الأحد، 06 سبتمبر 2026

03:36 م

التضخم والذهب والاحتياطيات.. كيف تدير الصين وسويسرا ثرواتهما في عالم مضطرب؟

الأحد، 06 سبتمبر 2026 01:30 م

الصين وسويسرا

الصين وسويسرا

مي المرسي

تشكل أرقام التضخم مؤشرًا رئيسيًا لقراءة التحولات في خريطة الاقتصاد العالمي، إذ ينعكس تغير مستويات الأسعار على قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة، وحركة العملات، وتكلفة التمويل، كما يؤثر في توجهات الدول لإدارة ثرواتها واحتياطياتها الأجنبية وتوزيعها بين مختلف الأصول.

في الولايات المتحدة، سجل التضخم العام 2.6% على أساس سنوي، بينما بلغ التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبًا، نحو 3.2%، ليظل أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، ولا تزال تكاليف السكن والخدمات من أبرز مصادر الضغوط السعرية، بما يجعل مسار السياسة النقدية الأمريكية مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على استيعاب هذه المستويات من التضخم دون التضحية بالنمو.

التضخم الأمريكي يرتفع لأعلى وتيرة في 6 أشهر ومخاوف بسبب الرسوم الجمركية -  إيجي إن

وفي منطقة اليورو، سجل التضخم السنوي نحو 2.2%، بينما استقر التضخم الأساسي عند 2.8%، مع استمرار تضخم الخدمات عند مستويات تقارب 4.1%، ورغم أن معدلات التضخم العام أصبحت أقل بكثير من مستويات الذروة التي شهدتها الاقتصادات الغربية، فإن استمرار التضخم الأساسي فوق مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2% يبقي ملف الأسعار حاضرًا بقوة في حسابات السياسة النقدية.

لكن تأثير التضخم لا يتوقف عند المستهلك أو قرار الفائدة، فعندما تتغير أسعار الفائدة، وتتقلب قيمة العملات، وتتبدل عوائد السندات، تعيد الدول بدورها النظر في الطريقة التي توزع بها احتياطياتها بين العملات الأجنبية والذهب والأصول المالية، وهنا تتحول بيانات التضخم من مجرد أرقام عن الأسعار إلى مدخل لفهم تحركات أكبر في أسواق المال والاحتياطيات السيادية.

ومن هذه النقطة تبدأ قصة الصين وسويسرا؛ نموذجين مختلفين لإدارة الثروة الرسمية في عالم تتغير فيه موازين العملات والأصول.

الصين.. تريليونات الدولارات وذهب يتزايد داخل الاحتياطي

تبدأ الحالة الصينية من رقم ضخم، نحو 3.418 تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، هذا الحجم يمنح بكين هامشًا واسعًا لإدارة سوق الصرف والتعامل مع الصدمات الخارجية، لكن الرقم وحده لا يكشف كيفية إدارة هذه الثروة، فالمؤشر الأهم هو ما يحدث داخل مكونات الاحتياطي نفسه.

أحد أبرز التحولات يظهر في الذهب، فقد واصل بنك الشعب الصيني زيادة حيازاته من المعدن النفيس خلال 2026، ووفقًا لرويترز، سجلت مشتريات الصين من الذهب في يوليو أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر 2023، لتكون الزيادة الشهر الخامس على التوالي في حيازات البنك المركزي.

وبحسب مجلس الذهب العالمي، بلغت حيازات الصين الرسمية من الذهب 2346 طنًا بنهاية يونيو 2026، بعد أن أضاف البنك المركزي نحو 33 طنًا خلال الربع الثاني، ليصل إجمالي مشترياته خلال النصف الأول من العام إلى نحو 40 طنًا. ومثّل الذهب في ذلك الوقت نحو 8% من إجمالي الاحتياطيات الأجنبية الصينية.

ومع استمرار الشراء، ارتفعت الحيازات إلى نحو 2366 طنًا في يوليو، فيما تجاوزت قيمتها السوقية 306 مليارات دولار وفق تقييمات الأسعار السائدة في ذلك الوقت.

ولا تعني هذه التحركات أن الصين تتخلى عن الدولار، فالدولار لا يزال مكونًا أساسيًا في النظام المالي والتجاري العالمي. لكنها تكشف عن اتجاه واضح نحو تنويع مكونات الاحتياطي وتقليل الاعتماد على أصل أو عملة واحدة.

الذهب.. أداة تحوط أكثر من كونه بديلًا كاملًا للدولار

تكتسب زيادة الذهب أهمية خاصة في بيئة تتسم بتقلبات أسعار الفائدة والعملات والتوترات الجيوسياسية، فالمعدن النفيس لا يمثل التزامًا على جهة إصدار، ويمنح البنوك المركزية أصلًا ماديًا يمكن أن يؤدي دورًا تحوطيًا داخل المحافظ السيادية، ومن ثم، فإن استمرار مشتريات الصين لا يمكن قراءته باعتباره مجرد رهان على ارتفاع سعر الذهب، بل كجزء من إدارة أوسع لمخاطر الاحتياطي.

وتزداد أهمية هذه الاستراتيجية في ظل التغيرات التي يشهدها الاقتصاد الصيني نفسه؛ فالقوة التجارية الكبيرة للصين تمنحها تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية، بينما تفرض حركة اليوان والفائض التجاري تحديات مرتبطة بإدارة سعر الصرف.

وفي هذا السياق، أشارت رويترز إلى أن اليوان ارتفع بقوة خلال الفترة الأخيرة، فيما تحرك بنك الشعب الصيني للحد من سرعة صعود العملة، بالتزامن مع تسجيل الصين فائضًا تجاريًا تجاوز تريليون دولار.

وهنا تظهر الوظيفة الحقيقية للاحتياطي الصيني، فهو ليس مجرد أموال محفوظة في الخارج، وإنما أداة يمكن استخدامها في إدارة سعر الصرف، ودعم الاستقرار المالي، والتعامل مع الصدمات الخارجية.

دقيقة اخبار | تراجع اسعار الذهب عالميا مع ترقب بيانات التضخم الامريكية

التجارة.. المحرك الآخر للقوة المالية الصينية

لا يمكن فصل حجم الاحتياطي الصيني عن موقع البلاد في التجارة العالمية، فالفائض التجاري الضخم يوفر تدفقات من العملات الأجنبية، فيما تعطي الاحتياطيات السلطات الصينية مساحة أكبر لإدارة آثار هذه التدفقات على سعر اليوان.

وقد نقلت رويترز عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الفائض التجاري الصيني بلغ نحو 1.2 تريليون دولار، معتبرًا أن هذا المستوى من الاختلال التجاري غير مستدام، وبالتالي، تتقاطع ثلاثة عناصر في النموذج الصيني: قوة التصدير، وتراكم الاحتياطيات، وإدارة العملة.

 ويأتي الذهب كعنصر إضافي في عملية تنويع هذه الثروة، لكن الصين ليست النموذج الوحيد الذي يعيد تعريف طريقة إدارة الاحتياطيات، على بعد آلاف الكيلومترات، تقدم سويسرا نموذجًا مختلفًا تمامًا؛ نموذجًا يعتمد بدرجة أكبر على قوة العملة، وتنويع الأصول، والاستثمار في الأسواق المالية العالمية.

سويسرا.. عندما تتحول الاحتياطيات إلى محفظة استثمار عالمية

تبدأ الصورة السويسرية من اقتصاد أصغر بكثير من الصين، لكنه يمتلك عملة تتمتع بمكانة خاصة في الأسواق العالمية، هي الفرنك السويسري.

وتمنح هذه المكانة سويسرا ميزة مهمة في أوقات الاضطرابات، عندما يبحث المستثمرون عن العملات والأصول التي يرونها أكثر أمانًا. لكن قوة الفرنك تحمل في الوقت نفسه تكلفة على الاقتصاد، لأنها تجعل الصادرات السويسرية أكثر تكلفة في الأسواق الخارجية، وهنا يأتي دور البنك الوطني السويسري في إدارة العملة والاحتياطيات.

ووفق بيانات البنك الوطني السويسري، بلغت استثماراته بالعملات الأجنبية نحو 786 مليار فرنك سويسري في يونيو 2026، لكن اللافت ليس حجم هذه الاستثمارات فقط، وإنما طريقة توزيعها.

فبنهاية الربع الثاني من 2026، كانت 39% من محفظة العملات الأجنبية مقومة باليورو، و37% بالدولار الأمريكي، و7% بالين الياباني، و6% بالجنيه الإسترليني، و3% بالدولار الكندي، فيما توزعت 8% على عملات أخرى، أما من حيث نوع الأصول، فكانت 61% في السندات الحكومية، و11% في سندات أخرى، و28% في الأسهم.

وتوضح هذه التركيبة أن سويسرا لا تتعامل مع الاحتياطيات باعتبارها سيولة خاملة، وإنما تديرها كمحفظة عالمية متنوعة، مع إدارة أسهمها بصورة سلبية من خلال تتبع مؤشرات واسعة في الاقتصادات المتقدمة والناشئة، وفق بيانات البنك الوطني السويسري.

الفرنك السويسري بـ 57.10 جنيهًا.. أسعار بيع وشراء العملات الأجنبية اليوم –  جريدة الاستثمار العربى

من الاحتياطي إلى وول ستريت

يظهر هذا النهج بصورة أوضح في الإفصاحات الأمريكية الخاصة بحيازات المستثمرين الكبار، فبحسب إفصاح 13F المقدم إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية عن الربع الثاني من 2026، بلغت قيمة محفظة الأسهم الأمريكية المعلنة للبنك الوطني السويسري نحو 191.4 مليار دولار، موزعة على 2301 حيازة حتى 30 يونيو، وقد قُدم الإفصاح في 11 أغسطس 2026.

وتكشف أكبر الحيازات عن تعرض واضح لعدد من أكبر شركات الاقتصاد الأمريكي، حيث بلغت حيازة إنفيديا نحو 13.03 مليار دولار، وأبل نحو 11.98 مليار دولار، ومايكروسوفت نحو 7.42 مليار دولار، وأمازون نحو 6.51 مليار دولار، بينما بلغت حيازات ألفابت نحو 10.47 مليار دولار عبر فئتي أسهمها المدرجتين في الإفصاح.

وهكذا، تختلف طبيعة الاحتياطي السويسري عن النموذج الصيني بصورة واضحة، فجزء معتبر من ثروة البنك الوطني السويسري الرسمية معرض مباشرة لحركة أسواق الأسهم والسندات والعملات العالمية، بينما تركز الصين بصورة أكبر على تنويع الاحتياطي وتعزيز حيازاتها من الذهب إلى جانب احتياطياتها النقدية الضخمة.

الذهب حاضر.. لكن فلسفة الاحتفاظ مختلفة

ورغم هذا التركيز على الأصول المالية، يحتفظ البنك الوطني السويسري بكمية كبيرة من الذهب تبلغ نحو 1040 طنًا، لكن الفارق أن سويسرا لم تزد حجم حيازتها من الذهب خلال الفترة محل المقارنة؛ إذ أكد البنك الوطني السويسري أن حجم حيازاته من المعدن ظل دون تغيير في النصف الأول من 2026.

وفي المقابل، سجل الذهب خسارة تقييمية بلغت 6.4 مليار فرنك خلال النصف الأول من العام، بينما حققت مراكز العملات الأجنبية أرباحًا بلغت 31.7 مليار فرنك، ليصل إجمالي أرباح البنك خلال النصف الأول إلى 25.2 مليار فرنك.

وتكشف هذه النتائج شيئًا مهمًا، وهو أن تنويع الاحتياطيات لا يعني اختفاء المخاطر، وإنما يعني توزيعها بين أصول مختلفة؛ فالذهب يتأثر بسعره، والأسهم بحركة الأسواق، والسندات بأسعار الفائدة، والعملات بتحركات أسعار الصرف.

الصين وسويسرا.. اختلاف الأدوات وتشابه الهدف

عند وضع النموذجين جنبًا إلى جنب، يظهر اختلاف واضح في فلسفة إدارة الثروة السيادية، فالصين تمتلك احتياطيات نقد أجنبي تتجاوز 3.4 تريليون دولار، وتربط قوتها المالية بدرجة كبيرة بحجم تجارتها وقدرتها الإنتاجية، مع اتجاه مستمر إلى زيادة حيازة الذهب وتنويع مكونات الاحتياطي.

أما سويسرا، فتدير نحو 786 مليار فرنك من استثمارات العملات الأجنبية عبر مزيج من العملات والسندات والأسهم، مستفيدة من قوة الفرنك ومكانة البلاد كمركز مالي وملاذ آمن، لكن خلف الاختلاف في الأدوات يوجد هدف واحد: حماية الاستقرار المالي وزيادة القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.

الصين تستخدم الاحتياطي كأداة لإدارة العملة والتجارة وتعزيز قدرتها على امتصاص الأزمات، بينما تستخدم سويسرا محفظتها الخارجية لإدارة سعر الصرف وتنويع المخاطر والاستفادة من العوائد التي توفرها الأسواق العالمية.

ومن هنا، فإن قراءة حركة الاحتياطيات لا يجب أن تتوقف عند سؤال «كم تملك الدولة؟»، بل تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تملك؟ ولماذا تختار هذه الأصول تحديدًا؟

China and Russia test Switzerland's long-standing neutrality - Nikkei Asia

الخريطة الجديدة للقوة المالية

تكشف تجربة الصين وسويسرا أن الاحتياطيات الأجنبية لم تعد تقتصر على «وسادة أمان» تُستخدم وقت الأزمات، وإنما أصبحت جزءًا من أدوات إدارة الاقتصاد والسياسة النقدية، ففي الصين، يظهر الذهب بوصفه أحد أبرز عناصر إعادة توزيع الاحتياطي، إلى جانب القوة التجارية والقدرة على إدارة اليوان، وفي سويسرا، تظهر الأسهم والسندات والعملات كأدوات رئيسية لمحفظة عالمية تتأثر مباشرة بحركة الأسواق الدولية، بينما يظل الذهب أصلًا استراتيجيًا ثابتًا داخل الاحتياطي.

وهكذا، فإن التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا، حتى عندما يتراجع إلى 2.6% في الولايات المتحدة و2.2% في منطقة اليورو، لا ينتهي تأثيره عند حدود الأسعار المحلية؛ فقرارات الفائدة التي تنتج عنه، وتحركات العملات والعوائد، تمتد آثارها إلى المحافظ السيادية حول العالم.

ولا تكشف أرقام الصين وسويسرا فقط عن حجم ما تملكانه من ثروة، وإنما عن الطريقة التي تستعد بها كل دولة لعالم أكثر تقلبًا، فالصين تراهن على مزيج من الاحتياطي الضخم، والقوة التجارية، وتنويع الأصول وزيادة الذهب، وسويسرا تراهن على قوة الفرنك، والثقة في مؤسساتها، ومحفظة عالمية تجمع بين السندات والأسهم والعملات والذهب.

وبين النموذجين تظهر حقيقة اقتصادية أكثر اتساعًا مفادها أن القوة المالية في النظام العالمي الجديد لا تُقاس بحجم الاحتياطي وحده، وإنما بقدرة الدولة على إدارة هذا الاحتياطي وتحويله إلى حماية للعملة، ومرونة أمام الأزمات، ومساحة أوسع للحركة عندما تتغير قواعد الاقتصاد العالمي.

اقرأ أيضًا: 

أفريقيا أكبر من جرينلاند 14 مرة.. كيف خدعتنا خريطة مركاتور لأكثر من 450 عامًا؟

اجتماع أوبك+ اليوم.. هل يوقف التحالف زيادات إنتاج النفط في أكتوبر؟

تقرير أمريكي يتوقع تقلبات حادة في «وول ستريت» خلال سبتمبر.. والأسباب تاريخية

Short Url

search