الخميس، 27 أغسطس 2026

08:53 م

خالد عبدالناصر يكتب.. بعد حديث الرئيس السيسي، هل تتغير قواعد اللعبة في السوق العقاري المصري؟

الخميس، 27 أغسطس 2026 07:00 م

خالد عبدالناصر

خالد عبدالناصر

كتب خالد عبد الناصر

لم يكن حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي، عن ضرورة تشديد الرقابة على المشروعات العقارية والالتزام بمواعيد تسليم الوحدات واحترام العقود المبرمة مع العملاء، مجرد رسالة للمطورين المتأخرين في التسليم، لكنه في تقديري قد يكون بداية لمرحلة مختلفة في السوق العقاري المصري بالكامل.

وأكد الرئيس بشكلٍ واضح في ما سبق، أن أجهزة الدولة ستقوم بمراجعة شاملة مع المطورين العقاريين، للتأكد من الوفاء بالالتزامات تجاه المواطنين، سواءً فيما يتعلق بمواعيد التسليم، أو تنفيذ البنية الأساسية والمرافق، مع اتخاذ إجراءات قانونية تجاه المخالفين.

ويجب هنا أن نتوقف قليلًا، لأن السوق العقاري المصري خلال السنوات الماضية، شهد نموًا ضخمًا جدًا في حجم المشروعات والمبيعات، وفي المقابل أصبحت فترات السداد أطول والمقدمات أقل، ودخل عدد كبير من الشركات الجديدة إلى السوق.

وخلق هذا النمو فرصًا كبيرة، لكنه في الوقت نفسه أعلن عن تحدٍ لا يمكن تجاهله، فهل كل شركة تبيع اليوم لديها القدرة المالية والتنفيذية على تسليم ما تبيعه بعد أربع أو خمس أو ست سنوات؟ هذا هو السؤال الحقيقي.

كان السوق لفترة طويلة، يقيس قوة المطور بحجم المبيعات وعدد المشروعات وسرعة الـ Sold Out، لكن المرحلة القادمة قد تغير هذا المفهوم، فقوة المطور لن تكون فقط في قدرته على البيع، ولكن في قدرته على التنفيذ والتسليم، وهذا في رأيي أهم تغيير يمكن أن يحدث في السوق.

 

ماذا سيحدث للشركات؟

أتوقع أن تبدأ الشركات العقارية خلال الفترة المقبلة في إعادة النظر في سياساتها بشكلٍ واضح، فالشركات الجادة والتي تمتلك ملاءة مالية قوية ومعدلات تنفيذ جيدة، قد تكون أكبر المستفيدين من زيادة الرقابة، لأنها ستجد نفسها ضمن سوقٍ يعطي وزنًا أكبر للتنفيذ والتسليم، وليس فقط للحملات الإعلانية والمبيعات.

في المقابل، الشركات التي تعتمد بصورة كبيرة على حصيلة المبيعات الجديدة لتمويل التزامات مشروعات قديمة، ستواجه ضغوطًا أكبر، وقد نرى بعض المطورين يقللون من وتيرة إطلاق مشروعات جديدة، ويركزون بصورة أكبر على الإنشاءات والمشروعات القائمة.

ويمكن كذلك أن نرى شركات أخرى تعيد دراسة مدد السداد الطويلة جدًا، لأن بيع وحدة على عشرة أو اثنتي عشرة سنة، بينما تكلفة البناء تتغير باستمرار، وهو ما يخلق مخاطرة يجب إدارتها بشكلٍ أكثر احترافية، كذلك أتوقع أن تصبح إدارة التدفقات النقدية أهم من أي وقت مضى.

 

المبيعات الكبيرة لن تكون وحدها مؤشر النجاح

ويكمن السؤال في كم تم تحصيله؟ وكم تم توجيهه للإنشاءات؟ وما نسبة التنفيذ؟ وهل التدفقات النقدية المستقبلية للمشروع قادرة على استكماله؟ والعميل أيضًا سيتغير، وهذا التغيير لن يكون عند المطور فقط، فالعميل نفسه أصبح أكثر وعيًا من سنوات سابقة، وأتوقع أن يزداد هذا الوعي بشكلٍ كبيرٍ بعد التوجه الأخير للدولة.

ولن يكون قبل شراء الوحدة السؤال فقط عن السعر، وهو كم؟ وما المقدم؟ والقسط على كم من السنوات؟ ويمكن أن تظهر هنا أسئلة أهم، كم سلمت الشركة من المشروعات قبل ذلك؟ وهل مشروعاتها الحالية تسير بحسب الجدول الزمني؟ وإلى أي مدى تصل نسبة الإنشاءات؟

وإلى ما يشير العقد في حال تأخرت الشركة؟ وهل المرافق والبنية الأساسية جزء واضح من الالتزامات؟ وهل السعر المنخفض أو فترة السداد الطويلة تستحق المخاطرة أصلًا؟ وهنا أعتقد أن السوق سيدخل تدريجيًا في مرحلة يصبح فيها اسم المطور وسابقة أعماله وقدرته على التنفيذ جزءًا أكبر من قرار الشراء.

وقد نشهد إعادة تسعير للمخاطر، فهناك نقطة أخرى مهمة، وهي أنه إذا زادت الرقابة وأصبحت الشركات مطالبة بصورة أكثر صرامة بالالتزام بمواعيد التنفيذ والتسليم، فمن الطبيعي أن المطور الجاد سيبدأ في احتساب مخاطر التنفيذ بشكلٍ أكبر داخل دراسته المالية.

ويمكن أن ينعكس هذا على الأسعار أو المقدمات أو مدد السداد، وبمعنًى آخر، قد نرى بعض الشركات تفضل بيع عدد أقل من الوحدات بشروط مالية أكثر أمانًا، بدلًا من تحقيق أرقام مبيعات ضخمة يصعب تحويلها لاحقًا إلى مشروعٍ مكتمل.

ولا يعني هذا بالضرورة أن هناك شيء سلبي، لأن المبيعات الورقية ليست هي الهدف النهائي من التطوير العقاري، والهدف هو مشروع يتم بناؤه وتسليمه وتشغيله، فالسوق قد ينقسم بشكلٍ أوضح، ومن وجهة نظري، الفترة القادمة يمكن أن تسرع عملية فرز طبيعية داخل السوق.

وسيكون لمطور يحوز أرضًا وملاءةً ماليةً وخبرةً تنفيذية وإدارة جيدة موقفه الأقوى، فيما مطور يعتمد بصورة شبه كاملة على البيع المستقبلي لتمويل المشروع، سيكون تحت ضغط أكبر، ومع الوقت قد نرى تحالفات أو استحواذات أو دخول مستثمرين في بعض الشركات والمشروعات التي تحتاج إلى تمويل أو خبرة تنفيذية أكبر.

وقد يختفي جزء من الشركات الصغيرة غير القادرة على استكمال متطلبات السوق الجديدة، بينما تظهر فرص أكبر للشركات المنظمة ماليًا وتشغيليًا، وستنتقل المنافسة من البيع إلى التنفيذ، خلال سنوات كان أحد أهم أسلحة المنافسة في السوق العقاري هو الـ"Payment Plan"، والتي تتضمن:- (مقدمًا أقل - وتقسيطًا أطول - وخصومات أكبر-  وعروضًا أكثر).

ويمكن أن تضيف المرحلة القادمة، عنصرًا أقوى للمنافسة وهو معدل التنفيذ، فالشركة التي تستطيع أن تقول للعميل إن مشروعها متقدم عن الجدول الزمني، قد تمتلك ميزةً بيعيةً أقوى من شركة تقدم له سنة إضافية في التقسيط.

وقد نشاهد خلال الفترة المقبلة، تحولًا في الرسائل التسويقية نفسها، بدلًا من التركيز الكامل على الـ"Lifestyle" والصور والـ"Render"، وسنجد تركيزًا أكبر على صور الإنشاءات، ونسب التنفيذ ومواعيد التسليم والمشروعات التي تم تشغيلها بالفعل.

 

ماذا عن الأسعار؟

لا أتوقع أن تؤدي زيادة الرقابة في حد ذاتها إلى انخفاض أسعار العقارات، فالأسعار مرتبطة بعوامل كثيرة، من بينها تكلفة الأرض والإنشاءات والتمويل والتضخم وسعر مواد البناء وحركة العرض والطلب، لكن ما قد يحدث هو أن يصبح هناك فرق أكبر في التسعير بين المطور القوي والمطور عالي المخاطر.

وقد يقبل العميل أن يدفع سعرًا أعلى نسبيًا لشركة يثق في قدرتها على التسليم، بدلًا من الحصول على سعر أقل أو خطة سداد أطول مع مخاطرة أكبر، وهنا تتحول الثقة نفسها إلى قيمة مالية، فالقرار في مصلحة السوق وليس ضده، والبعض قد يرى أن زيادة الرقابة تمثل ضغطًا إضافيًا على شركات التطوير العقاري.

وإذا تم تطبيقها بصورة عادلة وواضحة وهناك بالطبع فرق بين المطور المتعثر لأسباب حقيقية، وبين من يبيع دون قدرة حقيقية على التنفيذ، ففي رأيي، ستكون النتيجة في صالح القطاع نفسه، لأن أكبر أصل يمتلكه السوق العقاري، ليس الأرض ولا حجم المبيعات، وإنما هو ثقة العميل.

وسيكون العميل الأكثر استعدادًا للاستثمار والشراء، هو الذي يثق في أن عقده سيحترم وأن وحدته ستسلم في موعدها، أما فقدان الثقة فهو أخطر شيء يمكن أن يواجه أي سوق عقاري، والمرحلة القادمة مختلفة، وأعتقد أننا أمام بداية تحول مهم.

وستكون الشركة التي ستنجح خلال السنوات القادمة، ليست بالضرورة التي تحقق أعلى مبيعات فقط، ولكن التي تحقق المعادلة كاملة، وتبيع بشكلٍ جيد، وتحصِّل بشكلٍ جيد، وتبني بشكلٍ جيد، وتسلم في الموعد، فالعميل أيضًا لن يشتري مجرد متر مربع أو خطة سداد، بل في الحقيقة وعدًا بالتنفيذ بعد عدة سنوات.

وإذا أصبح هذا الوعد محميًا بعقد واضح ورقابة حقيقية ومطور قادر على التنفيذ، صار السوق أكثر قوة واستدامة، لذلك أرى أن الرسالة الأخيرة ليست ضد المطور العقاري، بل على العكس، هي في صالحه لاسيما إن كان جادًا.

ولا يفرق السوق بين من يبيع وينفذ، ومن يبيع فقط، فلو فعل، فإنه سيظلم الشركات الملتزمة قبل أن يظلم العميل، ويمكن أن تفصح الفترة القادمة كذلك، عن بداية تصبح فيها معادلة السوق أكثر وضوحًا، فالمبيعات مهمة، لكن؛ التنفيذ والتسليم هما الاختبار الحقيقي.

Short Url

search