-
«التجلي الأعظم».. "الملاذ البارد" للسياحة العالمية بعد حرائق الغابات الأوروبية
-
بدء تطبيق أول زيادة سنوية بنسبة 15% بموجب قانون "الإيجار القديم" خلال أيام
-
مؤشر «شريعة» يقود انتعاش البورصة بصعود 2% ورأس المال يربح 74 مليار جنيه
-
أموال روسيا "المسمومة" في البنوك المركزية.. كيف غيرت عقوبات موسكو فلسفة الاحتياطيات؟
أموال روسيا "المسمومة" في البنوك المركزية.. كيف غيرت عقوبات موسكو فلسفة الاحتياطيات؟
الأحد، 16 أغسطس 2026 02:00 م
ذهب
مي المرسي
في صباح اليوم التالي لاندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لم تكن الأسواق تراقب فقط سعر الذهب أو حركة الدولار وعوائد السندات الأميركية؛ فقد وقع تحول أكثر تأثيرًا في النظام المالي العالمي، عندما اكتشفت البنوك المركزية أن الاحتياطي النقدي الذي يبدو آمنًا وسائلًا في الظروف الطبيعية، يمكن أن يتحول بفعل قرار سياسي إلى أصل مجمّد وغير قابل للاستخدام.
بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، قررت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وشركاؤهما تجميد جزء كبير من احتياطيات البنك المركزي الروسي الموجودة خارج البلاد، ويقدّر مجلس الاتحاد الأوروبي أن نحو 260 مليار يورو من أصول البنك المركزي الروسي جرى تجميدها في صورة أوراق مالية ونقد داخل ولايات قضائية تابعة للاتحاد الأوروبي ودول مجموعة السبع وأستراليا، مع وجود أكثر من ثلثي هذه الأصول داخل الاتحاد الأوروبي، وبحلول يوليو 2026، يشير الاتحاد الأوروبي إلى نحو 210 مليارات يورو من أصول البنك المركزي الروسي لا تزال مجمدة داخل دوله.
كانت تلك اللحظة كافية لإضافة سؤال جديد إلى معادلة إدارة الاحتياطيات العالمية، فلم يعد تقييم الأصل يعتمد فقط على قيمته وسيولته وعائده، وإنما أيضًا على سؤال أكثر حساسية، مفاده: هل تستطيع الدولة الوصول إليه عندما تحتاج إليه؟
ومن هنا اكتسب الذهب أهمية تتجاوز كونه أداة للتحوط أو مخزنًا للقيمة، فالذهب المادي لا يمثل التزامًا على حكومة أجنبية، ولا يعتمد في ملكيته على حساب مصرفي لدى طرف آخر، ويمكن الاحتفاظ به داخل حدود الدولة وإدراجه ضمن أصول الاحتياطي، بينما يظل قابلًا للتقييم والتداول عالميًا، وبذلك يقدم للبنوك المركزية نوعًا مختلفًا من الأمان؛ أصلًا ماليًا لا يعتمد بالدرجة نفسها على الولاية القضائية لدولة أخرى.
لكن هذه المعادلة لا تعني أن البنوك المركزية تتجه إلى التخلي عن الدولار، ولا أن نظام الاحتياطيات العالمي يستعد لانقلاب مفاجئ على العملة الأميركية، فالبيانات لا تزال تؤكد أن الدولار يحتفظ بموقعه المهيمن، إذ بلغت حصته من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية 56.77% في الربع الرابع من 2025، مقابل 56.93% في الربع السابق، وفق أحدث بيانات صندوق النقد الدولي.
التغير الحقيقي يحدث في مكان آخر البنوك المركزية تبدو أكثر استعدادًا لتنويع احتياطياتها، ليس فقط بحثًا عن عائد أفضل أو تحوطًا من التضخم، وإنما أيضًا لتقليل مخاطر التركّز في أصول يمكن أن تتأثر بالقرارات الجيوسياسية.وهكذا لم تعد قضية الاحتياطي العالمي مجرد سباق بين الدولار واليورو والذهب، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكبر: كيف تحتفظ الدولة بثروتها الخارجية، وفي الوقت نفسه تضمن قدرتها على استخدامها عندما تتحول السياسة الدولية إلى أزمة؟
وهنا تبدأ قصة صعود الذهب من جديد؛ ليس باعتباره بديلًا كاملًا للدولار، وإنما باعتباره أصلًا سياديًا في عالم أصبحت فيه قابلية الوصول إلى الاحتياطي جزءًا من تعريف الأمان المالي نفسه.
أكيد. هنا هحافظ على أسلوب القص الخبري نفسه: نبدأ بالرقم، نوسّع المعنى، ثم ننتقل للذهب، وبعدها صدمة روسيا، بحيث كل فقرة تدفع اللي بعدها من غير تكرار.
اقرأ أيضًــا: الصين والذهب.. كيف تسعى بكين لانتزاع عرش سوق الذهب من لندن ونيويورك؟
الدولار يتراجع.. لكن القصة ليست في الرقم وحده
تكشف أحدث بيانات صندوق النقد الدولي الخاصة بتكوين الاحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية «COFER» أن حصة الدولار الأميركي بلغت 57.13% من الاحتياطيات العالمية في الربع الأول من 2026، مقابل 56.42% في الربع الأخير من 2025، لتبقى العملة الأميركية في صدارة النظام النقدي العالمي بفارق واسع عن منافسيها.
لكن قراءة الرقم في سياقه الزمني تكشف تحولًا أكثر هدوءًا، ففي الربع الأول من 2025 بلغت حصة الدولار 57.74%، ما يعني أن العملة الأميركية لا تزال تمثل أكثر من نصف الاحتياطيات المعلنة عالميًا، لكنها تتحرك تدريجيًا بعيدًا عن مستويات الهيمنة التي اعتاد عليها النظام المالي الدولي لعقود.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة في قراءة البيانات مؤشر «COFER» يقيس الاحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية فقط، ولا يشمل الذهب النقدي، ولذلك فإن أي زيادة في حصة الذهب داخل محافظ البنوك المركزية لا تظهر بصورة مباشرة باعتبارها انخفاضًا في حصة الدولار داخل هذا المؤشر.
بمعنى آخر، قد لا تكون القصة أن البنوك المركزية تستبدل الدولار بالذهب بصورة مباشرة، بقدر ما أنها تعيد بناء مزيج الاحتياطيات بحيث لا تعتمد بالكامل على أصل واحد أو منظومة مالية واحدة، وهذا التحول يصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى ما يقوله مديرو الاحتياطيات أنفسهم.
اقرأ أيضــًا: إزالة الدولرة.. هل تفقد الولايات المتحدة الهيمنة المالية؟
الذهب.. من مخزن للقيمة إلى أداة للسيادة المالية
ولم يعد الذهب بالنسبة للبنوك المركزية أصل يلجأ إليه المستثمرون في أوقات الأزمات، أو وسيلة للتحوط من التضخم وتقلبات الأسواق، فمجلس الذهب العالمي يضع الذهب ضمن الأصول التي تجمع للبنوك المركزية بين الأمان والسيولة والعائد، وهي ثلاث وظائف أساسية في إدارة الاحتياطيات الرسمية.
وتكشف نتائج استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2026 عن تحول لافت في نظرة مسؤولي الاحتياطيات؛ إذ قال 89% من المشاركين إنهم يتوقعون زيادة حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا التالية، بينما توقع 45% زيادة حيازات مؤسساتهم نفسها، وهي أعلى نسبة يسجلها الاستطلاع، في حين رأى 83% أن الذهب سيشكل حصة أكبر من إجمالي الاحتياطيات خلال السنوات الخمس المقبلة.
هذه الأرقام تنقل القصة إلى مستوى مختلف. فالمسألة لم تعد مجرد ارتفاع في سعر الذهب أو بحث عن عائد أعلى، وإنما إعادة تعريف لوظيفة الذهب داخل الاحتياطي السيادي، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا أصبح هذا الأصل القديم أكثر جاذبية في نظام مالي شديد الحداثة؟
روسيا.. اللحظة التي تغير فيها تعريف «الاحتياطي الآمن»
الإجابة ترتبط، في جانب منها، بما حدث للاحتياطيات الروسية بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، قبل 2022، كان من الطبيعي أن تتعامل البنوك المركزية مع الأصول الأجنبية باعتبارها مكونات أساسية للاحتياطي، وتتمثل سندات حكومية، ودائع، وأدوات مالية مقومة بعملات رئيسية، لأنها تتمتع بدرجات مرتفعة من السيولة وقابلية التداول، لكن هذه الأصول تحمل في الوقت نفسه خاصية أخرى أقل وضوحًا في أوقات الاستقرار: وجودها خارج الحدود يعني خضوعها للأنظمة القانونية والمؤسسات المالية في الدول التي تستضيفها.
ومع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وشركاؤهما على روسيا عقب غزو أوكرانيا، تحولت هذه الخاصية من تفصيل قانوني إلى عامل استراتيجي. فقد حظر الاتحاد الأوروبي المعاملات المرتبطة بإدارة احتياطيات وأصول البنك المركزي الروسي، ما أدى إلى تجميد الأصول الموجودة لدى المؤسسات المالية الخاضعة لولايته.
وهنا تغير السؤال الذي تطرحه البنوك المركزية على احتياطياتها، إذ لم يعد السؤال فقط كم تبلغ قيمة الأصل؟ وكم يدر من عائد؟ بل أصبح أين يوجد الأصل؟ وتحت أي ولاية قانونية؟ ومن يملك القدرة على تعطيل الوصول إليه؟
من «ملكية الأصل» إلى «قابلية الوصول إليه»
تجربة روسيا كشفت نقطة شديدة الأهمية في بنية النظام المالي العالمي: امتلاك الأصل لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامه، فالدولة قد تمتلك قانونيًا سندات أو ودائع أو أصولًا مالية مقومة بعملة أجنبية، لكن إذا كانت هذه الأصول محفوظة لدى مؤسسات تقع تحت ولاية قضائية أجنبية، فإن استخدامها في لحظة الأزمة قد يصبح مرتبطًا بقرارات سياسية وقانونية تتجاوز إرادة البنك المركزي نفسه.
اقرأ أيضًا: البنوك المركزية تكثف مشترياتها من الذهب.. لماذا يتزايد الطلب على المعدن النفيس؟
وهنا تظهر إحدى نقاط قوة الذهب بالنسبة للبنوك المركزية، فالذهب المادي لا يمثل دينًا على حكومة أجنبية، ولا يحتاج في وجوده إلى طرف مقابل يظل ملتزمًا برد قيمته، كما يمكن للبنك المركزي الاحتفاظ به داخل خزائنه السيادية، بعيدًا عن البنية المصرفية الخارجية التي تعتمد عليها نسبة كبيرة من الأصول الاحتياطية التقليدية.
لكن هذه الميزة لا تعني أن الذهب محصّن بالكامل من المخاطر الجيوسياسية. فإذا كان الذهب مخزنًا خارج الدولة، فإنه يظل خاضعًا للولاية القانونية للدولة المضيفة، كما يمكن أن تواجه ملكيته أو نقله أو تداوله قيودًا قانونية في ظروف استثنائية، لذلك فإن القيمة الجيوسياسية الحقيقية للذهب تظهر بصورة أكبر عندما يكون مملوكًا رسميًا للبنك المركزي ومخزنًا داخل نطاق سيادي يمكن الوصول إليه مباشرة.
وهنا تتضح الصورة الأوسع؛ البنوك المركزية لا تبحث بالضرورة عن بديل كامل للدولار، وإنما عن طبقة أمان إضافية داخل الاحتياطي؛ أصل لا يعتمد في قيمته أو إمكانية الوصول إليه بالكامل على النظام المالي لدولة أخرى وبذلك يصبح صعود الذهب جزءًا من تحول أعمق في إدارة الاحتياطيات العالمية: من إدارة مخاطر السوق فقط، إلى إدارة مخاطر الجغرافيا السياسية أيضًا.
من شراء الذهب إلى «توطين» الاحتياطي
لهذا السبب تظهر ظاهرة أكثر إثارة من مجرد شراء الذهب في الأسواق العالمية: البنوك المركزية بدأت في عدد من الاقتصادات المنتجة للذهب بشراء جزء من الإنتاج المحلي مباشرة، الفكرة بسيطة في ظاهرها، فبدل أن تستخدم الدولة الدولار لشراء الذهب من السوق العالمية، يمكنها شراء الذهب المنتج داخل أراضيها بالعملة المحلية، ثم تنقيته واعتماده وإضافته إلى الاحتياطيات.
وبذلك تتحول أونصة الذهب من سلعة تصدّر إلى الخارج ثم تعود كأصل احتياطي، إلى أصل ينتقل مباشرة من المنجم إلى الميزانية السيادية، وهنا تتقاطع ثلاثة أهداف في وقت واحد:
أولًا: الاحتياطي؛ إذ تضيف الدولة أصلًا حقيقيًا إلى احتياطياتها دون الحاجة إلى إنفاق الدولار لشرائه من الخارج.
ثانيًا: العملة الأجنبية؛ فإذا كان الذهب الذي كان سيُصدّر يمكن شراؤه محليًا، فإن الدولة تحتفظ بالقيمة داخل الاقتصاد بدل خروجها في صورة خام أو معدن قابل للتصدير.
ثالثًا: الاقتصاد الرسمي؛ ويتمثل في شراء الذهب من المنتجين والمنقبين عبر قنوات رسمية يمكن أن يقلل مساحة السوق غير الرسمية والتهريب، ويجعل جزءًا من إنتاج التعدين يدخل الدورة المالية الرسمية.
الذهب المحلي.. من المنجم إلى خزينة البنك المركزي
رحلة الذهب المحلي إلى الاحتياطي ليست عملية شراء بسيطة، ففي البداية، يُجمع الذهب من شركات التعدين الكبرى أو من قطاع التعدين الحرفي والصغير، ثم يخضع لعمليات اختبار الوزن والنقاء.
الذهب الخام الخارج من المناجم لا يكون عادة ذهبًا نقيًا بنسبة 99.99%. وغالبًا ما يأتي في صورة Doré، وهي سبائك أولية تحتوي على الذهب إلى جانب الفضة ومعادن أخرى، قبل أن تمر بمرحلة التكرير، بعد ذلك يأتي الاختبار الفني أو Assay، الذي يحدد الوزن ودرجة النقاء، ثم التكرير إلى مستويات النقاء المطلوبة، وصولًا إلى السبائك التي تستوفي معايير الأسواق الدولية.
وبعد اعتماد الذهب، يمكن تسجيله ضمن الأصول الاحتياطية الرسمية وتقييمه وفق أسعار الذهب العالمية، هذه الحلقة مهمة؛ لأن تحويل الذهب من ثروة جيولوجية إلى أصل نقدي رسمي يحتاج إلى منظومة كاملة من التوثيق والتكرير والرقابة على المصدر وسلسلة التوريد.
البنوك المركزية لا تشتري الذهب بالوتيرة نفسها.. لكنها تشتريه بكثافة تاريخية
تكشف بيانات مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية اشترت صافي 863.3 طن من الذهب خلال 2025، مقابل 1,092.4 طن في 2024.
ورغم أن مشتريات 2025 كانت أقل من مستويات السنوات الثلاث السابقة التي تجاوزت فيها المشتريات حاجز ألف طن سنويًا، فإنها ظلت أعلى بكثير من متوسط الفترة 2010-2021 البالغ نحو 473 طنًا سنويًا، ثم استمر الاتجاه في بداية 2026؛ إذ بلغت مشتريات البنوك المركزية الصافية المقدرة خلال الربع الأول نحو 243.7 طن، بزيادة 17% على أساس فصلي.
وفي مايو وحده، أظهرت البيانات المعلنة زيادة صافية قدرها 41 طنًا في احتياطيات الذهب الرسمية، بقيادة بولندا والصين، وفق مجلس الذهب العالمي، إذن نحن لا نتحدث عن موجة شراء عابرة مرتبطة بارتفاع سعر الذهب فقط، بل عن تغير مستمر في سلوك إدارة الاحتياطيات.

الصين.. المثال الأوضح على بناء منظومة ذهب محلية
الصين تقدم واحدة من أهم الحالات التي تستحق الدراسة، ليس لأنها «تستبدل الدولار بالذهب» ببساطة، وإنما لأنها بنت على مدار عقود بنية تحتية كاملة لسوق الذهب، فإلى جانب كونها من أكبر منتجي ومستهلكي الذهب في العالم، أنشأت الصين بورصة شنغهاي للذهب في 2002، لتصبح مركزًا رئيسيًا لتداول الذهب المادي داخل البلاد.
وبحلول الربع الأول من 2026، بلغت احتياطيات الذهب المعلنة لدى بنك الشعب الصيني نحو 2,313 طنًا، تمثل قرابة 9% من إجمالي احتياطياته، بعد إضافة 7 أطنان خلال الربع الأول.
والأهم أن الصين لا تعتمد فقط على الاحتياطي الرسمي. فهي تمتلك سوقًا محلية ضخمة للذهب، وبنية للتداول والتكرير والتسليم، ما يجعل الذهب جزءًا من منظومة مالية محلية متكاملة، هذه البنية تعني أن الذهب في الحالة الصينية ليس مجرد «معدن محفوظ في خزينة»، بل جزء من بنية مالية وتجارية يمكن أن تعمل بعيدًا نسبيًا عن المراكز الغربية التقليدية.
روسيا.. عندما يتحول الذهب من احتياطي إلى أداة سيولة
روسيا تمثل الحالة الأكثر وضوحًا في العلاقة بين الذهب والجغرافيا السياسية، فالبنك المركزي الروسي كان من أكبر المشترين للذهب المحلي على مدار سنوات، قبل أن تبدأ الحرب والعقوبات في اختبار وظيفة هذا الاحتياطي.
وفي الربع الأول من 2026، أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أن روسيا باعت نحو 22 طنًا من الذهب، ضمن موجة من عمليات البيع الرسمية، بينما كانت تركيا من أكبر البائعين خلال الفترة نفسها.
وهنا تظهر وظيفة أخرى للذهب، فالاحتياطي ليس فقط شيئًا يُراكم، وإنما أصل يمكن استخدامه عندما تتغير ظروف السيولة، والبنك المركزي يستطيع بيع الذهب أو استخدامه في عمليات مبادلة للحصول على عملة أجنبية أو سيولة، وهو ما ظهر أيضًا في حالات أخرى مثل تركيا.
بمعنى آخر، الذهب يجمع بين خاصيتين متناقضتين ظاهريًا: يمكن الاحتفاظ به كأصل طويل الأجل، ويمكن تسييله عندما تشتد الحاجة.
غانا.. عندما يصبح الذهب جزءًا من سياسة النقد والطاقة
في غانا، أخذت الفكرة اتجاهًا أكثر مباشرة من خلال برامج شراء الذهب المحلي، الهدف لم يكن فقط زيادة احتياطي البنك المركزي، وإنما تحويل إنتاج الذهب المحلي إلى مصدر لتعزيز الاحتياطيات وتقليل الضغط على العملة الأجنبية، وهنا تتغير وظيفة الذهب فبدل أن يكون مجرد سلعة تصديرية، يصبح جزءًا من استراتيجية إدارة النقد الأجنبي.
وهذا النموذج مهم للدول المنتجة للذهب؛ لأن امتلاك مناجم كبيرة لا يعني تلقائيًا امتلاك احتياطيات ذهب رسمية كبيرة. الفارق تحدده السياسة التي تتبعها الدولة في شراء الإنتاج المحلي، وتكريره، والاحتفاظ به أو بيعه.
مفارقة كبرى.. الذهب يرتفع بينما الدولار لا يزال في الصدارة
من السهل الوقوع في استنتاج مبسط يقول إن صعود الذهب يعني انهيار الدولار، والواقع أن البيانات لا تدعم هذه الصيغة، فالدولار لا يزال يمثل 57.13% من الاحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية وفق أحدث بيانات COFER المتاحة للربع الأول من 2026. ولا توجد عملة أخرى تقترب من هذه الحصة.
لكن ما يتغير هو شيء أكثر هدوءًا ، وهي إدارة المخاطر داخل الاحتياطي، فالدولة التي كانت تعتمد على الدولار والسندات الحكومية الأجنبية بدرجة كبيرة بدأت تضيف الذهب، واليوان، وعملات أخرى، وربما أصولًا بديلة، ليس بالضرورة لأنها تتوقع انهيار الدولار، وإنما لأنها تريد تقليل تعرضها لخطر واحد، وهذا هو الفارق بين إزالة الدولرة بمعناها السياسي الكامل، وبين تنويع الاحتياطيات بمعناه المالي.

الذهب لا يحل محل الدولار
الدولار يمتلك مزايا لا يستطيع الذهب أن يحل محلها بسهولة، سوق مالية أميركية ضخمة، سوق سندات عميقة، سيولة هائلة، شبكة مدفوعات عالمية، واستخدام واسع في التجارة والتمويل، ولهذا فإن التحول الجاري لا يبدو كعملية «استبدال» مباشر.
الأقرب إلى الواقع هو أن البنوك المركزية تحاول بناء محفظة احتياطيات أكثر مقاومة للصدمات الجيوسياسية، وفي هذه المحفظة، يؤدي الدولار وظيفة السيولة والتسوية والتمويل، بينما يؤدي الذهب وظيفة أخرى: الأصل الذي لا يمثل التزامًا على دولة أخرى، وهنا تكمن قيمة الذهب في عالم تتزايد فيه العقوبات المالية.
لماذا تشتري البنوك المركزية الذهب رغم ارتفاع سعره؟
السؤال الأكثر إثارة ربما ليس لماذا تشتري البنوك المركزية الذهب، بل لماذا تستمر في شرائه حتى عندما يصبح غاليًا؟، في 2025، وصل الطلب العالمي على الذهب إلى مستوى قياسي تجاوز 5,000 طن، بينما بلغت مشتريات البنوك المركزية 863 طنًا، وسجل الذهب 53 قمة سعرية تاريخية خلال العام، وفق مجلس الذهب العالمي، ومع ذلك، ظلت شهية البنوك المركزية قائمة.
السبب أن قرار البنك المركزي لا يشبه قرار المستثمر الفردي، إذ أن المستثمر يبحث غالبًا عن السعر والعائد، أما البنك المركزي فيسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث لهذا الأصل إذا تغير النظام السياسي أو فرضت العقوبات أو انهارت الثقة في طرف مالي؟، وبالتالي قد يكون الذهب مرتفع السعر، لكنه يظل بالنسبة لبعض مديري الاحتياطيات وسيلة لتقليل مخاطر أخرى يرونها أكثر خطورة.
من «أصل مالي» إلى «أصل سيادي»
هذه هي النقطة التي تربط كل أجزاء القصة؛ الذهب الذي يدخل خزينة البنك المركزي مباشرة من منجم محلي ليس مجرد سلعة، لكنه يتحول إلى أصل سيادي.
الدولة تنتج الذهب، وتشتريه بعملتها المحلية، وتكرره، وتوثقه، وتخزنه، ثم تسجله ضمن احتياطياتها، بهذه الطريقة، تختصر جزءًا من السلسلة التي تجعل الدولة تعتمد على الأسواق الخارجية للحصول على أصول الاحتياطي، ومن هنا يمكن قراءة انتشار برامج شراء الذهب المحلي في عدد من الدول المنتجة باعتباره جزءًا من اتجاه أكبر: إعادة توطين جزء من الثروة الاحتياطية داخل الحدود الوطنية.
لكن هل الذهب «محصّن» من الجغرافيا السياسية؟
ليس بالكامل؛ فالذهب المخزن في خزائن أجنبية يخضع بدوره لاعتبارات قانونية وسياسية، كما أن نقله وتداوله يحتاج إلى بنية مالية دولية، كما أن الذهب لا يدر فائدة دورية مثل السندات، وتكاليف تخزينه وتأمينه ونقله وتكريره حقيقية، والأهم أن ارتفاع سعره يمكن أن يضخم قيمته داخل الاحتياطيات دون أن يعني بالضرورة أن الدولة اشترت كميات أكبر، ولهذا يفرّق مجلس الذهب العالمي بين ارتفاع قيمة الاحتياطيات بسبب السعر وبين المشتريات الفعلية بالأطنان.

لا تشير تحركات الاحتياطيات العالمية إلى نهاية عصر الدولار، بقدر ما تكشف عن إعادة توزيع تدريجية لمصادر الأمان المالي، فالدولار لا يزال يستحوذ على 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي المعلنة عالميًا في الربع الأول من 2026، فيما تؤكد بيانات صندوق النقد أن التغير في حصته لا يزال محدودًا، وأن العملة الأميركية تحتفظ بموقعها كأهم أصل نقدي احتياطي عالمي.
في المقابل، تتسع مساحة الذهب داخل حسابات البنوك المركزية. ويظهر استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2026 أن 89% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع زيادة الاحتياطيات العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما تتوقع 45% من المؤسسات زيادة حيازاتها هي نفسها، وهي أعلى نسبة يسجلها الاستطلاع. كما يرى 84% من المشاركين أن الذهب سيشكل حصة أكبر من إجمالي الاحتياطيات خلال السنوات الخمس المقبلة.
وهكذا، لا يبدو المشهد انتقالًا مباشرًا من الدولار إلى الذهب، وإنما تحولًا في طريقة بناء الاحتياطي نفسه؛ فالدولار يوفر السيولة وعمق الأسواق، بينما يضيف الذهب تنويعًا وتحوطًا من المخاطر الجيوسياسية، وتمنح العملات الأخرى مساحة إضافية لتقليل التركّز في أصل واحد.
لقد أظهرت تجربة تجميد الأصول الروسية أن قيمة الاحتياطي لا تتحدد فقط بحجمه أو بعائده، وإنما أيضًا بمكان وجوده وإمكانية الوصول إليه في أوقات الأزمات. وفي الوقت نفسه، تؤكد أحدث تحليلات صندوق النقد أن الذهب ليس أصلًا خاليًا من المخاطر، وأن ارتفاع قيمته داخل الاحتياطيات تأثر بدرجة كبيرة بصعود أسعاره، وليس فقط بتراكم كميات مادية جديدة، وبذلك، لا ينسحب الدولار من النظام المالي العالمي، ولا يحل الذهب محله؛ لكن عصر الاحتياطي أحادي المركز يتجه تدريجيًا نحو نموذج أكثر تنوعًا، تصبح فيه السيولة والمرونة والسيادة المالية والجغرافيا السياسية عناصر متساوية الأهمية في تحديد شكل الثروة التي تحتفظ بها الدول لمواجهة أزماتها المقبلة.
اقرأ أيضًا: 3 قوى رئيسية تحكم حركة الذهب في مصر.. وحالة حذر تسيطر على الأسواق
Short Url
«أنثروبيك» تكشف سر العلامات المائية في «كلود» وكيف يمكن إزالة أثر الذكاء الاصطناعي
16 أغسطس 2026 01:00 م
160 ألف طن صادرات غذائية والدول العربية على رأس الدول المستقبلة
16 أغسطس 2026 12:34 م
«أنثروبيك» تكشف سر العلامات المائية في «كلود» وكيف يمكن إزالة أثر الذكاء الاصطناعي
16 أغسطس 2026 01:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً