-
خبير سلامة غذاء: مدة صلاحية المنتجات الجديدة لا تُحدد من المواصفة.. وهذه الطريقة العلمية لإثباتها
-
المركزي الأوروبي أمام صدمة الطاقة.. هل يرفع الفائدة في سبتمبر؟
-
طرق الاستفادة الاستثمارية والتجارية من طفرة صادرات الكيماويات والأسمدة
-
بديل الكاش في 2026.. خطة عملية لشراء شقة بالتقسيط وتجنب مخاطر العقود
إزالة الدولرة.. هل تفقد الولايات المتحدة الهيمنة المالية؟
الجمعة، 14 أغسطس 2026 02:36 ص
إزالة الدولرة
مي المرسي
لم تعد إزالة الدولرة De-Dollarization، مجرد مصطلح يتردد في تقارير الاقتصاد السياسي، بل أصبحت واحدة من أبرز التحولات التي تعيد تشكيل خريطة النظام المالي العالمي.
بدأ الدولار الأمريكي، الذي ظل لعقود العملة الرئيسية للاحتياطيات والتجارة والتمويل الدولي، يفقد جزءًا من وزنه النسبي، في الوقت الذي تصعد فيه حيازات البنوك المركزية من الذهب بصورة غير مسبوقة.
ولا يعد السؤال الأهم هل يتراجع الدولار، وإنما هل يستطيع الذهب أن يحل محل الدولار؟، وتبدو الإجابة حتى الآن أكثر تعقيدًا، فالذهب يكتسب دورًا متزايدًا كأصل احتياطي ووسيلة للتحوط وتنويع المخاطر، لكن الدولار لا يزال يتمتع بشبكة مالية وتجارية هائلة يصعب على الذهب أن يحل محلها في الأجل القريب.
ولا يتمثل السيناريو الأكثر ترجيحًا في عالم ما بعد الدولار بالكامل، وإنما في نظام مالي أكثر تنوعًا، يحتفظ فيه الدولار بمكانته إلى جانب الذهب والعملات الأخرى.
إزالة الدولرة.. هل بدأ الدولار يفقد هيمنته؟
تكشف بيانات صندوق النقد الدولي الخاصة بتركيب احتياطيات النقد الأجنبي، أن حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية، تراجعت بصورة واضحة مقارنة بمستوياتها في بداية الألفية.
فقد كانت حصة العملة الأمريكية تدور حول 71% من الاحتياطيات المحددة بالعملات في عام 2000، بينما تراجعت في السنوات الأخيرة إلى مستويات تقترب من 57%.
ولا يعني هذا التراجع، أن الدول بدأت تتخلى عن الدولار بصورة جماعية، وإنما يعكس اتجاهًا أكبر نحو تنويع الاحتياطيات وعدم الاعتماد على عملة واحدة بنفس الدرجة التي كانت سائدة سابقًا، وتظهر هذه العملية في زيادة استخدام العملات المحلية في بعض المبادلات التجارية، وارتفاع الاهتمام باليوان الصيني، واللجوء بصورة أكبر إلى الذهب كأصل احتياطي.
الدين الأمريكي يعيد حسابات البنوك المركزية
تأتي هذه التحولات في وقت تقترب فيه مستويات الدين العام الأمريكي من أرقام قياسية، وهو ما يفرض بدوره أسئلة حول استدامة المالية العامة الأمريكية على المدى الطويل.
ولا يعني ارتفاع الدين العام، أن الدولار فقد الثقة به أو أن النظام المالي الأمريكي يقترب من الانهيار، لكن ارتفاع الدين والعجز يضيفان عاملًا جديدًا إلى حسابات البنوك المركزية التي تبحث عن طرق لتوزيع المخاطر داخل احتياطياتها، وهنا يبرز الذهب كأصل مختلف؛ فهو لا يمثل التزامًا على الحكومة الأمريكية أو أي حكومة أخرى، ولا يحتاج إلى جهة إصدار تضمن قيمته.
تجميد الأصول الروسية.. نقطة تحول في التفكير المالي
كان تجميد نحو 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، أحد أبرز الأحداث التي أعادت طرح قضية مخاطر الاحتياطيات المقومة بالعملات الأجنبية.
لم تعد المسألة بالنسبة إلى العديد من الدول تتعلق فقط بالعائد والسيولة، وإنما أصبحت أيضًا مرتبطة بسؤال آخر: هل يمكن الوصول إلى الاحتياطيات واستخدامها في أوقات الأزمات مهما تغيرت الظروف السياسية؟ ومن هنا أصبح الذهب أكثر جاذبية للبنوك المركزية، باعتباره أصلًا ماديًا لا يرتبط بصورة مباشرة بطرف مقابل، أو بقرار جهة إصدار أجنبية.
البنوك المركزية تقود موجة شراء الذهب
شهدت مشتريات البنوك المركزية من الذهب، تحولًا تاريخيًا خلال السنوات الأخيرة، فقد تجاوزت المشتريات الرسمية حاجز 1,000 طن سنويًا في عدة سنوات متتالية، بينما ظلت المشتريات خلال 2024 و2025، عند مستويات مرتفعة مقارنة بالمتوسطات التاريخية.
وبلغت مشتريات البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية في عام 2025 نحو 863 طنًا، بينما استمر الاتجاه القوي في 2026، مع تسجيل نحو 244 طنًا من المشتريات في الربع الأول، المهم هنا ليس الرقم فقط، وإنما استمرار الشراء، رغم ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات تاريخية، وهو ما يشير إلى أن البنوك المركزية، تنظر إلى الذهب باعتباره أداة استراتيجية لإدارة المخاطر، وليس مجرد صفقة مرتبطة بسعر السوق.
لماذا تشتري البنوك المركزية الذهب؟
وتقف عدة أسباب وراء هذا الاتجاه؛ أولها تنويع الاحتياطيات؛ فالبنك المركزي لا يريد أن تكون ثروته السيادية مرتبطة بالكامل بالدولار أو بأي أصل واحد، وثانيها التحوط من المخاطر الجيوسياسية، خصوصًا في ظل العقوبات وتجميد الأصول.
ويتضمن ثالثها الحماية من التضخم، وتراجع القوة الشرائية للعملات، إذ ينظر إلى الذهب تاريخيًا باعتباره مخزنًا للقيمة على المدى الطويل، أما السبب الرابع فيتعلق بالثقة؛ فالذهب لا يحمل مخاطر ائتمانية مثل السندات، لأن امتلاك السبيكة لا يعني امتلاك مطالبة مالية على جهة أخرى.
استطلاع البنوك المركزية يكشف مستقبل الذهب
وتكشف نتائج استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2026 عن قوة هذا الاتجاه، فقد توقع 89% من المشاركين استمرار ارتفاع احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا خلال الاثني عشر شهرًا التالية، بينما قال 45% إنهم يتوقعون زيادة حيازات مؤسساتهم من الذهب، وهي أعلى نسبة في تاريخ الاستطلاع.
كما توقع 84% من المشاركين، ارتفاع حصة الذهب داخل الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة، وهذا يعني أن الذهب لا يتحرك فقط بفعل مشتريات فعلية، وإنما تدعمه أيضًا توقعات صانعي الاحتياطيات أنفسهم.
الذهب يملك ميزة لا يوفرها الدولار
لا يقارن البنك المركزي بين أصلين يؤديان الوظيفة نفسها حينما يقارن بين الذهب والدولار، فالدولار هو عملة ووسيلة دفع ووسيلة تسوية وأداة تمويل، أما الذهب فهو أصل احتياطي، لكن للذهب ميزة شديدة الأهمية، وهي غياب مخاطر الطرف المقابل.
ولا توجد جهة مدينة لحامل الذهب، ولا حكومة تصدر وعدًا بسداد قيمة السبيكة، ولهذا يصبح الذهب أكثر جاذبية في الأوقات التي ترتفع فيها المخاطر السياسية أو المالية أو النقدية.
لكن الذهب لا يستطيع أن يحل محل الدولار بسهولة
تظهر هنا حدود فكرة الذهب كبديل للدولار، فالدولار يملك شبكة عالمية ضخمة من المصارف والأسواق والتمويل والتجارة والعقود والمقاصة، وهي شبكة لا يمكن بناؤها حول الذهب بين يوم وليلة.
وبلغ متوسط التداول اليومي بحسب بنك التسويات الدولية، في سوق الصرف الأجنبي العالمي 7.5 تريليون دولار، وكان الدولار موجودًا على أحد جانبي نحو 88% من جميع معاملات الصرف، وهذه الأرقام وحدها توضح حجم الفارق بين الذهب والدولار من حيث السيولة والاستخدام اليومي.
سوق الذهب يتطور.. لكنه لا يزال أصغر بكثير من سوق العملات
لا يمكن وصف الذهب بأنه أصل ضعيف السيولة، حيث بلغ متوسط التداول اليومي العالمي للذهب في 2025 نحو 361 مليار دولار، وفق تقديرات مجلس الذهب العالمي، وارتفع المتوسط إلى نحو 488 مليارًا يوميًا خلال النصف الأول من 2026.
وتظل هذه أرقام ضخمة، لكنها لا تزال بعيدة عن حجم التداول اليومي في سوق الصرف الأجنبي، وبالتالي يستطيع الذهب أن ينافس كأصلٍ مالي عالمي، لكنه لا يستطيع حتى الآن، أن يؤدي جميع الوظائف التي يؤديها الدولار.
الذهب يواجه مشكلة المعروض
تجدر الإشارة إلى أن هناك فارقًا هيكليًا آخرَ، فالذهب مورد مادي محدود، وإنتاج المناجم لا يمكن زيادته بسرعة مع ارتفاع الطلب، وبلغ إنتاج المناجم العالمي نحو 3,672 طنًا في 2025، وفي المقابل، الاقتصاد العالمي يتحرك من خلال عشرات التريليونات من الدولارات من التجارة والاستثمار والتمويل.
وستواجه العودة الكاملة إلى نظام يعتمد على الذهب كوسيلة نقدية رئيسية، مشكلة أساسية تتعلق بمرونة السيولة، لكن ذلك لا يعني أن الذهب غير قادر على التوسع ماليًا؛ إذ توجد كميات ضخمة من الذهب المستخرج بالفعل، ويمكن إعادة تداولها واستخدامها، كضمانٍ أو كأصلٍ مالي.
التجارة العالمية تحتاج إلى سيولة أكبر من أن يوفرها الذهب وحده
تجاوزت قيمة التجارة العالمية في السلع والخدمات 35 تريليون دولار خلال 2025، وتحتاج هذه التجارة إلى شبكة ضخمة من الائتمان والتمويل والمدفوعات الدولية، وهي شبكة مبنية بصورة كبيرة حول الدولار.
ولا يستطيع الذهب بمفرده، أن يتحول إلى وسيلة دفع يومية لكل هذه المعاملات، إلا إذا بُني نظامًا ماليًا كاملًا جديدًا، يعتمد على الذهب كضمان أو كمرساة نقدية، وهذا سيناريو مختلف تمامًا عن مجرد زيادة مشتريات البنوك المركزية من السبائك.
الدولار يمتلك ميزة العائد.. والذهب لا يدفع فائدة
عندما يشتري البنك المركزي سندات خزانة أمريكية، فإنه يمتلك أصلًا ماليًا يدفع عائدًا دوريًا، لأن هناك أيضًا فارق مهمًا بين طبيعة الأصلين، فالذهب لا يدر فائدة بذاته، بل يعتمد العائد فيه بصورة رئيسية على تغير سعره.
ويحتاج الذهب المادي إلى تكاليف تخزين وتأمين وحراسة، لكن في المقابل، لا يحمل مخاطر الطرف المقابل التي ترتبط بالأصول المالية، ولهذا فإن البنك المركزي، لا يضع السؤال باعتباره ذهب أم دولار؟ بل كم من الذهب وكم من الدولار وكم من العملات والأصول الأخرى؟
إزالة الدولرة الحقيقية لا تعني نهاية الدولار
يظهر هنا السيناريو الأكثر واقعية للاقتصاد العالمي، فالعالم لا يتجه بالضرورة إلى استبدال الدولار بالذهب، وإنما إلى نظام مالي هجين ومتعدد الأقطاب، فالدولار يظل العملة الأساسية للتجارة والتمويل العالمي، بينما يزداد وزن الذهب داخل الاحتياطيات.
كما تتوسع بعض العملات المحلية في التجارة الثنائية، ويزداد استخدام اليوان في المعاملات الإقليمية، وتظهر أدوات مالية جديدة مرتبطة بالعملات الرقمية للبنوك المركزية، أي أن إزالة الدولرة قد تعني تقليص الاعتماد على الدولار، لا إلغاء الدولار.
الذهب مرساة احتياطية.. والدولار يظل العملة الرئيسية
وقد يكون المشهد القادم أقرب إلى تكامل الأدوار منه إلى صراع صفري، فالدولار يظل وسيلة التداول والتمويل والتسوية العالمية، والذهب يتحول إلى مرساة أمان وتنويع داخل الاحتياطيات، ويوسع اليوان وغيره من العملات مساحة التجارة الثنائية والإقليمية، وبهذه الطريقة، يمكن للنظام المالي العالمي، أن يصبح أقل اعتمادًا على مركزٍ واحدٍ دون أن يتخلى عن الدولار.
هل يستطيع الذهب الإطاحة بالدولار؟
ولا يبدو أن الذهب قادر على الإطاحة بالدولار كعملة عالمية في المدى القريب، لكن الذهب يستطيع أن يحقق شيئًا أقل صخبًا وأكثر أهمية، وهو تقليص المساحة التي يحتكر فيها الدولار دور الأمان داخل الاحتياطيات العالمية.
فكل طن جديد تشتريه البنوك المركزية، يعني أن جزءًا إضافيًا من الثروة السيادية، ينتقل من أصل مالي مرتبط بنظام دولة أخرى، إلى أصل مادي مستقل نسبيًا عن ذلك النظام، ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الذهب والدولار على من سيحكم العالم غدًا، وإنما حول شكل النظام المالي الذي سيحكم العالم خلال العقود المقبلة.
العالم لا يغادر الدولار.. لكنه يبحث عن بديل للخطر
تكشف موجة إزالة الدولرة الحالية، أن البنوك المركزية لا تبحث بالضرورة عن إسقاط الدولار، وإنما عن تقليل مخاطر الاعتماد الكامل عليه، والذهب هو المستفيد الأوضح من هذه العملية، فالدولار ما زال يملك السيولة والشبكة التجارية والعمق المالي.
يأتي ذلك في وقت يملك الذهب فيه الاستقلال عن جهة الإصدار والقدرة على التحوط في أوقات الأزمات، ولهذا فإن السيناريو الأقرب ليس «عصر ما بعد الدولار»، وإنما عصر يصبح فيه الدولار أقل تفردًا، والذهب أكثر أهمية، والعملات الأخرى أكثر حضورًا، وبمعنًى آخرَ؛ فالذهب لا يزيح الدولار من العرش.. لكنه يجبره للمرة الأولى منذ عقود على مشاركة جزء أكبر من السلطة.
اقــرأ أيضًا:-
ارتفاع تكاليف التشغيل يدفع سهم "مرافق" للهبوط الحاد في السوق السعودية
البنك الدولي يحذر: نقص الكهرباء والإنترنت يحرم الدول النامية من مكاسب الذكاء الاصطناعي
القطاع غير النفطي في الإمارات يسجل أعلى نمو في 4 أشهر بدعم الصادرات
السعودية تمنح المطورين حصة في مشروعات الإسكان التنموي لتحفيز الاستثمار
Short Url
لماذا رفع المركزي التركي توقعات التضخم إلى 28%؟ صدمة الطاقة تهدد مسار خفض الأسعار
13 أغسطس 2026 09:14 م
طلبات إعانة البطالة الأمريكية ترتفع فوق التوقعات.. تفاصيل
13 أغسطس 2026 04:38 م
تباطؤ تضخم أسعار المنتجين في الولايات المتحدة خلال يوليو.. هل تتراجع ضغوط الفيدرالي؟
13 أغسطس 2026 04:05 م
أكثر الكلمات انتشاراً