الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

10:32 م

رقية الأشرم تكتب: مصر والسعودية.. حكاية شعبين وشراكة مستقبل

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 08:19 م

رقية الأشرم

رقية الأشرم

حين نتحدث عن مصر والسعودية، فنحن لا نتحدث عن دولتين تجمعهما حدود سياسية، أو مصالح مؤقتة، وإنما نتحدث عن علاقة صنعتها سنوات طويلة من التاريخ، ورسختها مواقف صعبة، وحفظتها مشاعر متبادلة بين شعبين يعرف كل منهما مكانة الآخر.

هي علاقة لا تبدأ من السياسة ولا تنتهي عندها، منذ عقود، كان المصري في السعودية جزءًا من الحياة اليومية، يعمل ويعلّم ويطبب ويهندس ويبني، ويحمل معه ثقافة مصر وفنها وتعليمها وخبرتها. وفي المقابل، ظل السعودي حاضرًا في مصر، مستثمرًا وزائرًا ومحبًا لهذا البلد الذي ارتبط به وجدانيًا قبل أن ترتبط به المصالح.

ولذلك فإن العلاقة المصرية السعودية لم تكن يومًا مجرد علاقة بين حكومتين، وإنما كانت دائمًا علاقة بين شعبين، والتاريخ يحمل الكثير من الشواهد، ففي خمسينيات القرن الماضي، وقّعت مصر والسعودية اتفاقًا للدفاع المشترك، وكانت القاهرة والرياض تتحركان في ملفات عربية وإقليمية مشتركة. ثم جاءت محطات أخرى، من حرب 1956 إلى حرب أكتوبر 1973، لتؤكد أن البلدين، رغم اختلاف الظروف وتبدل الحسابات، يملكان قدرة كبيرة على الوقوف إلى جوار بعضهما في اللحظات الفارقة.

وفي الذاكرة الشعبية، هناك حكايات أكبر من السياسة نفسها؛ حكايات المصريين الذين وجدوا في المملكة بيتًا ثانيًا، والسعوديين الذين وجدوا في مصر بلدًا قريبًا من القلب، بما تمثله من فن وثقافة وتاريخ وحضور عربي لا يمكن تجاهله.

ثم جاءت السنوات الأخيرة لتفتح صفحة جديدة، من العلاقة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومع قيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز، ثم الدور المتصاعد لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، دخلت العلاقات المصرية السعودية مرحلة أكثر وضوحًا في رؤيتها للمستقبل، ولم تعد القاهرة والرياض تنظران إلى العلاقة باعتبارها رصيدًا من الماضي فقط، وإنما باعتبارها استثمارًا في المستقبل.

السعودية الجديدة، التي يقودها محمد بن سلمان، تتحرك برؤية اقتصادية وتنموية واسعة، وتسعى إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وحضورًا عالميًا. ومصر، بثقلها السكاني والجغرافي والسياسي، وبسوقها الكبير وقاعدتها الصناعية والبشرية، تمثل شريكًا طبيعيًا في كثير من هذه الملفات.

وهنا تظهر قيمة العلاقة الجديدة:

السعودية لديها قوة اقتصادية واستثمارية هائلة، ومصر لديها قوة بشرية وسوق وموقع جغرافي وثقل سياسي وحضاري.

وعندما تتكامل هذه العناصر، فإن العلاقة تتجاوز حدود التعاون التقليدي إلى شراكة يمكن أن تصنع مصالح مشتركة حقيقية.

السيسي ومحمد بن سلمان.. جيل جديد من العلاقة

الأهم في المرحلة الحالية، أن العلاقة لم تعد تقوم فقط على استدعاء التاريخ، وإنما على التعامل مع عالم جديد شديد التعقيد.

الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان، يتحركان في منطقة تتغير خريطتها السياسية والاقتصادية والأمنية بصورة متسارعة، من أمن البحر الأحمر والممرات البحرية، إلى أزمات المنطقة، والقضية الفلسطينية، والاستثمار والطاقة والتجارة.

وفي لقاءاتهما، ظهر قدر واضح من التنسيق حول قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي. واليوم، مع التأكيد المشترك على أهمية أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة، تتأكد حقيقة أن أمن القاهرة والرياض مرتبط بدرجة كبيرة بأمن المنطقة كلها.

وهنا تكمن أهمية مصر بالنسبة للسعودية، وأهمية السعودية بالنسبة لمصر.

فمصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة، والسعودية ليست مجرد دولة خليجية ذات ثقل اقتصادي، فكل دولة منهما تمثل عمقًا استراتيجيًا للأخرى، وعلاقة الشعوب قبل علاقة الحكومات تعبر عن أهمية العلاقة للطرفين.

وربما يكون أجمل ما في العلاقات المصرية السعودية أنها لم تكن يومًا رهينة السياسة وحدها، فهناك ملايين المصريين الذين عاشوا وعملوا في السعودية، وهناك أجيال من السعوديين ارتبطوا بمصر بالدراسة والسياحة والاستثمار والثقافة

فهناك الطبيب المصري، في مستشفى سعودي، والمهندس المصري، في مشروع سعودي، والمعلم المصري، في مدرسة سعودية، ورجل الأعمال السعودي في القاهرة، والأسرة السعودية التي تأتي إلى مصر فتشعر أنها في بلدها.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي صنعت العلاقة الكبيرة، ولهذا، فإن أي حديث عن مصر والسعودية لا ينبغي أن يختصر في البيانات الرسمية والقمم والاتفاقيات، لأن خلف كل ذلك رصيدًا شعبيًا هائلًا من المودة والاحترام والمصالح المشتركة.

مصر والسعودية.. عندما يصبح التاريخ طريقًا إلى المستقبل

لقد تغير العالم كثيرًا منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وتغيرت المنطقة، وتغيرت أدوات القوة، وتغير الاقتصاد، وأصبحت الاستثمارات والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والأمن البحري جزءًا أساسيًا من معادلات القوة، لكن مصر والسعودية استطاعتا أن تحافظا على جوهر العلاقة، وأن تنقلاها تدريجيًا من مجرد علاقة تاريخية إلى شراكة استراتيجية تتطلع إلى المستقبل.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للعلاقات بين الدول، فالأهم ليس أن تبقى كما كانت، وإنما أن تتطور مع الزمن دون أن تفقد جذورها، ومصر والسعودية لديهما جذور عميقة جدًا.

فالسعودية بالنسبة إلى المصريين ليست مجرد دولة شقيقة، إنها بلاد الحرمين، وبلاد عاش وعمل فيها ملايين المصريين، ومصر بالنسبة إلى السعوديين ليست مجرد دولة عربية، إنها النيل، والقاهرة، والأزهر، والفن، والأدب، والثقافة، والتاريخ.

ولهذا ستبقى العلاقة أكبر من ظرف سياسي، وأكبر من اختلاف في وجهة نظر حول ملف هنا أو هناك.
فما بين القاهرة والرياض ليس تحالفًا صنعته اللحظة، وإنما علاقة صنعتها الأيام.

وفي عهد السيسي، وبن سلمان، يبدو أن هذه العلاقة تنتقل من جيل إلى جيل، ومن مرحلة إلى مرحلة، لتبحث عن لغة جديدة عنوانها، المصلحة المشتركة، والشراكة الاقتصادية، والتنسيق السياسي، والأمن الإقليمي، ومصير واحد في منطقة لا تحتمل إلا الدول القوية المتفاهمة.

فمصر والسعودية تاريخ من المودة، وحاضر من الشراكة، ومستقبل لا ينبغي أن يُترك للصدفة.

Short Url

search