الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

01:31 ص

النائب حسين هريدى يكتب: عزيزي «النائب» أسامة كمال من «نحن»؟

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 12:00 ص

النائب حسين هريدى

النائب حسين هريدى

تابعت بمزيج من الدهشة والتعجب مداخلة عضو مجلس الشيوخ الحالي، رئيس لجنة الطاقة والبيئة، النائب أسامة كمال، مع الإعلامي المخضرم أحمد موسى.

واستوقفتني منذ بداية المداخلة عبارة ربما تكون أهم من كل ما جاء بعدها، فقد استهل «كمال»، حديثه بالتعليق على التساؤلات التي أثارها السؤال البرلماني الذي تقدم به زميلي النائب حسام الخشت، نائب حزب العدل، بشأن صفقة محتملة تتعلق ببيع جانب من أصول عملاق الطاقة العالمي «بي بي» في مصر.

وقال «كمال»، إن طرح مثل هذه التساؤلات من شخصيات عامة وبرلمانية قد يصنع «حالة من الشك والريبة داخل المجتمع»، ثم خلص إلى عبارة شديدة الدلالة: «لهذا وجب إن إحنا نقدم الإيضاح المطلوب».

وهنا، قبل أن نناقش الإيضاح، لدي سؤال أبسط كثيرًا: من نحن؟ مين «إحنا»!، هل يتحدث المهندس أسامة كمال، بصفته وزيرًا سابقًا للبترول؟، وهي صفة تمنحه بالتأكيد خبرة في القطاع، لكنها لا تمنحه صفة تمثيل الوزارة الحالية.

أم يتحدث بصفته الحالية نائبًا ورئيسًا للجنة برلمانية؟، وفي هذه الحالة يفترض أن يكون موقعه الطبيعي هو مساءلة الحكومة، وطلب الإيضاحات منها، أو على الأقل تسهيل عمل الرقابة البرلمانية في الوصول إلى الحقيقة، لا أن يتولى تقديم الإيضاحات نيابة عنها، أم كانت المداخلة دفاعًا عن موقف الوزارة؟، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: بأي صفة؟

المسألة ليست لغوية، وليست مشاحنة حول ضمير «نحن». المسألة تتعلق بشيء أكثر جوهرية: الفصل بين الأدوار والسلطات، فعندما يتقدم نائب بسؤال إلى الحكومة، فإن السؤال ليس مجرد «حق مشروع» كما وصفه «كمال». السؤال والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية من صميم الواجب البرلماني والدستوري. وحين يؤدي النائب هذا الواجب، فهو لا يصنع «شكًا وريبة»، وإنما يمارس الدور الذي انتخبه الناس من أجله.

والأصل أن الحكومة تجيب عن الأسئلة الموجهة إليها بنفسها، مباشرة وبوضوح، لا عبر من يتطوعون بحمل عبء التفسير عنها، أما اعتبار التساؤل البرلماني ذاته مصدرًا محتملًا للشك والريبة، ثم التحرك سريعًا لـ«تقديم الإيضاح»، فهو منطق يستحق التوقف عنده. لأن امتداد هذا المنطق يقودنا إلى نتيجة شديدة الغرابة: أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، وإنما فيمن يطلبها؛ وليست في غياب الإجابة، وإنما فيمن يطرح السؤال، وهذه بالتأكيد ليست فلسفة الرقابة البرلمانية.

والأكثر إثارة للدهشة، أن يصدر هذا الخطاب عن نائب حالي، ورئيس لجنة برلمانية. فالبرلمان ليس إدارة علاقات عامة للحكومة، واللجان النوعية ليست فروعًا للوزارات، ورئيس اللجنة ليس متحدثًا رسميًا باسم الوزير المختص.

وظيفتنا ليست أن نطمئن المواطنين قبل أن نحصل نحن أنفسنا على الإجابات، وظيفتنا أن نسأل، وأن ندقق، وأن نستوثق، حتى تصبح الطمأنة ـ إن كانت مستحقة ـ مبنية على معلومات، وحقائق، والتزامات واضحة، لا على عبارات تطمينية.

وإن لم تأت الإجابات، فالأصل أن نستخدم المزيد من أدوات الرقابة، لا أن نطالب النواب بتخفيف أسئلتهم حتى لا تثير «الشك والريبة»، لذلك فإن أول ما أثار انتباهي في المداخلة لم يكن «الإجابات» التي حاول المهندس أسامة كمال تقديمها، وإنما الموقع الذي اختار أن يتحدث منه.

استمعت إلى وزير سابق يمتلك خبرة في القطاع، لكنني كنت في الوقت نفسه أمام نائب حالي ورئيس لجنة برلمانية، يستخدم خطابًا أقرب إلى خطاب المتحدث الرسمي باسم الجهة التي وُجّه إليها السؤال، وهنا ربما أفسد «كمال»، من حيث أراد أن يصلح. فمحاولة إزالة الالتباس عن الصفقة خلقت التباسًا أكبر حول الأدوار نفسها: من الذي يسأل؟ ومن الذي يجيب؟ ومن يراقب من؟

أما ثاني ما استوقفني، فهو أن «كمال»، بعد أن تناول بالتعليق والتندر بعض ما أثاره الزملاء من تساؤلات، عاد في نهاية حديثه ليطالب الوزارة بالتواصل معهم والرد عليهم، وهنا تصبح المفارقة مكتملةن فالرد على الأدوات البرلمانية ليس منحة تحتاج إلى مناشدة، ولا مجاملة يُطلب من الوزارة تقديمها للنواب. إجابة المسؤول المختص عن السؤال البرلماني جزء من مقتضيات المساءلة البرلمانية.

ولا يحتاج النائب إلى وسيط يناشد الحكومة أن تجيبه، وربما كان هذا هو الثمن الطبيعي لاختيار موقع شديد الالتباس في النقاش: عندما تختلط صفة الوزير السابق بصفة النائب الحالي، ويقترب خطاب الرقابة من خطاب الدفاع عن السلطة التنفيذية، تضيع الحدود تدريجيًا حتى يصبح الحق وكأنه طلب، والواجب وكأنه فضل، والسؤال وكأنه مشكلة، والإجابة وكأنها مبادرة تستحق الشكر.

وهذا تحديدًا ما ينبغي رفضه، وقد تبدو هذه الكلمات خشنة، لكنها ضرورية. ليست خصومة مع المهندس أسامة كمال، ولا إنكارًا لخبرته، ولا اعتراضًا على حقه الكامل في الاختلاف معنا أو الدفاع عن وجهة نظره. وإنما هي دفاع عن حدود يجب ألا تختلط، وعن أدوار لا يصح أن تتبدل، نحن نتمسك بتلابيب ما بقي من المنطق، ونقبض عليه كالقابض على الجمر.

فإذا أصبح النائب يخشى السؤال حتى لا يثير القلق، أو يستحي من طلب الحقيقة حتى لا يزعج الحكومة، أو يعتبر أن وظيفته هي تبديد «الشك والريبة» بدلًا من كشف الحقائق التي تنهيهما، فنحن لا نحمي الاستقرار، بل نفرغ الرقابة البرلمانية من مضمونها، لقد أقسمنا على احترام الدستور والقانون ورعاية مصالح الشعب رعاية كاملة.

ومن ثم، فإن السؤال ليس تجاوزًا، والاستيضاح ليس إثارة للريبة، والرقابة ليست صناعة للبلبلة، بل إن الصمت عندما تكون هناك أسئلة واجبة هو الذي يحتاج إلى تفسير، ولهذا أعود إلى العبارة التي بدأ منها كل شيء: «وجب إن إحنا نقدم الإيضاح المطلوب»، عزيزي «النائب» أسامة كمال: من «نحن»؟

Short Url

search