في تصاعد مستمر! | أخبار موتري

هل تتراجع أمريكا عن صناعة السيارات الكهربائية؟

لا تعني هذه التطورات اختفاء السيارات الكهربائية من السوق الأمريكية، لكنها تشير إلى تغير واضح في سرعة التحول وحجم الاستثمارات وتوقيت تنفيذها، فبعض المصانع التي كان مخططًا لها لإنتاج البطاريات والسيارات الكهربائية أُلغيت أو أُجلت أو أعيد توجيهها، بينما تحاول شركات أخرى تحويل بعض طاقاتها الإنتاجية إلى السيارات الهجينة أو أنظمة تخزين الطاقة.

وفي الوقت نفسه، ما زالت هناك استثمارات خاصة ضخمة في الطاقة النظيفة والتخزين الكهربائي داخل الولايات المتحدة، رغم التراجع الفيدرالي في بعض سياسات المناخ، ما يشير إلى أن تحول الطاقة لم يتوقف بالكامل، وإنما يعاد تشكيله وفق اعتبارات السوق والسياسة الصناعية والطلب. 

المنافسة مع الصين هي الرهان الأكبر

تتجاوز قصة السيارات الكهربائية الأمريكية حدود السوق المحلية؛ فهي ترتبط أيضًا بالمنافسة الصناعية والتكنولوجية مع الصين، فالصين تمتلك قاعدة صناعية ضخمة في السيارات الكهربائية والبطاريات ومكونات سلسلة التوريد، ما يمنح شركاتها خبرة إنتاجية وحجمًا كبيرًا في السوق العالمية.

ولهذا فإن إبطاء الاستثمار الأمريكي في السيارات الكهربائية قد لا يعني فقط تراجع مبيعات السيارات داخل الولايات المتحدة، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في قدرة الشركات الأمريكية على بناء الخبرة الصناعية وسلاسل التوريد التي تحتاجها للمنافسة عالميًا.

اقرأ أيضًا:

بدائل النفط السعودي بعد أزمة هرمز.. 3 شرايين تتجاوز المضيق

أزمة هرمز تعيد رسم خريطة الغاز المسال.. أين تجد أوروبا وآسيا البدائل؟

مؤشرات أوروبا ترتفع في بداية تعاملات الخميس مدعومة بتراجع النفط وهدوء سوق السندات
 

Short Url

search