الأحد، 16 أغسطس 2026

09:08 م

النفط ليس لنا وحدنا.. قصة أكبر صندوق سيادي في العالم لحماية حقوق الأجيال القادمة

الأحد، 16 أغسطس 2026 07:10 م

صندوق التقاعد الحكومي العالمي

صندوق التقاعد الحكومي العالمي

مي المرسي

يُعد النفط واحدًا من أكثر الموارد تأثيرًا في الاقتصاد العالمي؛ فمنذ اكتشافه على نطاق واسع، ارتبطت به صناعات وطاقة ونقل وتجارة، وأصبح موردًا قادرًا على تغيير موازين اقتصادات ودول بأكملها، وفي شمال أوروبا، وجدت النرويج نفسها أمام واحدة من أكبر هذه الثروات؛ بحر الشمال لم يكن مساحة مائية تفصلها عن جيرانها فقط، بل كان يخفي تحت قاعه احتياطيات هائلة من النفط والغاز، سرعان ما وضعت البلاد أمام فرصة اقتصادية استثنائية واختبار أصعب؛ ماذا تفعل بثروة ضخمة تعرف مسبقًا أنها ناضبة، وما الذي يحكم حقوق الأجيال القادمة من هذه الثروة؟

كان بإمكان النرويج أن تتعامل مع هذه الثروة باعتبارها مكسبًا للحاضر؛ تستخرج النفط، تنفق عوائده، وتحوّل الوفرة إلى توسع سريع في الاقتصاد والإنفاق العام، لكنها اختارت مسارًا مختلفًا؛ وهو أن تنظر إلى ما يخرج من باطن الأرض باعتباره ثروةً لا تخص جيلًا واحدًا، وأن تبحث عن طريقة تحفظ قيمته للأجيال التي ستأتي بعد انتهاء آخر برميل.

ومن هنا بدأت قصة واحدة من أكثر التجارب إلهامًا في الاقتصاد العالمي؛ قصة دولةٍ قررت ألا تترك ثروتها في باطن الأرض، وألا تستهلكها بالكامل فوق الأرض، وإنما تحوّلها إلى رأس مالٍ يعمل في أسواق العالم، وكانت الأداة التي حملت هذه الفكرة هي «صندوق التقاعد الحكومي العالمي»؛ الصندوق الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم.

من النفط إلى «صندوق المستقبل»

تدير النرويج اليوم صندوقًا يحمل اسم «صندوق التقاعد الحكومي العالمي» Government Pension Fund Global – GPFG، لكن الاسم ـ للوهلة الأولى ـ قد يوحي بأنه صندوق معاشات تقليدي، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالصندوق لا يملك حساباتٍ فرديةً للنرويجيين، ولا يدفع معاشاتٍ شهريةً مباشرةً للمواطنين، وإنما يمثل ثروةً سيادية تستثمرها الدولة على المدى الطويل، ثم تُستخدم عوائدها عبر الموازنة العامة لتمويل الإنفاق الحكومي، بما في ذلك الخدمات الاجتماعية ونفقات التقاعد.

وتتمثل الفكرة الأساسية للصندوق في أن عائدات النفط والغاز لا تُستهلك بالكامل في اللحظة التي تصل فيها إلى خزينة الدولة، وإنما تتحول إلى ثروة مالية يمكن أن تستمر في إنتاج العوائد حتى بعد نضوب المورد الذي صنعها، وهنا تظهر المفارقة النرويجية؛ النفط الذي خرج من باطن الأرض لم يبقَ في خزائن الدولة، بل انتقل إلى أسواق العالم، بينما بقيت قيمته تعمل لصالح الاقتصاد النرويجي.

من بحر الشمال إلى خزينة العالم

الحكاية النفطية النرويجية في بحر الشمال بدأت خلال ستينيات القرن الماضي، لكن اكتشاف الثروة لم يكن وحده هو الذي صنع التجربة؛ فالسؤال الأصعب أمام صانع القرار حينها، كان كيف تُدار هذه الثروة بحيث لا تتحول وفرة النفط إلى عبء على الاقتصاد، ولا تستهلكها أجيال الحاضر على حساب المستقبل؟

وفي عام 1990، اتخذت النرويج الخطوة الحاسمة بإنشاء «صندوق البترول الحكومي» بموجب القانون، قبل أن تدخل أول أموال إليه فعليًا عام 1996، وبعد عقد من الزمن، وتحديدًا في عام 2006، تغير اسمه إلى «صندوق التقاعد الحكومي العالمي»، ليعكس بصورة أوضح الهدف طويل الأجل من إدارة الثروة النفطية؛ تحويل موردٍ ناضب إلى ثروةٍ تستطيع الدولة الاعتماد عليها مستقبلًا.

ولا يعني اسم «صندوق التقاعد» أن النرويجيين يملكون حسابات تقاعد داخل الصندوق، بل يعكس دوره ضمن منظومة المالية العامة؛ فالصندوق العالمي لا يدفع المعاشات مباشرة، وإنما تدخل عوائده إلى الموازنة العامة وفق القواعد المالية التي تضعها الدولة، لتساعد في تمويل الإنفاق العام، بما في ذلك الخدمات الاجتماعية والتقاعد.

صندوق التقاعد الحكومي العالمي

المال الذي لا يدخل إلى البيت

وتتعمد النرويج إبقاء أموال الصندوق خارج اقتصادها المحلي، فتُستثمر في الأسهم والسندات والعقارات والبنية التحتية حول العالم، بدلًا من ضخ عائدات النفط بكاملها داخل السوق النرويجي، والهدف هنا يتجاوز البحث عن عائد استثماري؛ فالنرويج تحاول أيضًا حماية اقتصادها من «المرض الهولندي»، حين تؤدي وفرة الموارد الطبيعية إلى تدفق الأموال على الاقتصاد المحلي، فترتفع الأسعار وتتقوى العملة وتتراجع القدرة التنافسية للقطاعات الأخرى.

وتتولى إدارة NBIM استثمار أموال الصندوق، بينما تضع وزارة المالية الإطار العام لعمله، بما في ذلك توزيع الأصول ومستويات المخاطر والقواعد التي تحكم استخدام العوائد، وبهذه الطريقة، أصبح النفط النرويجي يتحرك في دورة مختلفة تمامًا  عما في الأسواق النفطية؛ يُستخرج من بحر الشمال، تتحول عائداته إلى أموال سيادية، ثم تغادر هذه الأموال حدود النرويج لتشتري حصصًا في اقتصاد العالم.

وهنا تتغير الحكاية كلها؛ فالبرميل الذي خرج من باطن الأرض لا ينتهي بانتهاء بيعه، وإنما يبدأ حياةً جديدة داخل محفظة استثمارية، إذ  يتحول إلى سهمٍ في شركة تكنولوجيا، أو سندٍ حكومي، أو عقارٍ في عاصمة عالمية، أو حصةٍ في مشروع للطاقة المتجددة، وهكذا، لم تعد النرويج تحتفظ بثروة النفط في باطن الأرض، وإنما بدأت تبني لنفسها ثروةً بديلةً فوق الأرض.

قيمة تريليونية للصندوق في الخزنة النرويجية

وصلت قيمة الصندوق بنهاية عام 2025 إلى 21.268 تريليون كرونة نرويجية، موزعة على آلاف الاستثمارات حول العالم. وحقق الصندوق خلال العام عائدًا بلغ 15.1%، بما يعادل 2.362 تريليون كرونة، وهو ثاني أعلى عائد له على الإطلاق بالقيمة المطلقة بالكرونة، وزادت قيمة الصندوق خلال العام بنحو 1.526 تريليون كرونة، رغم أن قوة الكرونة أمام العملات التي يستثمر فيها الصندوق خفضت قيمته المقومة بالكرونة.

وتعني هذه الأرقام أن الصندوق لم يعد وعاءً فقط لحفظ إيرادات النفط؛ فقد أصبحت عوائد الاستثمارات نفسها أحد أكبر محركات نمو الثروة، ومنذ أول تدفق لرأس المال عام 1996، بلغ إجمالي التدفقات الداخلة إلى الصندوق حتى نهاية 2025 نحو 6.191 تريليون كرونة، بينما بلغت عمليات السحب التراكمية 687 مليار كرونة، وفي المقابل، ساهمت عوائد الاستثمارات وحدها بنحو 13.457 تريليون كرونة في قيمة الصندوق، قبل خصم تكاليف الإدارة، وتظهر هنا واحدة من أهم أفكار التجربة النرويجية: الدولة لم تكتفِ بادخار النفط، وإنما جعلت رأس المال المدخر يعمل.

71.3 % أسهم.. والباقي شبكة أمان

تستحوذ الأسهم المدرجة على الجزء الأكبر من المحفظة، بنسبة 71.3% في نهاية 2025، بقيمة بلغت نحو 15.173 تريليون كرونة، وجاءت أدوات الدخل الثابت في المرتبة الثانية بنسبة 26.5% وقيمة 5.649 تريليون كرونة، بينما بلغت حصة العقارات غير المدرجة 1.7% بقيمة 372 مليار كرونة، واستحوذت البنية التحتية غير المدرجة للطاقة المتجددة على 0.4% بقيمة 91 مليار كرونة.

وتكشف هذه التوزيعة عن فلسفة واضحة مفادها؛ الأسهم هي محرك النمو طويل الأجل، والسندات توفر قدرًا أكبر من الاستقرار والسيولة، بينما تمنح العقارات والبنية التحتية تعرضًا لأصول حقيقية مختلفة عن الأسواق المدرجة.

وتنتشر المحفظة عبر 68 دولة، وكانت في نهاية 2025 تضم 7,201 شركة مدرجة، إلى جانب نحو 7,600 سند من 1,618 جهة إصدار، و1,389 استثمارًا عقاريًا غير مدرج و13 استثمارًا في البنية التحتية غير المدرجة للطاقة المتجددة. كما كانت الاستثمارات موزعة على 41 عملة، بينما تُقاس النتائج باستخدام سلة عملات مرجعية تضم 34 عملة.

1.5 % من شركات العالم.. ملكية بلا مكتب رئيسي

يمتلك الصندوق في المتوسط نحو 1.5% من جميع الشركات المدرجة في العالم، ما يجعله واحدًا من أكبر المالكين المؤسسيين على مستوى الأسواق العالمية، كما كان يمتلك أكثر من 2% في نحو ألف شركة وأكثر من 5% في 68 شركة بنهاية 2025، مع حد عام يبلغ 10% من حقوق التصويت في الشركة الواحدة، باستثناء الشركات العقارية المدرجة ضمن القواعد الخاصة بها.

وتعني هذه النسبة الصغيرة في ظاهرها قوة هائلة عندما تتكرر آلاف المرات؛ فالصندوق لا يحتاج إلى امتلاك شركة كاملة حتى يكون لاعبًا مؤثرًا، وإنما تكفيه حصة موزعة على عدد ضخم من الشركات كي يصبح صوته جزءًا من مئات وآلاف الجمعيات العمومية حول العالم، وهنا تبدأ قصة أخرى للصندوق، إذ لا يملك الأسهم فقط، وإنما يستخدم الملكية للتأثير.

حين يصبح المال صاحب موقف أخلاقي

تجلس الأخلاق في قلب واحدة من أكثر آليات الصندوق إثارة للجدل والاهتمام؛ فالنرويج لا تقول فقط: «أين يمكن أن نحقق أعلى عائد؟»، وإنما تسأل أيضًا: «هل نريد أن تكون أموال المجتمع النرويجي مستثمرة في هذه الشركة أصلًا؟»

ولسنوات، كانت هناك منظومة رسمية للمراقبة والاستبعاد، تعتمد على مجلس الأخلاقيات الذي يراقب الشركات ويقدم توصياته، بينما كانت قرارات الاستبعاد أو وضع الشركات تحت المراقبة تُتخذ وفق الإطار الذي تحدده وزارة المالية.

وتشمل المعايير الأخلاقية فئات من الأنشطة والسلُوكيات التي قد تؤدي إلى استبعاد الشركات، مثل بعض أنواع إنتاج الأسلحة، والتبغ، والفحم، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والفساد الجسيم، والأضرار البيئية الخطيرة، وغيرها من المعايير التي يحددها الإطار النرويجي، لكن هناك نقطة مهمة في الوضع الحالي.

ففي نوفمبر 2025 بدأت الحكومة مراجعة الإطار الأخلاقي للصندوق، ووُضعت قواعد أخلاقية مؤقتة إلى حين الانتهاء من المراجعة، والمتوقع أن يقدم الفريق المكلف تقريره في 15 أكتوبر 2026، وبموجب القواعد المؤقتة، لا يتخذ Norges Bank قرارات جديدة بالاستبعاد أو المراقبة بالطريقة السابقة، بينما يستمر مجلس الأخلاقيات في متابعة الشركات وإبلاغ البنك بالحالات التي قد تستدعي ممارسة الملكية النشطة.

من «الاستبعاد» إلى التصويت.. المال يحاول تغيير الشركات من الداخل

لا يكتفي الصندوق بالانسحاب من الشركات التي يرى أنها لا تتوافق مع معاييره؛ فهناك أداة أكثر هدوءًا وأحيانًا أكثر تأثيرًا، وهي الملكية النشطة.

وفي عام 2025، صوّت الصندوق في 108,325 قرارًا خلال 10,873 اجتماعًا للمساهمين، وعقد اجتماعات مع 3,198 شركة ضمن محفظته، التي بلغت 7,201 شركة.

ويمارس الصندوق حق التصويت باعتباره مساهمًا طويل الأجل، وينشر نواياه التصويتية قبل اجتماعات المساهمين عندما يكون ذلك ممكنًا، ويمكنه التصويت ضد توصيات مجالس الإدارة أو تقديم مقترحاته الخاصة عندما لا تتوافق الشركات مع توقعاته، ويعني ذلك أن «المستثمر الأخلاقي» في الحالة النرويجية ليس مجرد جهة تبيع حصتها وتغادر؛ ففي كثير من الحالات يحاول أولًا التأثير في الشركة، لأن بيع السهم قد يحمي محفظة الصندوق أخلاقيًا، لكنه لا يغير بالضرورة سلوك الشركة نفسها.

عندما يصبح النفط.. أخضر

وتتسع المفارقة عندما ننظر إلى الاستثمارات في الطاقة المتجددة. فالدولة التي بنت ثروتها السيادية من النفط والغاز تستثمر جزءًا متزايدًا من محفظتها في أصول مرتبطة بالتحول في قطاع الطاقة، وقد ارتفعت حصة الاستثمارات في البنية التحتية غير المدرجة للطاقة المتجددة من 0.1% إلى 0.4% خلال السنوات الأخيرة، بعدما نفذ الصندوق استثمارات جديدة، بينها أول استثمار له في شبكات الكهرباء وأول استثمار في صندوق للتحول في مجال الطاقة خلال 2025.

وحققت استثمارات البنية التحتية غير المدرجة للطاقة المتجددة عائدًا بلغ 18.1% في 2025، مقابل 19.3% للأسهم و5.4% لأدوات الدخل الثابت و4.4% للعقارات غير المدرجة، وهكذا، لا تبدو «الخزنة الخضراء» خزانة تحتفظ بأموال النفط فقط؛ لكنها تحاول تحويل جزء من الثروة النفطية إلى ملكية في الاقتصاد الذي يأتي بعد النفط.

يغطي الطلب الكامل..
بحر الشمال 

لماذا لا تسحب النرويج الأموال كلها؟

تضع النرويج فرامل دستورية وسياسية على شهية الإنفاق، فمنذ عام 2001 يعمل ما يعرف بـ«القاعدة المالية» Fiscal Rule، التي تربط استخدام أموال الصندوق في الموازنة بالعائد الحقيقي المتوقع على المدى الطويل.

كان التقدير الأصلي للعائد الحقيقي المتوقع 4% عند إنشاء القاعدة، ثم خُفض إلى 3% في 2017، والقاعدة لا تعني أن الحكومة لا تستطيع أبدًا تجاوز 3%، وإنما أن الاستخدام على المدى الطويل يجب أن يتماشى مع العائد الحقيقي المتوقع، مع إمكانية الإنفاق بصورة مختلفة خلال فترات الأزمات أو التراجعات الاقتصادية.

وتحول هذه القاعدة دون تحويل الصندوق إلى ماكينة تمويل للإنفاق الجاري؛ فالحكومة تحصل على مساحة مالية من العائد، بينما يبقى الأصل مستثمرًا ليواصل إنتاج عوائد مستقبلية.

وفي 2026، تشير تقديرات الحكومة النرويجية إلى أن نحو 27% من موازنة الحكومة المركزية سيمول من تحويلات الصندوق، وهو ما يوضح حجم الدور الذي أصبحت تلعبه الثروة السيادية في الاقتصاد، وفي الوقت نفسه يوضح درجة اعتماد المالية العامة على أداء الأسواق العالمية.

النرويج لا تعيش على النفط.. بل على عائد رأس المال

تُظهر الأرقام التاريخية لماذا نجح النموذج في تحويل الثروة النفطية إلى ثروة مالية؛ فمنذ 1998 وحتى 2025 حقق الصندوق متوسط عائد سنوي بلغ 6.6%، بينما بلغ متوسط العائد الحقيقي السنوي الصافي بعد التضخم وتكاليف الإدارة 4.3%.

وسجل الصندوق خلال السنوات الخمس السابقة حتى نهاية 2025 عائدًا تراكميًا بلغ 8.3% وفق مقياس سلة العملات، بما يعادل نحو 7 تريليونات كرونة في العائد المحاسبي خلال تلك الفترة، لكن الطريق لم يكن صاعدًا دائمًا؛ ففي 2022 سجل الصندوق عائدًا سلبيًا بلغ -1.637 تريليون كرونة، بينما عاد إلى تحقيق عوائد قوية في السنوات التالية، وتوضح هذه التقلبات أن «العيش من العوائد» لا يعني امتلاك آلة ربح مضمونة، وإنما يعني قبول تقلبات الأسواق مع الاحتفاظ بأفق زمني طويل.

أكبر صندوق ثروة في العالم يخسر 174 مليار دولار في النصف الأول

السر في حجم الصندوق أم في تكلفة إدارته؟

تحافظ النرويج كذلك على تكاليف إدارة منخفضة نسبيًا؛ فقد بلغت تكاليف الإدارة السنوية في المتوسط نحو 0.05% من الأصول المدارة خلال الفترة من 2013 إلى 2025، وبالنسبة لصندوق بهذا الحجم، فإن الفارق الصغير في تكلفة الإدارة يمكن أن يتحول إلى مليارات على المدى الطويل.

وتراقب الإدارة كذلك المخاطر بدقة؛ إذ تنص قواعد التفويض على ألا يتجاوز الانحراف المتوقع عن المؤشر المرجعي، أو ما يعرف بـTracking Error، 1.25 نقطة مئوية، وفي نهاية 2025 كان مستوى التقلب النسبي المتوقع 0.37 نقطة مئوية، مقابل 0.44 نقطة في نهاية 2024، بينما بلغ متوسط الانحراف المحقق منذ 1998 نحو 0.62 نقطة مئوية.

«الخزنة» معرضة للزلزال

يعرف الصندوق أن حجمه هو مصدر قوته ومصدر خطره في الوقت نفسه، فمع امتلاك نحو 70% من أصوله في الأسهم، يمكن لهبوط عالمي حاد أن يمحو تريليونات الكرونات من قيمته الدفترية خلال فترة قصيرة، ولهذا تنشر الإدارة سنويًا سيناريوهات ضغط افتراضية تختبر ما يمكن أن يحدث للصندوق إذا اجتمعت عوامل مثل ارتفاع تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، وزيادة مستويات الدين، وتصاعد التوترات الجيوسياسية.

وفي تقرير 2025، اختبرت الإدارة سيناريو يجمع بين تقييمات مرتفعة للشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وارتفاع مستويات الدين، وزيادة التوترات الجيوسياسية، إلى جانب سيناريو مناخي يدرس أثر الصدمات العالمية على إمدادات الغذاء والأسواق المالية.

وتدرك إدارة الصندوق أيضًا أن بعض الأصول لم تحقق ما كان مأمولًا منها؛ فالعقارات غير المدرجة كانت من أضعف مكونات المحفظة على المدى الطويل، ما دفع Norges Bank إلى تغيير استراتيجية الاستثمار العقاري خلال 2025، والتوجه إلى تنويع أكبر في القطاعات والجغرافيا وزيادة الاعتماد على المديرين الخارجيين والصناديق والهياكل الاستثمارية غير المباشرة.

صندوق الثروة النرويجي يحقق 84 مليار دولار في 3 أشهر
الأسهم النرويجية 

هل النرويج «مالك العالم»؟

تبدو العبارة جذابة، لكنها تحتاج إلى قدر من الدقة. فالنرويج لا تملك العالم، والصندوق لا يمتلك الشركات التي يستثمر فيها بالكامل، كما أن الدولة لا تستطيع ببساطة سحب قيمة الصندوق وإنفاقها كيفما تشاء.

لكن الأرقام تمنح العبارة سببًا لفهم قوتها الرمزية: أكثر من 7,200 شركة، ونحو 1.5% من أسهم الشركات المدرجة عالميًا في المتوسط، وآلاف السندات والاستثمارات العقارية والبنية التحتية، وامتداد عبر عشرات الدول والعملات.

وتكمن القوة الحقيقية في أن النرويج حولت أصلًا طبيعيًا محدود العمر إلى أصل مالي عالمي متجدد. البرميل الذي يُستخرج مرة واحدة يمكن أن يتحول إلى سهم يدر توزيعات، أو سند يحقق عائدًا، أو عقار يولد دخلًا، أو استثمار في شبكة كهرباء، ثم يعاد استثمار العائد مرة أخرى.

من «صندوق النفط» إلى «صندوق المستقبل»

تختصر قصة الصندوق النرويجي في النهاية فلسفة اقتصادية بسيطة لكنها صعبة التطبيق مفادها؛ لا تنفق الثروة لأنها موجودة، وإنما اسأل أولًا كيف يمكن أن تبقى، فعندما تغير اسم الصندوق في 2006 من «صندوق البترول الحكومي» إلى «صندوق التقاعد الحكومي العالمي»، لم تكن النرويج تغير لافتة على باب مؤسسة مالية فقط؛ كانت تعيد تعريف وظيفة المال في الوعي العام والسياسة الاقتصادية، النفط ليس راتبًا إضافيًا للدولة، وإنما ثروة يجب تحويلها إلى أصول تستطيع خدمة المجتمع بعد أن ينضب مصدرها الأصلي.

وتبقى المفارقة الأكثر إثارة في التجربة كلها أن الصندوق الذي ولد من النفط لا يريد أن ينتهي مع النفط، وأن الدولة التي بنت جزءًا من ثروتها على الوقود الأحفوري تحاول أن تجعل جزءًا من مستقبل ثروتها مرتبطًا بالطاقة المتجددة، وأن المستثمر الذي يبحث عن أعلى عائد يضع في الوقت نفسه قيودًا أخلاقية على الأماكن التي يمكن أن يضع فيها أموال مواطنيه.

اقرأ أيضًا: أموال روسيا "المسمومة" في البنوك المركزية.. كيف غيرت عقوبات موسكو فلسفة الاحتياطيات؟

Short Url

search