الإثنين، 07 سبتمبر 2026

03:47 م

مضيق هرمز يدفع برنت نحو 100 دولار وأوبك+ تحاول احتواء صدمة الإمدادات

الإثنين، 07 سبتمبر 2026 01:55 م

أسواق النفط العالمية

أسواق النفط العالمية

مي المرسي

دخلت أسواق النفط العالمية أسبوعًا جديدًا وهي تواجه معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد توازن العرض والطلب، بعدما أصبحت المخاطر الجيوسياسية وتعطل حركة الشحن في مضيق هرمز المحرك الرئيسي للأسعار، بالتزامن مع قرار تحالف أوبك+ الإبقاء على مستويات الإنتاج الحالية لشهر أكتوبر.

وفي بداية تعاملات الاثنين 7 سبتمبر 2026، ارتفع خام برنت وفق" رويترز" بنحو 1.5% إلى 97.60 دولار للبرميل، مقتربًا من أعلى مستوى له في سبعة أسابيع عند 97.93 دولار، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط نحو 91.03 دولار للبرميل. وجاء ذلك بعد قفزة أسبوعية بلغت نحو 8% لبرنت و10% للخام الأمريكي. 

وتعني هذه المستويات أن السوق تبتعد بصورة واضحة عن مستويات الأسعار التي كانت متداولة قبل تصاعد أزمة الإمدادات في الشرق الأوسط، فيما يقترب برنت مجددًا من حاجز 100 دولار للبرميل الذي يمثل مستوى نفسيًا وفنيًا مهمًا  للأسواق.

النفط

هرمز.. المتغير الذي قلب معادلة النفط

لم تعد حركة أسعار النفط في الوقت الحالي مرتبطة فقط بتوقعات الطلب العالمي أو قرارات أوبك+، إذ أصبح مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في تحديد حجم الإمدادات الفعلية التي تصل إلى الأسواق.

وأظهرت بيانات حركة الملاحة أن متوسط عدد سفن السلع التي عبرت المضيق خلال الأيام العشرة الأخيرة انخفض إلى نحو 10 سفن يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ مايو، مع تصاعد الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران واستهداف ناقلات وسفن مرتبطة بتجارة النفط. 

ولفهم حجم التغير، كانت حركة المرور التجارية عبر المضيق قبل اندلاع الحرب تقترب من 125 سفينة تجارية يوميًا، بينما انخفضت في بعض الأيام الأخيرة إلى مستويات شديدة التدني؛ ففي 4 سبتمبر عبرت المضيق 4 سفن للسلع فقط وفق بيانات Kpler التي نقلتها رويترز. 

ولا يعني انخفاض عدد السفن بالضرورة توقف كل تدفقات النفط، لكنه يعكس ارتفاع تكلفة ومخاطر المرور، واحتمال تأخر الشحنات أو تغيير مساراتها، وهو ما يدفع المشترين إلى تسعير علاوة مخاطر جيوسياسية فوق السعر الأساسي للخام.

كم يبلغ حجم النفط المعرض للخطر؟

تكمن أهمية مضيق هرمز في أنه ليس مجرد ممر ملاحي إقليمي، وإنما أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، ومع انخفاض حركة السفن، تراوحت صادرات النفط المرصودة عبر المضيق خلال فترة الحرب بين نحو 4 و6 ملايين برميل يومياً، باستثناء فترات قصيرة شهدت تحسنًا مؤقتًا في حركة التجارة.

وهنا تكمن خطورة الأزمة؛ حتى إذا لم ينقطع كل النفط، فإن فقدان جزء من هذه التدفقات أو تأخير وصولها يمكن أن يؤدي إلى إعادة تسعير فورية للعقود الآجلة، لأن السوق لا تسعر فقط البراميل المفقودة فعليًا، وإنما تسعر أيضاً احتمال فقدان براميل إضافية مستقبلًا، ولهذا تتحرك أسعار العقود الآجلة بصورة أسرع من البيانات الفعلية للإنتاج والاستهلاك.

أوبك+ تختار التثبيت بدلاً من زيادة المعروض

في خضم هذه التطورات، عقدت الدول السبع الرئيسية في أوبك+ اجتماعًا في 6 سبتمبر، وقررت الإبقاء على مستويات إنتاج أكتوبر عند مستويات سبتمبر دون تغيير.

وتضم المجموعة السعودية وروسيا والعراق والكويت والإمارات العربية المتحدة والجزائر وعُمان، وأكد البيان الرسمي أن القرار يأتي مع استمرار التركيز على استقرار السوق والالتزام باتفاق التعاون وآلية التعويض عن الإنتاج الزائد. 

ويكتسب القرار أهمية خاصة لأنه يمثل توقفًا مؤقتًا لمسار زيادة الإنتاج الذي اتبعته المجموعة خلال الأشهر الماضية، ففي أغسطس، أقرت الدول السبع زيادة قدرها 188 ألف برميل يومياً اعتباراً من سبتمبر، مع استمرار عملية إعادة ضبط مستويات الإنتاج.

وبالتالي، فإن قرار سبتمبر لا يعني أن أوبك+ خفضت الإنتاج الجديد، وإنما يعني أنها لم تضف زيادة جديدة في أكتوبر، في وقت أصبحت فيه مخاطر الإمدادات أعلى بكثير مما كانت عليه عند وضع خطط الإنتاج السابقة.

لماذا لم تضخ أوبك+ المزيد من النفط؟

من الناحية الاقتصادية، كان أمام التحالف خياران؛ زيادة المعروض للاستفادة من الأسعار المرتفعة، أو الحفاظ على مستويات الإنتاج لتجنب إضافة إمدادات جديدة إلى سوق تعاني أصلاً من حالة عدم يقين شديدة.

اختيار التثبيت يحمل رسالة مزدوجة، فالأولى أن أوبك+ لا تريد زيادة المعروض في وقت قد تكون فيه بعض الإمدادات معرضة للتعطل بسبب أزمة هرمز.

والثانية أن التحالف يريد الاحتفاظ بقدر من المرونة الإنتاجية يمكن استخدامه لاحقاً إذا اتضح أن الأزمة مؤقتة وعادت حركة التجارة إلى طبيعتها، وتكتسب هذه المرونة أهمية أكبر في سوق تتحرك فيها الأسعار حاليًا بسبب المخاطر الجيوسياسية أكثر من تغيرات الاستهلاك اليومية.

 الطلب العالمي على النفط والغاز قد يستمر في الزيادة حتى عام 2050

الصين.. الحلقة الأضعف في جانب الطلب

في المقابل، هناك عامل يعمل في الاتجاه المعاكس تمامًا، وهو ضعف الطلب الآسيوي، خصوصًا في الصين، إذ أظهرت بيانات أغسطس أن واردات الصين البحرية من النفط الخام ارتفعت قليلًا إلى 7.14 مليون برميل يوميًا مقابل 6.93 مليون برميل يوميًا في يوليو.

لكن رغم التحسن الشهري، ظلت واردات الصين البحرية أقل بنحو 40% من مستويات ما قبل الصراع مع إيران، البالغة 11.41 مليون برميل يوميًا.

وهذا الرقم مهم للغاية بالنسبة للسوق؛ لأن الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وبالتالي فإن استمرار ضعف مشترياتها يمكن أن يحد من قدرة الأسعار على الصعود حتى مع ارتفاع مخاطر الإمدادات، وعلى مستوى آسيا ككل، تراجعت واردات الخام المنقولة بحرًا بنحو 16% منذ فبراير، وفق بيانات نقلتها رويترز.

لكن الصين بدأت تعوض جزءًا من نقص الخام

لا تعني أرقام الواردات الضعيفة أن المصافي الصينية توقفت عن شراء النفط، فمع ارتفاع الأسعار وصعوبة الوصول إلى النفط الإيراني، لجأت بعض المصافي الصينية الصغيرة إلى تقليص معدلات التشغيل أو دفع علاوات أعلى للحصول على خام بديل.

وفي المقابل، ارتفعت واردات الصين البحرية من الخام الروسي إلى نحو 1.68 مليون برميل يومياً، إضافة إلى نحو مليون برميل يوميًا عبر خطوط الأنابيب، كما ارتفعت صادرات الصين من المنتجات النفطية المكررة، بما فيها الديزل والبنزين، إلى نحو 963 ألف برميل يوميًا في أغسطس، وهو ما قد يدعم الطلب على الخام إذا استمرت المصافي في الحفاظ على معدلات التشغيل.

وهنا تظهر مفارقة مهمة؛ ضعف الواردات الصينية لا يعني بالضرورة انهيار الطلب النهائي على المنتجات النفطية، لأن الصين تستطيع تغيير مصادر الخام واستخدام المخزونات وإعادة توجيه التجارة.

آسيا تبحث عن طرق بديلة

تداعيات أزمة هرمز لا تتوقف عند سعر البرميل؛ فهي تغير أيضًا اقتصاديات النقل البحري، فمع انخفاض حركة الملاحة عبر المضيق، تتجه تجارة الطاقة إلى البحث عن مسارات أطول وأكثر تكلفة، ما يرفع أسعار الشحن والتأمين ويمتد أثره إلى أسعار المنتجات النفطية.

وتشير بيانات رويترز إلى أن حركة السفن عبر مضيق باب المندب انخفضت أيضًا، ما يعني أن أزمة طرق التجارة لا تقتصر على هرمز وحده، وهذا يخلق ما يمكن وصفه بـ«تكلفة البرميل الثاني»؛ فحتى النفط الذي لا يفقد من السوق يحتاج إلى وقت أطول وتكلفة نقل وتأمين أكبر للوصول إلى المشتري.

أزمة وقود السفن تضيف ضغطًا جديدًا

ولا يقتصر اضطراب الإمدادات على الخام، فبحسب “بلومبرج”، تتجه السوق العالمية إلى عجز متوقع في زيت الوقود المستخدم في السفن ومحطات الكهرباء خلال الربع الثالث من 2026، مع وصول العجز المتوقع إلى نحو 218 ألف برميل يومياً، مقارنة بعجز هامشي بلغ 6 آلاف برميل يوميًا قبل عام.

كما أن مخزونات زيت الوقود في مراكز رئيسية مثل سنغافورة وأمستردام- روتردام- أنتويرب والفجيرة أصبحت أقل بنحو 30% من المتوسطات الموسمية.

وارتفعت أسعار زيت الوقود منخفض الكبريت جداً في سنغافورة بنحو 76% منذ بداية حرب إيران، مقابل ارتفاع برنت بنحو 40% خلال الفترة نفسها، وهذا فارق مهم؛ لأن ارتفاع تكلفة وقود السفن يضيف ضغطاً إلى تكلفة نقل البضائع والطاقة، وقد يساهم في انتقال جزء من صدمة النفط إلى التضخم العالمي.

إنتاج أمريكا.. عامل كبح أمام أوبك+

على الجانب الآخر من معادلة العرض، تظل الولايات المتحدة مصدرًا مهمصا للنفط خارج أوبك+.

وتوفر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بيانات دورية عن إنتاج الخام والمخزونات والواردات والصادرات واستهلاك المنتجات النفطية، وهي من أهم المؤشرات التي تستخدمها الأسواق لتقدير حجم المعروض الأمريكي وتطوره. 

وتكمن أهمية الإنتاج الأمريكي في أنه يحد من قدرة أوبك+ على التحكم منفردة في الأسعار؛ فكلما ارتفعت الأسعار لفترة طويلة، زادت الحوافز الاقتصادية أمام المنتجين الأمريكيين للحفاظ على معدلات الإنتاج المرتفعة والاستثمار في الحقول الأكثر ربحية، وبالتالي، فإن صعود برنت إلى مستويات مرتفعة جداً يمكن أن يحمل في داخله بذور زيادة المعروض خارج أوبك+ على المدى المتوسط.

النفط الأمريكي

السوق أمام ثلاثة سيناريوهات

السيناريو الأول: استمرار اضطراب هرمز

إذا استمرت الهجمات وتعطلت حركة الناقلات لفترة أطول، فإن السوق قد تشهد علاوة مخاطر إضافية فوق الأسعار الحالية، وفي هذا السيناريو، يصبح الوصول إلى 100 دولار للبرميل أكثر واقعية، خصوصاً إذا انخفضت التدفقات الفعلية للخام من الخليج بصورة أكبر.

بل حذر محللون نقلت عنهم رويترز من إمكانية ارتفاع النفط إلى 120 دولارًا للبرميل في حال استمرار الهجمات وتعطل الإمدادات لفترة أطول. 

السيناريو الثاني: احتواء الأزمة

إذا عادت حركة السفن إلى مستويات طبيعية نسبيًا، فإن جزءًا كبيرًا من علاوة المخاطر قد يختفي سريعًا، وفي هذه الحالة يمكن أن تعود السوق إلى التركيز على أساسياتها التقليدية؛ الطلب الصيني، نمو الاقتصاد العالمي، الإنتاج الأمريكي، ومستويات مخزونات النفط.

وهذا السيناريو يعني أن الأسعار قد تتراجع حتى لو بقي إنتاج أوبك+ ثابتاً، لأن جزءًا من الصعود الحالي ليس مرتبطًا بنقص فعلي مستدام في النفط وإنما بتسعير احتمال النقص.

السيناريو الثالث: أزمة طويلة مع ضعف الطلب

وهذا هو السيناريو الأكثر تعقيدًا، فإذا استمر اضطراب الإمدادات، وفي الوقت نفسه بقي الطلب الصيني ضعيفًا، فقد تصبح السوق شديدة التقلب بدلًا من أن تتجه في مسار صعودي مستقيم.

وتشير توقعات مسح رويترز في نهاية أغسطس إلى أن متوسط توقعات 31 اقتصاديًا ومحللًا لبرنت في 2026 بلغ 85.08 دولار للبرميل، مقابل 80.20 دولار للخام الأمريكي، مع إبقاء التوقعات فوق 80 دولارًا بسبب مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط، لكن هذه التوقعات أصبحت معرضة لإعادة المراجعة كلما طال أمد اضطرابات هرمز.

ماذا يعني ذلك للأسواق؟

المشكلة الأساسية أمام المستثمرين ليست معرفة ما إذا كان النفط سيرتفع أو ينخفض في جلسة واحدة، وإنما تحديد ما إذا كانت صدمة هرمز مؤقتة أم أنها ستتحول إلى نقص هيكلي في الإمدادات، فإذا كانت الأزمة مؤقتة، فإن الأسعار الحالية تتضمن علاوة مخاطر قابلة للانحسار.

أما إذا استمرت الأزمة، فإن السوق ستبدأ في إعادة تسعير تكلفة البرميل على أساس انخفاض فعلي في الإمدادات، وليس مجرد مخاوف جيوسياسية، وهنا يصبح قرار أوبك+ أكثر أهمية: التحالف لا يستطيع تعويض كل برميل يختفي بسبب أزمة جيوسياسية في الخليج، لكنه يستطيع منع نفسه من إضافة فائض جديد إلى السوق في الوقت الخطأ.

أسواق النفط تدخل سبتمبر 2026 وهي عالقة بين صدمة عرض جيوسياسية وضعف نسبي في الطلب الآسيوي، برنت عند نحو 97.60 دولار وغرب تكساس قرب 91 دولاراً، بينما تقترب حركة الملاحة في هرمز من مستويات تاريخية منخفضة، في الوقت الذي قررت فيه أوبك+ تثبيت إنتاج أكتوبر بدلاً من إضافة زيادة جديدة. 

لكن استمرار الصعود نحو 100 دولار أو تجاوزه لن يتحدد بقرار أوبك+ وحده؛ بل سيعتمد أساساً على عدد السفن التي ستعبر هرمز، وحجم النفط الذي سيصل فعلياً إلى آسيا، وقدرة الصين على تعويض النقص من روسيا ومصادر أخرى، ومدى استمرار الضربات على البنية التحتية وناقلات النفط.

بعبارة أخرى، لم تعد سوق النفط تسأل فقط؛ كم تنتج أوبك+؟، السؤال الآن هو كم برميلًا يستطيع العالم نقله فعلياً من الخليج إلى المستهلكين؟

 

اقرأ أيضًا:

المركزي الأوروبي يتجه لرفع الفائدة في سبتمبر إلى 2.5% مع ارتفاع التضخم

احتياطيات اليابان تهبط 79.6 مليار دولار في أغسطس بعد تدخل لدعم الين

كوريا الجنوبية وأمريكا تتفقان على استثمار 22.3 مليار دولار في محطة غاز بتكساس

Short Url

search