الأربعاء، 19 أغسطس 2026

11:48 م

الموانئ الآسيوية تتجه إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة

الأربعاء، 19 أغسطس 2026 10:40 م

موانئ _ صورة أرشيفية

موانئ _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

يشهد قطاع التجارة البحرية العالمية فترة مضطربة مع اختناقات مرورية ناجمة عن الصراعات الجيوسياسية الممتدة من مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى البحر الأسود،  وتؤدي اضطرابات سلاسل التوريد إلى ارتفاع أسعار الشحن.

فجوة الاستثمار في البنية التحتية

ويرى فينسنت كليرك، الرئيس التنفيذي لشركة ميرسك، أن التحدي الأبرز أمام التجارة العالمية يرتبط بالبنية التحتية، مشيرًا إلى أن العالم، منذ الأزمة المالية عام 2008، لم يضخ استثمارات كافية في البنية التحتية للنقل، بما في ذلك الموانئ البحرية، لنحو 15 عامًا، الأمر الذي أوجد فجوة بين طاقة الشحن ونمو التجارة.


احتياجات الموانئ الآسيوية

وتُشكل ضغوط الاستثمار عبئًا كبيرًا على آسيا، ويُقدّر البنك الدولي أن موانئ شرق آسيا والمحيط الهادئ ستحتاج إلى استثمارات سنوية تُقارب 12 مليار دولار أمريكي بين عامي 2025 و2040 لتوسيع طاقتها وتحسين كفاءتها التشغيلية، بينما سيحتاج قطاع شحن الحاويات وحده إلى 90 مليار دولار أمريكي إضافية لزيادة طاقته الاستيعابية إلى 300 مليون حاوية قياسية بحلول عام 2040، أي ما يُقارب ضعف طاقته الحالية، في وقت تُكثّف فيه الصين جهودها لتطوير الموانئ الذكية.

الصين تقود تحديث الموانئ

وفي هذه الموجة الجديدة من الاستثمار، تُسرّع الصين، التي يُتوقع أن تستحوذ على نحو 65% من إجمالي احتياجات المنطقة من استثمارات الموانئ، وتيرة تحديث أنظمة موانئها ومعابرها الحدودية، ووفقًا لخطتها للفترة 2026-2030، ستُطوّر البلاد البنية التحتية في 57 ميناءً ومعبرًا حدوديًا، وستُدرج 43 ميناءً رئيسيًا في برنامجها لتطوير الموانئ الذكية، مع توسيع نطاق تطبيق الذكاء الاصطناعي في الإدارة والتشغيل، وفي شنجهاي، أكبر ميناء للحاويات في العالم، تُسهم هذه التقنيات في التعامل مع التحديات المتزايدة التعقيد التي تواجه سلاسل الإمداد الحديثة.

تعقيدات التشغيل في ميناء شنجهاي

ويوميًا، تُفرغ مئات الآلاف من حاويات البضائع القياسية وتُشحن في ميناء شنجهاي، ومع ازدياد حجم سفن الشحن، تتزايد تعقيدات التنسيق بين الإدارات التشغيلية، فيما قد تترتب على أي فجوة معلوماتية خلال عملية التسليم مخاطر تشغيلية.

الذكاء الاصطناعي ودعم السلامة

وقال تشن هوانان، مشرف إدارة السلامة في ميناء جواندونج الدولي للحاويات التابع لمجموعة موانئ شنجهاي: «إذا لم يكتمل تسليم الوردية وكانت السفينة تنطوي على مخاطر محتملة، فقد لا يكون مشغلو رافعة الجسر على دراية كاملة بالوضع، وهذا قد يؤدي إلى اختلال محاذاة الرافعة أو حتى انقلاب الحاوية، وهو أمر بالغ الخطورة»، ومع الحجم الهائل للبضائع وتزامن العديد من الأنشطة، أصبحت عمليات التنسيق تتطلب قدرات تحليلية وتخطيطية متقدمة، وهنا يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا في دعم تحليل البيانات والتخطيط التشغيلي.

أول خط ملاحي يربط موانئ آسيا وأفريقيا... نقلة نوعية لاقتصاد السعودية -  24.06.2020, سبوتنيك عربي

تنسيق العمليات بالذكاء الاصطناعي

وقال هوانج هنج، المدير العام لشركة NIZE Technology: «يستطيع مشغل واحد إدارة ست نقاط تنسيق تقريبًا في وقت واحد لرافعة جسرية، ولكن مع ازدياد حجم السفن، نحتاج إلى أكثر من 20 نقطة تتطلب تنسيقًا متزامنًا لكل سفينة، وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه النقاط مجتمعة وتقدير تأثيرها على المراحل التشغيلية التالية، بما يوفر قدرة أوسع على التخطيط والتنسيق».

خفض إعادة نقل الحاويات

ويُستخدم الذكاء الاصطناعي، حاليًا، في العديد من المجالات في الموانئ، بدءًا من صيانة المعدات ومراقبة السلامة وصولًا إلى تنسيق الشحنات، ويسهم هذا النظام في تقليل عدد مرات نقل الحاويات وإعادة ترتيبها أثناء النقل، صرح هونج يانج، مسؤول العمليات في محطة شنجدونج الدولية للحاويات التابعة لمجموعة موانئ شنغهاي، قائلاً: "منذ بدء تشغيل النظام الخوارزمي، انخفض معدل إعادة شحن الحاويات ذات الحجم الكبير من 55% إلى 7% فقط، وفي الوقت نفسه، انخفض معدل إعادة شحن السفن الكبيرة أيضًا من 36% إلى 27%.

كفاءة تشغيلية قياسية

إلى جانب الأتمتة وتوسيع البنية التحتية، يُسهم تطبيق الذكاء الاصطناعي في تحسين الكفاءة التشغيلية، ففي العام الماضي، تعامل ميناء شنجهاي مع أكثر من 55 مليون حاوية نمطية، وحافظ على مكانته كأكبر ميناء للحاويات في العالم لمدة 16 عامًا متتالية.

الاستثمار في الموانئ المستدامة

وإلى جانب الاستثمار في البنية التحتية وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي، تتسابق العديد من الموانئ البحرية في آسيا لتبني ممارسات لوجستية صديقة للبيئة، ووفقًا للبنك الدولي، تتطلب عملية خفض الانبعاثات والتحول إلى مصادر طاقة جديدة من موانئ المنطقة استثمارات تتراوح من عشرات الملايين إلى مليارات الدولارات في البنية التحتية للوقود النظيف والتقنيات الحديثة، وفي اليابان، يسلك ميناء كوبي هذا المسار، فبعد أن كان أحد أكثر الموانئ البحرية ازدحامًا في آسيا، يهدف كوبي الآن إلى أن يصبح ميناءً محايدًا للكربون، من خلال توسيع استخدام الهيدروجين، وكهربة معدات مناولة البضائع، وخفض الانبعاثات في مختلف مراحل سلسلة التوريد اللوجستية.

الهيدروجين في ميناء كوبي

وتتمتع محطة توليد الطاقة والحرارة العاملة بالهيدروجين بالكامل في ميناء كوبي بقدرة إنتاجية تصل إلى 1.1 ميجاواط من الكهرباء و2.8 ميجاواط من الحرارة، وتهدف الحكومة اليابانية إلى خفض سعر الهيدروجين إلى حوالي 30 ين/م³ بحلول عام 2030، وإلى 20 ين/م³ بحلول عام 2050، بما يدعم الجدوى التجارية للمشروع بحلول عام 2030، ويعمل ميناء كوبي على توسيع نطاق استخدام وقود الهيدروجين ليشمل قطاعات أخرى عديدة.

الهيدروجين للنقل والصناعة

فيما صرح موتو نيشيمورا، رئيس قسم استراتيجية طاقة الهيدروجين في شركة كاواساكي اليابانية، قائلاً: «على سبيل المثال، في قطاع النقل، مثل شاحنات النقل لمسافات طويلة وسفن الحاويات وحتى الطائرات، يُعدّ استخدام الكهرباء أمرًا بالغ الصعوبة، وبالمثل، فإن تسخين أفران الحديد الكهروستاتيكية أو الأفران ذات درجات الحرارة العالية التي تتجاوز 500 درجة مئوية يتطلب تقنيات تتجاوز الاعتماد على الكهرباء وحدها، مما يعزز أهمية وقود الهيدروجين في هذه المجالات».

خمسة محاور للميناء المحايد للكربون

وتُنفَّذ استراتيجية كوبي الاستثمارية للموانئ المحايدة للكربون على خمسة محاور رئيسية: كهربة معدات الموانئ، واستخدام الهيدروجين والوقود النظيف، وخفض انبعاثات السفن، وترشيد استهلاك الطاقة، ورقمنة الخدمات اللوجستية، وتتوقع المدينة أن تُسهم هذه الاستثمارات في خفض الانبعاثات وتعزيز القدرة التنافسية لموانئها، مع تزايد تأثير المعايير البيئية على قرارات اختيار الموانئ لدى شركات الخدمات اللوجستية وخطوط الشحن الدولية.

موانئ تطلق خدمة

استراتيجية التحول إلى الطاقة النظيفة

وصرح هيساموتو كيزو، عمدة مدينة كوبي في محافظة هيوجو باليابان: "لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، نحتاج إلى تحويل أنواع الوقود الأحفوري المستخدمة حاليًا مثل البنزين والديزل إلى طاقة كهربائية نظيفة وطاقة هيدروجينية، ونطلق على هذا استراتيجية ميناء محايد للكربون".

الاستدامة تعزز تنافسية الموانئ

فيما شهدت الموانئ البحرية اليابانية، في السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا نحو الاستدامة البيئية، وخفض الانبعاثات، واستخدام الطاقة النظيفة، بما يدعم القدرة التنافسية لموانئها ويعزز استعدادها للتغيرات طويلة الأجل في التجارة العالمية، ويُدر ميناء كوبي حاليًا أكثر من 30% من دخل المدينة، في حين من المتوقع أن يزداد الطلب على الهيدروجين في منطقة الميناء من حوالي 40 ألف طن في عام 2030 إلى 570 ألف طن في عام 2050، بما يفتح سوقًا للطاقة بقيمة 800 مليون دولار سنويًا تقريبًا، إلى جانب صناعة جديدة للمعدات والخدمات اللوجستية، ومن تحديث البنية التحتية وتطبيق الذكاء الاصطناعي إلى التحول الأخضر، تدخل الموانئ الآسيوية دورة استثمارية جديدة، وتجمع هذه الاستثمارات بين معالجة اختناقات سلاسل التوريد الحالية وبناء مقومات تنافسية طويلة الأمد للمنطقة.

Short Url

search