اقتصاد الذكاء الاصطناعي.. دعم استخدام التكنولوجيا يتفوق على تمويل الشركات
الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 03:00 ص
الذكاء الاصطناعي
لم يعد دعم الذكاء الاصطناعي مجرد اتجاه تقني، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الاستراتيجيات الاقتصادية في العديد من الدول، التي تتوسع في إنشاء صناديق تمويل وحاضنات ومسرعات أعمال تستهدف الشركات العاملة في هذا المجال.
لكن مع تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، يبرز تساؤل أكثر أهمية، هل يجب أن تركز الحكومات على دعم الشركات التي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أم أن العائد الاقتصادي الأكبر يمكن تحقيقه من مساعدة مختلف الشركات على استخدام هذه التقنيات لرفع الإنتاجية وتحسين الأداء؟.
صناعة الذكاء الاصطناعي
عند الحديث عن شركات الذكاء الاصطناعي، ينصرف الاهتمام عادة إلى الشركات التي تطور النماذج اللغوية ومنصات التعلم الآلي وأنظمة الرؤية الحاسوبية والتطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وهي شركات تؤدي دورًا مهمًا في بناء البنية التكنولوجية للاقتصاد الجديد.
لكن الاقتصاد لا يقتصر على شركات التكنولوجيا، فهناك بنوك تحتاج إلى تطوير آليات تقييم المخاطر، ومستشفيات تسعى إلى تقليل الوقت الذي يقضيه الأطباء في الأعمال الإدارية، وجامعات تعمل على تطوير أساليب التعليم والتقييم، ومصانع تحتاج إلى التنبؤ بالأعطال، وشركات اتصالات تستهدف تحسين تجربة العملاء، إلى جانب المتاجر وشركات الخدمات اللوجستية.
هذه المؤسسات لا تحتاج بالضرورة إلى التحول إلى شركات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وإنما تحتاج إلى توظيف التكنولوجيا لرفع كفاءتها وتحسين نتائج أعمالها.
ومن هنا يمكن أن تتغير فلسفة الدعم الحكومي، بحيث لا يقتصر السؤال على ما إذا كان المشروع ينتمي إلى قطاع الذكاء الاصطناعي، وإنما يمتد إلى كيفية استخدامه لهذه التكنولوجيا لزيادة الإنتاجية وخفض التكاليف وتحسين الجودة وابتكار منتجات وخدمات جديدة.
كما يمكن قياس نجاح السياسات الحكومية ليس بعدد شركات الذكاء الاصطناعي التي تم تأسيسها، وإنما بعدد المؤسسات التي تبنت هذه التقنيات وحققت نتائج اقتصادية واضحة من استخدامها.
الذكاء الاصطناعي يسير على خطى الإنترنت
شهد الاقتصاد الرقمي تجربة مشابهة مع الإنترنت، إذ كان الحديث في البداية يدور حول شركات الإنترنت، قبل أن يتحول الإنترنت تدريجيًا إلى جزء أساسي من مختلف القطاعات.
فالبنوك وشركات الطيران والجامعات والمتاجر لم تعد تُصنف باعتبارها شركات إنترنت، لكنها أصبحت تعتمد على الإنترنت في جزء أساسي من عملياتها، وهو السيناريو الذي قد يتكرر مع الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
ومع انتشار التكنولوجيا، قد يصبح وصف شركة ما بأنها "تستخدم الذكاء الاصطناعي" أمرًا طبيعيًا، تمامًا كما هو الحال اليوم مع استخدام الإنترنت والحوسبة السحابية والهواتف الذكية.
وتبرز هنا فرصة مهمة أمام الدول العربية، بدلًا من توجيه الجزء الأكبر من مواردها إلى محاولة منافسة شركات عالمية كبرى في تطوير النماذج الأساسية، وهي مهمة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الحوسبة والبيانات والبنية التحتية والكوادر المتخصصة.
ويمكن للدول العربية التركيز على تحقيق قيمة اقتصادية من الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة، مثل السياحة والصناعة والزراعة والبنوك والجامعات والمستشفيات والقطاع الحكومي، إلى جانب تطوير حلول عربية تلائم احتياجات الأسواق المحلية.
وبذلك تتحول المنافسة من البحث عن الدولة التي تمتلك أكبر نموذج للذكاء الاصطناعي، إلى البحث عن الاقتصاد الأكثر قدرة على تحويل هذه التكنولوجيا إلى قيمة وإنتاجية.

الاستثمار في العنصر البشري ضرورة
توفير أدوات الذكاء الاصطناعي للشركات لا يعني تلقائيًا قدرتها على الاستفادة منها، إذ تحتاج المؤسسات إلى موظفين قادرين على تحديد الاستخدامات المناسبة لهذه الأدوات، وكتابة التعليمات بصورة صحيحة، ومراجعة النتائج، والتعامل مع البيانات، واكتشاف الأخطاء والتحيزات، وحماية المعلومات.
لذلك يرتبط نجاح سياسات الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر بتنمية رأس المال البشري، فالمطلوب ليس فقط إعداد مبرمجين ومطورين لبناء تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضًا تأهيل المحاسبين والأطباء والمعلمين والمهندسين والمديرين والموظفين لاستخدامها بكفاءة مع الحفاظ على الدور البشري في اتخاذ القرارات.
ومن هنا يمكن أن تتبنى الحكومات مسارين متكاملين للدعم، الأول موجه إلى الشركات التي تطور تقنيات ومنتجات الذكاء الاصطناعي، والثاني يستهدف الشركات والمؤسسات في مختلف القطاعات لمساعدتها على تبني التكنولوجيا واستخدامها بصورة منتجة ومسؤولة.
فشركة زراعية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل استهلاك المياه، ومصنع يوظفه لخفض الهدر، وشركة صغيرة تستفيد منه للوصول إلى أسواق جديدة، وجامعة تعيد تطوير أساليب التعليم اعتمادًا على التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، جميعها نماذج يمكن أن تحقق قيمة اقتصادية حقيقية.
وفي النهاية، لن تأتي القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي فقط من الشركات التي تصنع التكنولوجيا، وإنما أيضًا من الشركات التي تمتلك القدرة على استخدامها وتحويلها إلى إنتاجية وتنافسية ونمو.
لذلك قد يكون السؤال الأهم أمام صناع السياسات الاقتصادية ليس: كم شركة ذكاء اصطناعي نملك؟ وإنما: كم شركة أصبحت أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة بفضل الذكاء الاصطناعي؟.
اقرأ أيضًا:
الصناعات التكنولوجية في مصر 2026.. 6 قطاعات تقود توطين التكنولوجيا وتعزز الاستثمار
Short Url
تحذيرات قادة الذكاء الاصطناعي تهز الأسواق.. هل تتعرض أسهم التكنولوجيا لموجة تصحيح؟
15 سبتمبر 2026 01:30 ص
كيف تتأكد من شحن الآيفون رغم انطفاء الشاشة؟ خطوات بسيطة تكتشف المشكلة
15 سبتمبر 2026 12:22 ص
أستراليا تمنح المستخدمين حق تعطيل خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي
15 سبتمبر 2026 12:03 ص
أكثر الكلمات انتشاراً