الخميس، 20 أغسطس 2026

02:59 ص

خبير دولي يكشف البصمات الخفية للصناعات الغذائية ويحذر من وهم «البصمة الواحدة»

الخميس، 20 أغسطس 2026 02:00 ص

البصمة الكربونية

البصمة الكربونية

هدير جلال

أكد الدكتور عدنان محمد خضر، الخبير والمستشار الدولي المعتمد في سلامة الغذاء، أن مفهوم الاستدامة في الصناعات الغذائية شهد تحولًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، فلم يعد تقييم أداء المصانع يعتمد فقط على حجم الإنتاج أو تكلفة التصنيع، وإنما أصبح مرتبطًا بحجم الموارد الطبيعية المستخدمة والأثر البيئي الناتج عن المنتج طوال دورة حياته، بداية من المواد الخام وحتى وصوله إلى المستهلك والتخلص من مخلفاته.

البصمات تشمل الأرضية والمادية والنيتروجينية والفسفورية

وأوضح «خضر»، أن ما يعرف بـ«البصمات البيئية» أصبح أحد أهم الأدوات التي تساعد الصناعات الغذائية على قياس تأثيرها، لافتًا إلى أن هذه البصمات لا تقتصر على البصمة الكربونية أو المائية، وإنما تشمل أيضًا البصمة الأرضية والمادية والنيتروجينية والفوسفورية، إلى جانب بصمة التنوع الحيوي والبلاستيك والنفايات والبصمة البيئية الشاملة.

وشدد الخبير الدولي، على أن التعامل مع «بصمة واحدة»، باعتبارها المقياس الكامل للاستدامة يمثل خطأً، موضحًا أن المصنع قد ينجح في خفض انبعاثاته الكربونية، لكنه في الوقت نفسه يرفع استهلاك المياه أو يزيد استخدام مواد التعبئة، كما أن خفض استهلاك المياه قد يؤدي في بعض الحالات إلى زيادة استهلاك الطاقة.

وأشار إلى أن الحل يتمثل في تطبيق منهج «التفكير بدورة الحياة»، Life Cycle Thinking، الذي يتتبع الأثر البيئي للمنتج منذ الزراعة وإنتاج المواد الخام، مرورًا بالتصنيع والتعبئة والنقل والتوزيع، وصولًا إلى المستهلك ونهاية عمر المنتج.

البصمة المائية ليست مجرد قراءة عداد المياه

وأوضح الخبير والمستشار الدولي، أن البصمة المائية لا تعني ببساطة كمية المياه التي يستهلكها المصنع، وإنما يجب النظر إلى استخدام المياه وتأثيراتها البيئية على امتداد دورة حياة المنتج.

ولفت إلى أن تقييم البصمة المائية يمكن أن يشمل المياه الخضراء المرتبطة بمياه الأمطار التي تستهلكها المحاصيل، والمياه الزرقاء الناتجة عن استهلاك المياه السطحية والجوفية، والمياه الرمادية المرتبطة بالحجم النظري للمياه اللازمة لاستيعاب حمل ملوث إلى مستوى جودة محدد.

وأكد أن جزءًا كبيرًا من البصمة المائية للمنتجات الغذائية قد يحدث قبل دخول المواد الخام إلى المصنع، وتحديدًا خلال مراحل الزراعة والإنتاج الزراعي، وهو ما يجعل تقييم المصنع بمفرده غير كافٍ لفهم البصمة الحقيقية للمنتج.

وأوضح أن مصانع الأغذية يجب أن تضع مؤشرات دقيقة لقياس استهلاك المياه في عمليات التصنيع والتنظيف والتطهير CIP، وأبراج التبريد والغلايات وأنظمة معالجة المياه ومياه الشطف والصرف، بدلًا من الاعتماد على إجمالي استهلاك المياه فقط.

البصمة الكربونية تمتد إلى ما وراء خطوط الإنتاج

وفيما يتعلق بالبصمة الكربونية، أكد «خضر»، أنها لا تقتصر على ثاني أكسيد الكربون، وإنما تشمل مختلف غازات الدفيئة التي يتم التعبير عن تأثيرها في صورة مكافئ ثاني أكسيد الكربون CO₂e.

وأوضح أن الانبعاثات يمكن النظر إليها من خلال الانبعاثات المباشرة الناتجة عن الوقود المستخدم داخل المصنع، والانبعاثات غير المباشرة المرتبطة بالطاقة المشتراة مثل الكهرباء، إلى جانب الانبعاثات الناتجة عن سلسلة القيمة، والتي قد تشمل المواد الخام والتعبئة والنقل والمخلفات وغيرها.

وأشار إلى أن مصنع المشروبات، على سبيل المثال، قد تكون لديه مصادر متعددة للانبعاثات، تشمل الكهرباء والبخار والوقود ومواد التعبئة مثل PET والألومنيوم، والسكر، وثاني أكسيد الكربون المستخدم في المنتج، والنقل والتبريد ومعالجة المياه والصرف.

وأكد أن تحديد مصدر الانبعاث الأكبر يتطلب دراسة دورة الحياة كاملة، لأن الزراعة وإنتاج المواد الخام قد يمثلان في بعض المنتجات جزءًا كبيرًا من البصمة الكربونية النهائية.

البصمات الأخرى تكشف «التكلفة البيئية الخفية»

وأوضح الخبير والمستشار الدولي، أن البصمة الأرضية تقيس حجم الأراضي المطلوبة بصورة مباشرة وغير مباشرة لإنتاج السلع، وهي شديدة الأهمية في الصناعات الغذائية، خاصة مع المحاصيل والسلع المرتبطة بالحبوب والسكر والزيوت واللحوم والألبان والفواكه.

كما أشار إلى أن البصمة المادية تساعد في معرفة حجم الموارد والمواد الخام المستخرجة عالميًا لتلبية احتياجات الإنتاج والاستهلاك، وهو ما يجعلها أداة مهمة عند دراسة بدائل التعبئة، مثل استخدام البلاستيك المعاد تدويره أو تقليل وزن العبوات.

وأضاف أن البصمة النيتروجينية والفوسفورية تكتسب أهمية كبيرة في قطاع الغذاء والزراعة، بسبب استخدام الأسمدة والأعلاف والإنتاج الحيواني ومياه الصرف، وما قد ينتج عنها من فقد للعناصر الغذائية ووصولها إلى البيئة.

ولفت إلى أن هناك كذلك اهتمامًا متزايدًا ببصمة التنوع الحيوي والبصمة البلاستيكية وبصمة النفايات، خاصة مع ارتفاع الضغوط المرتبطة بتغير استخدام الأراضي والتلوث والمخلفات البلاستيكية وهدر الغذاء.

أي بصمة يحتاجها مصنع الأغذية؟

وأكد الدكتور عدنان خضر، أن اختيار البصمة المناسبة يجب أن يتوقف على طبيعة النشاط والهدف من القياس، موضحًا أن البصمة الكربونية تكون أكثر أهمية عند التركيز على الطاقة والانبعاثات والنقل، بينما تزداد أهمية البصمة المائية في المصانع كثيفة استهلاك المياه.

وأضاف أن البصمة المادية والبلاستيكية تصبح أكثر أهمية عند دراسة العبوات والاقتصاد الدائري، بينما تكتسب بصمات الأرض والنيتروجين والتنوع الحيوي أهمية أكبر عندما تكون المواد الزراعية هي المكون الرئيسي للأثر البيئي في سلسلة القيمة.

وشدد على أن تقييم دورة الحياة LCA يمثل الإطار الأكثر شمولًا عند مقارنة المنتجات أو العبوات أو التقنيات، لأنه يساعد على منع ما يعرف بـ«نقل العبء البيئي»، أي أن يؤدي خفض أثر بيئي إلى زيادة أثر آخر.

سلامة الغذاء خط أحمر في معادلة الاستدامة

وحذر «خضر»، من أن السعي إلى خفض البصمة البيئية يجب ألا يأتي على حساب سلامة الغذاء وجودته، موضحًا أن تخفيف وزن عبوة بلاستيكية قد يقلل استخدام المواد، لكنه إذا تسبب في تقليل العمر التخزيني للمنتج وزيادة المرتجعات وهدر الغذاء، فقد يؤدي في النهاية إلى نتيجة بيئية عكسية.

وأشار إلى أن خفض استهلاك المياه في عمليات التنظيف والتطهير CIP يجب أن يتم من خلال تحسين التصميم واسترجاع مياه الشطف والتحكم في ظروف التشغيل، وليس من خلال تقليل مستوى التنظيف أو المساس بفعاليته.

كما أكد أن خفض الطاقة في عمليات البسترة لا يعني تقليل درجات الحرارة بشكل عشوائي، وإنما يجب تحقيق كفاءة الطاقة من خلال استرجاع الحرارة وتحسين العمليات، مع الحفاظ على شروط السلامة الغذائية والتحقق من فعالية العملية.

وأكد على أن الاستدامة الحقيقية في الصناعات الغذائية تقوم على معادلة متكاملة تجمع بين «غذاء آمن، واستخدام أكثر كفاءة للموارد، وهدر أقل، وتأثير بيئي أقل».

وأوضح أن السؤال الأهم لم يعد فقط: «كمية المياه أو الانبعاثات التي وفرناها؟»، وإنما: «هل نجحنا في خفض الأثر البيئي الكلي لدورة حياة المنتج دون نقل المشكلة إلى مرحلة أخرى ودون المساس بسلامة الغذاء وجودته؟».

Short Url

search