الأحد، 30 أغسطس 2026

11:48 ص

التصدير بلا حاويات.. مصر تصدّر العقول

الأحد، 30 أغسطس 2026 11:04 ص

الدكتور علي الدكروري

الدكتور علي الدكروري

عندما نسمع كلمة «تصدير»، نتخيل عادة مصنعًا ينتج سلعة، ثم توضع داخل حاوية وتتجه إلى الميناء ومنها إلى دولة أخرى.

لكن الاقتصاد الحديث غيّر هذا المفهوم، فاليوم يستطيع شاب مصري أن يجلس أمام جهاز كمبيوتر في القاهرة أو الإسكندرية ويقدم خدمة لشركة في أوروبا أو أمريكا، وتحصل مصر مقابل عمله على عملة أجنبية، دون أن تغادر حاوية واحدة الميناء.

هذا أيضًا تصدير، والأرقام الأخيرة تستحق التوقف أمامها. فقد بلغت صادرات مصر من خدمات التعهيد والأعمال الرقمية نحو 5.2 مليار دولار خلال 2025، ويعمل في القطاع أكثر من 195 ألف متخصص من خلال مئات مراكز تقديم الخدمات التي تخدم الأسواق العالمية.

لكن الأهم من الرقم في رأيي هو ما يقوله عن مستقبل الاقتصاد المصري.

الإنسان أصبح منتجًا تصديريً، والميزة الكبرى في تصدير الخدمات أن المادة الخام الأساسية ليست بترولًا أو معدنًا أو محصولًا.

إنها المعرفة والمهارة واللغة، والمهندس الذي يطور برنامجًا لشركة أجنبية يصدر معرفة. والمحاسب الذي يدير عمليات مالية لشركة عالمية من مصر يصدر خدمة. والمتخصص الذي يحلل البيانات أو يقدم الدعم الفني لعميل في الخارج يشارك بصورة مباشرة في صناعة صادرات مصر.

وهذا النوع من الاقتصاد مهم لأنه يخلق وظائف للشباب، ويجذب استثمارات، ويوفر عملة أجنبية، ولا يحتاج في كل مرة إلى استيراد كميات ضخمة من المواد الخام قبل أن يبدأ الإنتاج.

من خدمة العملاء إلى الخدمات الأعلى قيمة، لكن الفرصة الأكبر ليست فقط في زيادة عدد العاملين، الأهم هو زيادة قيمة العمل الذي يتم من مصر.

فقطاع التعهيد لم يعد مقتصرًا على مراكز الاتصال وخدمة العملاء. الشركات الموجودة في مصر تقدم اليوم خدمات مالية ومحاسبية وتقنية، ومعالجة بيانات، وتطوير برمجيات، وخدمات للشركات، بينما تتوسع أنشطة أخرى في تصميم الدوائر والرقائق الإلكترونية والبرمجيات المستخدمة في السيارات والبحث والتطوير.

وهنا يجب أن يكون الطموح أكبر، ليس الهدف فقط أن تصبح مصر مكانًا مناسبًا بسبب تكلفة التشغيل، وإنما أن تصبح مكانًا تختاره الشركات العالمية بسبب جودة الإنسان المصري وقدرته على تقديم خدمات متخصصة يصعب استبدالها.

والذكاء الاصطناعي فرصة وليس تهديدًا فقط، وهناك من ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا لوظائف الخدمات، وهذا صحيح بالنسبة لبعض المهام البسيطة والمتكررة.

لكن الصورة لها جانب آخر، وإذا استثمرنا في تدريب الشباب على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والبرمجيات، والأمن الإلكتروني، فإن التكنولوجيا تستطيع أن ترفع قيمة ما يصدره الموظف المصري بدل أن تستبدله.

والشركات العالمية العاملة في مصر بدأت بالفعل في دمج الذكاء الاصطناعي داخل عملياتها والتوسع في الخدمات الأعلى قيمة. كما تخطط شركات كبرى لاستثمارات وتوظيفات إضافية، ومنها Concentrix التي تستهدف استثمار نحو مليار دولار في مصر خلال أربع سنوات ورفع عدد العاملين لديها إلى 35 ألفًا بحلول 2028.

التصدير يمكن أن يبدأ من كل محافظة، ومن التطورات المهمة أيضًا أن النشاط لم يعد مضطرًا إلى التركز في القاهرة.

التوسع الحالي في الإسكندرية ومدن أخرى يثبت أن الوظيفة التي تخدم شركة عالمية يمكن أن توجد في أي محافظة تتوافر فيها المهارات والاتصال الرقمي والبنية المناسبة، وهذا يمنح الاقتصاد فرصة لتوزيع الوظائف والاستثمارات بصورة أوسع، بدل أن يضطر الشاب إلى الانتقال إلى العاصمة بحثًا عن فرصة.

كما أن مصر تمتلك قاعدة بشرية كبيرة، مع دخول نحو 750 ألف خريج جامعي إلى سوق العمل سنويًا، وهو ما يمثل فرصة هائلة إذا ارتبط التعليم والتدريب بالمهارات التي يطلبها الاقتصاد العالمي.

التصدير في الاقتصاد الجديد لم يعد يحتاج دائمًا إلى مصنع وحاوية وسفينة. أحيانًا يبدأ من عقل شاب مصري وجهاز كمبيوتر واتصال بالعالم، والفرصة الحقيقية لمصر ليست فقط في زيادة عدد الوظائف التي نقدم من خلالها خدمات للخارج، بل في زيادة قيمة كل وظيفة، حتى ننتقل من تصدير الوقت إلى تصدير المعرفة والخبرة والابتكار.

فكل عقل مصري يعمل للسوق العالمية يمكن أن يصبح مصدرًا جديدًا للدخل والتصدير والعملات الأجنبية، وأصلًا حقيقيًا من أصول الاقتصاد المصري.

Short Url

search