البنوك المركزية تكثف مشترياتها من الذهب.. لماذا يتزايد الطلب على المعدن النفيس؟
الخميس، 13 أغسطس 2026 07:50 ص
البنوك المركزية تشتري الذهب
مي المرسي
لم يعد شراء البنوك المركزية للذهب مجرد تحرك تكتيكي للاستفادة من ارتفاع الأسعار، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من استراتيجية أوسع لإدارة الاحتياطيات والتحوط من المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية. فالمعدن النفيس أصبح يحتل موقعًا أكثر أهمية داخل المحافظ السيادية، بالتزامن مع تزايد القلق بشأن التضخم وأسعار الفائدة ومستقبل النظام النقدي العالمي.
وتكشف أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية أضافت نحو 863.3 طن من الذهب إلى احتياطياتها خلال 2025، بعد مشتريات بلغت أكثر من ألف طن سنويًا في كل من السنوات الثلاث السابقة. وعلى الرغم من أن مشتريات 2025 كانت أقل من حاجز الألف طن، فإنها ظلت أعلى بكثير من متوسط الفترة 2010-2021 البالغ نحو 473 طنًا سنويًا.
1000 طن.. كيف تحول شراء الذهب إلى اتجاه استراتيجي؟
تكشف بيانات مجلس الذهب العالمي عن تحول واضح في سلوك البنوك المركزية. فقد بلغ متوسط مشتريات الذهب الرسمية نحو 1000 طن سنويًا خلال السنوات الأربع الأخيرة، مقابل متوسط يقارب 500 طن خلال العقد السابق، وهو ما يعني أن وتيرة تراكم الذهب تضاعفت تقريبًا مقارنة بالاتجاه التاريخي السابق.
وفي الربع الأول من 2026 وحده، بلغت مشتريات البنوك المركزية الصافية نحو 244 طنًا، بزيادة 3% على أساس سنوي، لتتجاوز متوسط الربع السنوي لخمس سنوات. وفي مايو، ارتفعت الاحتياطيات الرسمية عالميًا بنحو 41 طنًا صافيًا، ما يؤكد استمرار النشاط رغم ارتفاع أسعار الذهب.
واللافت أن شراء الذهب لم يتوقف حتى مع وصول المعدن إلى مستويات سعرية قياسية، وهو ما يشير إلى أن القرار لم يعد مرتبطًا فقط بمحاولة توقيت السوق، وإنما باعتبارات استراتيجية طويلة الأجل.
لماذا تشتري البنوك المركزية الذهب؟
الذهب كأداة لتنويع الاحتياطيات
أحد أهم دوافع الشراء هو تنويع الاحتياطيات الدولية، فالبنك المركزي لا يريد أن تكون محفظته شديدة الاعتماد على أصل واحد أو عملة واحدة، خصوصًا في ظل التغيرات الكبيرة التي شهدها النظام المالي العالمي خلال السنوات الأخيرة.
ويتميز الذهب بأنه أصل لا يمثل التزامًا ماليًا على حكومة أو بنك تجاري آخر، وبالتالي فهو لا يحمل مخاطر ائتمانية بالطريقة نفسها التي تحملها السندات أو الودائع الأجنبية.
كما يرى مجلس الذهب العالمي أن أبرز دوافع الاحتفاظ بالمعدن تشمل الأمان والسيولة والعائد، وهي ثلاثة أهداف رئيسية لإدارة احتياطيات البنوك المركزية.
الذهب والتحوط من العقوبات والمخاطر الجيوسياسية
أصبحت الجغرافيا السياسية عاملًا أكثر أهمية في قرارات الاحتياطيات. وتجمد الأصول الروسية في الخارج بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا كان أحد الأحداث التي دفعت العديد من صانعي الاحتياطيات إلى إعادة تقييم مخاطر الأصول الأجنبية.
لكن من المهم هنا التمييز بين الحقيقة والتحليل: الذهب المخزن محليًا يختلف عن الأصول المالية الموجودة خارج الحدود من حيث قابلية تعرضها لإجراءات مالية أو عقوبات خارجية، لكنه ليس أصلًا "محصنًا" مطلقًا من المخاطر.
ومع تصاعد النزاعات التجارية والعسكرية، ترى البنوك المركزية في الذهب وسيلة لتقليل اعتمادها على الأصول المرتبطة مباشرة بالنظام المالي لدولة أخرى.

هل البنوك المركزية تتجه إلى التخلص من الدولار؟
البيانات لا تعني أن البنوك المركزية تتخلى عن الدولار، لكنه يظهر بوضوح وجود نزعة لتنويع الاحتياطيات بعيدًا عن التركيز المفرط على العملة الأمريكية.
وأظهر استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2026 أن 74% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما ترى 84% أن حصة الذهب في الاحتياطيات سترتفع خلال الفترة نفسها.
وفي إصدار المجلس لنتائج الاستطلاع، بلغت نسبة مديري الاحتياطيات الذين يتوقعون ارتفاع حيازاتهم الشخصية من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا التالية 45%، وهي نسبة قياسية في تاريخ الاستطلاع. كما توقع 89% استمرار ارتفاع احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.
وهذه الأرقام أقوى من النسب الواردة في بعض التقديرات المتداولة؛ فالأرقام الرسمية الأحدث لعام 2026 هي 45% لخطط زيادة الحيازة و89% لتوقع ارتفاع الاحتياطيات العالمية، وليس 29% و81%.
التضخم.. لماذا يظل الذهب جذابًا؟
السبب الآخر هو التحوط من التضخم وفقدان القوة الشرائية، فعندما ترتفع الأسعار بصورة مستمرة وتتراجع القوة الشرائية للعملات، يصبح الذهب بالنسبة إلى بعض البنوك المركزية أصلًا استراتيجيًا يمكن أن يساعد على الحفاظ على قيمة جزء من الاحتياطيات على المدى الطويل.
وهنا تختلف طبيعة الذهب عن السندات: الذهب لا يدفع فائدة دورية، لكنه لا يحمل أيضًا مخاطر ائتمانية مباشرة على جهة مصدرة. ولذلك تتم المقارنة بينه وبين الأصول المدرة للعائد على أساس مختلف تمامًا.
وماذا عن الديون السيادية؟
ارتفاع الديون السيادية العالمية لا يعني تلقائيًا أن البنوك المركزية تستبدل السندات بالذهب، لكن زيادة المخاطر المالية والضغوط على المالية العامة تجعل تنويع الاحتياطيات أكثر أهمية، فالاحتياطيات لا تُدار بهدف تحقيق أعلى عائد فقط، وإنما لتحقيق مجموعة من الأهداف تشمل السيولة والأمان وإدارة المخاطر، ولذلك أصبح الذهب جزءًا أكثر حضورًا في النقاش حول هيكل الاحتياطيات.
من أكبر مشتري الذهب عالميًا؟
تتصدر بولندا قائمة المشترين في السنوات الأخيرة. فقد أضاف البنك الوطني البولندي 102 طنًا خلال 2025، لترتفع حيازته إلى نحو 550 طنًا، بما يعادل 28% من إجمالي احتياطاته، مع هدف معلن للوصول إلى 30%، بينما أشار محافظ البنك إلى إمكانية رفع الحيازة إلى 700 طن.
وفي الربع الأول من 2026، واصلت بولندا تصدر المشترين بإضافة 31 طنًا، لترتفع حيازتها إلى 582 طنًا، أما الصين، فرفع بنك الشعب الصيني حيازاته خلال الربع الأول من 2026 بنحو 7 أطنان، لتصل الاحتياطيات إلى 2313 طنًا، بما يعادل نحو 9% من إجمالي الاحتياطيات. وفي مايو وحده أضاف البنك نحو 10 أطنان.
وفي 2025، أضاف البنك المركزي الصيني 27 طنًا إلى احتياطاته وفق البيانات المعلنة، بينما بلغ إجمالي احتياطيات الذهب لديه نحو 2306 أطنان في نهاية العام.
أما الهند، فكانت مشترياتها أكثر هدوءً؛ إذ أضاف بنك الاحتياطي الهندي 3 أطنان في الربع الأول من 2025، لتصل حيازته إلى 880 طنًا، بما يعادل 12% من إجمالي الاحتياطيات آنذاك.
وبالنسبة إلى تركيا، أظهرت بيانات 2025 مشتريات رسمية بلغت نحو 27 طنًا حتى نهاية أكتوبر، بينما شهد الربع الأول من 2026 تحولًا مؤقتًا إلى البيع، مع انخفاض حيازات القطاع الرسمي التركي بنحو 70 طنًا وفق البيانات المتاحة وقت نشر التقرير، وهو ما يؤكد أن تركيا ليست مشتريًا ثابتًا في كل فترة رغم توجهها طويل الأجل نحو الذهب.
نسبة الذهب داخل الاحتياطيات ليست واحدة بين الدول
وهنا توجد نقطة مهمة، لا توجد نسبة عالمية واحدة يمكن تعميمها على كل البنوك المركزية، وفق تحليل مجلس الذهب العالمي، كانت البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة تحتفظ في المتوسط بنحو 30% من إجمالي احتياطياتها في الذهب خلال 2025، مقابل نحو 15% لدى نظيراتها في الأسواق الناشئة. وهذه النسب تختلف بصورة كبيرة من دولة إلى أخرى، ولذلك فإن القول إن الذهب يمثل 65%-75% من احتياطيات الدول المتقدمة أو 5%-12% من احتياطيات الاقتصادات الناشئة باعتبارها متوسطات عامة ليس دقيقًا وفق أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي؛ هذه النسب قد تنطبق على دول محددة، لكنها لا تصلح كتوصيف عام لكل مجموعة.

هل البنوك المركزية تشتري ربع الذهب العالمي؟
الرقم المتداول بأن البنوك المركزية تستحوذ على 23%-25% من إجمالي الطلب العالمي على الذهب يحتاج أيضًا إلى تدقيق، ففي 2025 بلغ إجمالي الطلب العالمي على الذهب نحو 5002 طن، بينما بلغ طلب البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية نحو 863 طنًا؛ أي ما يعادل حسابيًا نحو 17% من إجمالي الطلب العالمي، وفي الربع الأول من 2026 بلغ إجمالي الطلب على الذهب، شاملًا OTC، نحو 1231 طنًا، بينما بلغت مشتريات البنوك المركزية 244 طنًا، أي ما يقارب 20% من الطلب الفصلي، لذلك، فإن حصة البنوك المركزية كبيرة ومؤثرة، لكنها ليست ثابتة عند 25% سنويًا.
ماذا يقول استطلاع 2026 عن المستقبل؟
الاستطلاع الأحدث لمجلس الذهب العالمي يعطي إشارة قوية إلى استمرار الاتجاه. فقد شمل 73 بنكًا مركزيًا، بينها 17 من الاقتصادات المتقدمة و56 من الأسواق الناشئة والنامية.
وقال 89% من المشاركين إنهم يتوقعون ارتفاع احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا خلال الاثني عشر شهرًا التالية، بينما قال 45% إنهم يعتزمون زيادة حيازات بنوكهم أنفسهم. كذلك توقع 84% ارتفاع نسبة الذهب في الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وهنا تكمن أهمية الأرقام: الاتجاه لا يعتمد فقط على عدد الدول التي تشتري الذهب، وإنما على ارتفاع الثقة في الذهب باعتباره أصلًا استراتيجيًا.
هل يمكن أن يدفع شراء البنوك المركزية الذهب إلى مستويات أعلى؟
نعم، لكنه ليس العامل الوحيد، فمجلس الذهب العالمي يرى أن 20 إلى 30 طنًا إضافية من مشتريات البنوك المركزية فوق متوسط طويل الأجل يقارب 600 طن سنويًا قد ترتبط، مع ثبات العوامل الأخرى، بزيادة تقارب 1% في سعر الذهب، ليس فقط بسبب الشراء المباشر، وإنما بسبب الإشارة التي يرسلها ذلك إلى المستثمرين.
وفي 2026، يتوقع المجلس استمرار الطلب الرسمي القوي، مع تقدير أولي لنطاق سنوي يتراوح بين 700 و900 طن، لكن المسار النهائي سيتوقف على التطورات الاقتصادية والسياسية والسيولة وإدارة الاحتياطيات.
الذهب مقابل الدولار.. المعركة الحقيقية في الاحتياطيات
القصة في جوهرها ليست ببساطة «الذهب ضد الدولار»، بل إعادة صياغة محفظة الاحتياطيات، الدولار يظل العملة الاحتياطية المهيمنة ويوفر سيولة وعائدًا من خلال الأصول الحكومية، بينما يوفر الذهب التنويع والسيولة في أوقات الأزمات وغياب مخاطر الطرف المقابل.
ولهذا فإن الاتجاه الذي تكشفه البيانات ليس اختفاء الدولار، بل زيادة وزن الذهب داخل محافظ الاحتياطيات وتوزيع المخاطر على عدد أكبر من الأصول والعملات. واستطلاع 2026 يؤكد هذه النقطة بوضوح، إذ يتوقع 74% من المشاركين انخفاض حصة الدولار خلال خمس سنوات مقابل ارتفاع مكانة الذهب.
لماذا قد يستمر رهان البنوك المركزية على الذهب؟
تحول الذهب من أصل احتياطي تقليدي إلى أداة لإدارة المخاطر الجيوسياسية والنقدية والمالية. ومهما ارتفع سعر المعدن، فإن سلوك البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة يشير إلى أن قرار الشراء يُتخذ غالبًا بمنظور استراتيجي يمتد لسنوات، وليس على أساس حركة السعر اليومية.
والأرقام الأحدث ترسم صورة واضحة: 863 طنًا من صافي مشتريات البنوك المركزية في 2025، و244 طنًا في الربع الأول من 2026، ومتوسط شراء يقارب 1000 طن سنويًا خلال السنوات الأربع الأخيرة، و45% من البنوك المشاركة في استطلاع 2026 تخطط لزيادة حيازاتها، بينما يتوقع 89% استمرار ارتفاع الاحتياطيات الرسمية عالميًا.
وهذا يعني أن أحد أهم محركات سوق الذهب لم يعد فقط المستثمر الفرد أو صناديق الـETF، بل صانع السياسة النقدية نفسه؛ وكلما زادت المخاطر الجيوسياسية أو عدم اليقين بشأن التضخم والدولار وأسعار الفائدة، زادت أهمية الذهب كأداة لتنويع الاحتياطيات وحماية جزء من الثروة السيادية.
اقــرأ أيــضًا:
كيفية تأمين المعاملات البنكية الرقمية ضد الاحتيال؟.. تقنيات جديدة لحماية أموال العملاء
من المصنع إلى التضخم.. كيف تعيد آسيا تسعير الاقتصاد العالمي؟
جفاف الراين والدانوب يضرب الصناعة الأوروبية.. كيف يضاعف جفاف أوروبا تكلفة النقل؟
القراصنة يرفعون مستوى الخطر.. الـAi يشعل موجة اختراقات جديدة في الشركات الأمريكية
Short Url
ارتفاع استهلاك الصين من الذهب 1.23% خلال النصف الأول من 2026
13 أغسطس 2026 04:40 ص
وزير الخارجية التركي يزور مصر اليوم ويلتقي الرئيس السيسي
13 أغسطس 2026 12:07 ص
432 مليار دولار في يوليو.. عجز الموازنة الأمريكية يسجل مستوى قياسيًا
12 أغسطس 2026 11:08 م
أكثر الكلمات انتشاراً