الخميس، 13 أغسطس 2026

07:42 م

الصين والذهب.. كيف تسعى بكين لانتزاع عرش سوق الذهب من لندن ونيويورك؟

الخميس، 13 أغسطس 2026 06:54 م

الصين والذهب

الصين والذهب

مي المرسي

تسعى الصين إلى لعب دور أكبر في إعادة تشكيل سوق الذهب العالمي، عبر استراتيجية تتجاوز مجرد زيادة احتياطيات المعدن النفيس، لتشمل الإنتاج والاستيراد والتخزين والتداول والتسعير والتسوية باليوان.

وتتحرك بكين في اتجاه بناء مركزٍ مالي للذهب في الشرق، يمكنه منافسة النفوذ التاريخي لكل من لندن ونيويورك، في وقت تزداد فيه مساعي الصين لخفض اعتمادها على الدولار وتنويع احتياطياتها الدولية.

 

الصين والذهب.. استراتيجية تتجاوز شراء السبائك

تُظهر استراتيجية بكين، أن الذهب لم يعد بالنسبة إليها مجرد أصل احتياطي تلجأ إليه البنوك المركزية وقت الأزمات، بل أصبح جزءًا من تصور أوسع لإدارة المخاطر المالية والجيوسياسية، فزيادة حيازة الذهب تمنح الصين أصلًا ماديًا لا يمثل التزامًا على حكومة أخرى، وتساعدها على تنويع الاحتياطيات، وتقليل التركيز على الأصول المقومة بالدولار.

وتكتسب هذه الاستراتيجية، أهمية أكبر بعد تجميد أصول روسيا في الخارج، إذ أعادت هذه التطورات، تعريف المخاطر المرتبطة بالاحتياطيات الموجودة خارج الحدود، ومن منظور الصين، يصبح الذهب وسيلة تحوط إضافية ضد العقوبات وتقلبات العملات والتوترات السياسية، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الدولار بالكامل.

 

احتياطي الذهب الصيني يتجاوز 2,366 طنًا

بلغت حيازة بنك الشعب الصيني الرسمية من الذهب نحو 2,366 طنًا، بما يعادل قرابة 76.08 مليون أوقية، وبقيمة سوقية تتجاوز 306 مليارات دولار، بعد سلسلة من المشتريات المتواصلة امتدت لنحو 21 شهرًا.

وتضع هذه الحيازة الصين رسميًا في المرتبة الخامسة عالميًا من حيث احتياطيات الذهب، خلف الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا، لكن أهمية الرقم لا ترتبط فقط بحجم الاحتياطي، وإنما باستمرار الاتجاه الصعودي في مشتريات الصين من الذهب.

وتعكس كل إضافة جديدة إلى الاحتياطيات، رغبة في إعادة توزيع المخاطر داخل المحفظة السيادية، وزيادة وزن الأصول المادية في مواجهة التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية.

 

لماذا تكثف الصين مشترياتها من الذهب؟

ويتمثل أكثر من دافع وراء ارتفاع مشتريات الصين من الذهب، في مقدمتها تنويع الاحتياطيات، والتحوط من المخاطر الجيوسياسية، وتقليل الاعتماد المفرط على الدولار.

لكن التحول الأهم، هو أن الذهب لم يعد بالنسبة إلى بكين مجرد أداة لحماية القيمة، بل جزءًا من بناء منظومة مالية تستطيع من خلالها إدارة جزء أكبر من التجارة والاحتياطيات بعيدًا عن الاعتماد الكامل على النظام المالي الأمريكي، ومن هنا تصبح زيادة الاحتياطي، خطوة داخل مشروع أوسع، لا هدفًا قائمًا بذاته.

الاستثمار في الذهب

الصين والذهب في مواجهة هيمنة الدولار

لا يعني ارتفاع احتياطي الذهب الصيني، أن بكين تستعد للتخلي عن الدولار، لأن العملة الأمريكية لا تزال توفر سيولة ضخمة وأسواقًا مالية عميقة وأصولًا مدرة للعائد، لكن الصين تستطيع العمل على تقليل الاعتماد عليه تدريجيًا.

ويؤدي الذهب هنا دورًا مهمًا باعتباره أصلًا يمكن الاحتفاظ به وتداوله وتسويته بعيدًا عن وجود جهة إصدار أجنبية، وبالتالي، فإن استراتيجية الصين والذهب والدولار، تقوم على إعادة توزيع الأوزان، وليس على استبدال أصل بأصل بصورة كاملة.

 

بنك الشعب الصيني يقود استراتيجية زيادة احتياطيات الذهب

يظهر بنك الشعب الصيني في قلب هذه الاستراتيجية، باعتباره الجهة التي تقوم بزيادة الاحتياطي الرسمي من الذهب، لكن الدور الصيني أوسع من البنك المركزي وحده، فالصين تمتلك قاعدة كبيرة من شركات الذهب والبنوك والمؤسسات المالية والطلب الاستهلاكي.

ويجعل ذلك الذهب جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع، تمتد من الإنتاج إلى الاستثمار والتجارة، وهنا تحديدًا تكمن قوة الصين: فهي لا تتعامل مع الذهب كمشترٍ كبير فقط، وإنما تمتلك جزءًا كبيرًا من سلسلة القيمة المرتبطة به.

 

بورصة شنجهاي للذهب.. بكين تريد التأثير في تسعير الذهب

تلعب بورصة شنجهاي للذهب، دورًا رئيسيًا في الطموح الصيني، فالصين لم تكتفِ ببناء سوق محلية واسعة، وإنما أطلقت معيار Shanghai Gold Benchmark المقوم باليوان.

ويسمح هذا النموذج للصين، بالمساهمة في اكتشاف سعر الذهب داخل سوق أسيوية، بدل أن تظل كل قواعد التسعير والتسوية مرتبطة بالمراكز المالية الغربية، وتزداد أهمية شنغهاي لأنها ترتبط بدرجة كبيرة بالتداول والتسليم الفعلي للذهب، ما يجعلها مركزًا مهمًا للذهب المادي في أسيا.

 

اليوان والذهب.. هل تبني الصين مسارًا بديلًا للدولار؟

كلما اتسع استخدام اليوان في تجارة الذهب وتسويته، أصبحت العملة الصينية أكثر حضورًا في سلسلة مالية كانت مرتبطة تاريخيًا بالدولار، وهذا لا يعني أن اليوان سيحل محل الدولار في سوق الذهب قريبًا، لكنه يخلق قناة إضافية يمكن من خلالها للدول والشركات، التعامل مع الذهب من دون المرور الكامل بالنظام الدولاري، وهنا يتحول الذهب إلى أداة تدعم هدفًا أوسع:- (تدويل اليوان وتقليل الاعتماد على الدولار).

 

الصين أكبر منتج للذهب.. من المناجم إلى خزائن البنك المركزي

تتمتع الصين، بميزة مهمة تتمثل في كونها أكبر منتج للذهب عالميًا، إذ تمثل قرابة 10% من الإنتاج العالمي، وفي الوقت نفسه، تعد من أكبر أسواق استهلاك الذهب واستيراده، ما يعني أن بكين تجمع بين الإنتاج المحلي والطلب المحلي والمشتريات الحكومية والتداول المالي، وهذه المعادلة تضع الصين في موقع مختلف عن الدول التي تملك احتياطيًا كبيرًا من الذهب، لكنها لا تملك قاعدة إنتاج واستهلاك بهذا الحجم.

 

هونج كونج تربط الذهب الصيني بالأسواق العالمية

تأتي هونج كونج، كعنصرٍ مهم في استراتيجية الذهب الصينية، لأنها توفر حلقة وصل بين السوق الصينية والأسواق المالية العالمية، وتطوير آليات تربط هونغ كونغ ببورصة شنغهاي للذهب، يتيح تسهيل حركة الذهب والتسوية المادية بين الجانبين.

ويدعم ذلك محاولة تحويل السوق الصينية من مركز داخلي ضخم، إلى مركز أكثر اتصالًا بالمستثمرين الدوليين، كما يمكن تصور نموذج يتوزع فيه الدور بين شنغهاي كمركزٍ للذهب المادي والتسعير باليوان، وهونغ كونغ كجسر مالي خارجي.

 

هل تستطيع الصين انتزاع عرش الذهب من لندن ونيويورك؟

لا تزال لندن ونيويورك تتفوقان بفارق كبير في عمق السوق والسيولة والبنية المالية، وتظل لندن مركزًا رئيسيًا لتخزين وتسوية الذهب، إذ تضم خزائنها نحو 9,464 طنًا من الذهب، بينما تستحوذ نيويورك على أهمية كبيرة في تداول العقود الآجلة والمشتقات، ولم تنتزع الصين عرش الذهب بعد، لكن الأصح أنها تعمل على بناء مركز قوة موازٍ، سيمكنه في المستقبل من إعادة توزيع النفوذ داخل السوق العالمية.

 

لماذا تظل لندن المركز الأكبر لتخزين الذهب؟

لا ترتبط قوة لندن فقط بكمية الذهب المخزنة، وإنما بالبنية التي تحيط بهذه الكميات:- (البنوك، وصناع السوق، وشركات التأمين، ونظم التسوية، والقواعد القانونية، والخبرة المتراكمة).

وتمنح البنية السوق البريطانية مستوى مرتفعًا من السيولة والثقة، وهي أمور لا يمكن لبورصة جديدة، أن تبنيها في سنوات قليلة، ولهذا فإن انتقال مركز الذهب العالمي، إذا حدثٍ سيكون عملية تدريجية وليس تحولًا مفاجئًا.

 الذهب و الدولار

قيود رأس المال والثقة.. العقبات أمام صعود سوق الذهب الصينية

تواجه الصين عددًا من التحديات في سعيها إلى زيادة نفوذها في سوق الذهب العالمي، وعلى رأسها قيود حركة رأس المال، فالمستثمر الدولي يريد سوقًا يتمكن من الدخول إليها والخروج منها بسهولة، مع قواعد واضحة وشفافية وسيولة عميقة. وهنا لا تزال المراكز الغربية أكثر رسوخًا.

ويحتاج تعزيز الثقة في السوق الصينية، إلى منظومة قانونية ومالية قادرة على إقناع المستثمر العالمي بأن الذهب والأموال والتسويات، ستظل خاضعة لقواعد يمكن التنبؤ بها.

 

الصين والذهب.. هل يتشكل نظام مالي عالمي متعدد المراكز؟

ولا يعد السيناريو الأكثر واقعية انهيار لندن أو نيويورك، وإنما ظهور نظام متعدد المراكز، حيث ستظل لندن مركزًا رئيسيًا للتداول والتسوية، ونيويورك ستستمر في كونها مركزًا أساسيًا للعقود الآجلة والمشتقات

وتتحول شنجهاي في المقابل إلى مركزٍ مهم للذهب المادي والتسعير باليوان في أسيا، ويمكن لهونغ كونغ، أن تعمل كبوابة بين هذه المنظومة والأسواق العالمية، وهذا التحول في حد ذاته يعني توزيعًا أكبر للقوة المالية، بدلًا من احتكارها في مراكز غربية محددة.

الصين واحتياطي الذهب.. هل تبدأ مرحلة جديدة في النظام المالي العالمي؟

تكشف استراتيجية الصين والذهب، أن المعركة الحقيقية ليست على عدد السبائك الموجودة في الخزائن، وإنما على التحكم في البنية المالية المحيطة بالذهب:- (من ينتج المعدن، من يخزنه، من يحدّد سعره، من يوفر السيولة، وبأي عملة تتم التسوية).

وتملك الصين بالفعل، معظم عناصر هذه المنظومة؛ احتياطي رسمي يبلغ نحو 2,366 طنًا، وقيمة سوقية تتجاوز 306 مليارات دولار، وإنتاجًا يمثل نحو 10% من الإنتاج العالمي، وبورصة شنغهاي للذهب، ومعيارًا سعريًا للذهب باليوان، وقاعدة استهلاك واستيراد ضخمة.

ولا تكمن العقبة الأخيرة في امتلاك الذهب، بل امتلاك الثقة العالمية، ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد  هل تشتري الصين مزيدًا من الذهب؟، بل هل تستطيع بكين تحويل هذا الذهب من مجرد احتياطي ضخم، إلى قوة مالية قادرة على إعادة تعريف قواعد سوق الذهب العالمي؟، إذا نجحت في ذلك، فلن تكون الصين قد جمعت المزيد من الذهب فقط، وإنما ستكون قد نقلت جزءًا من مركز الثقل المالي العالمي من الغرب إلى الشرق.

 

اقــرأ أيضًا:-

ارتفاع تكاليف التشغيل يدفع سهم "مرافق" للهبوط الحاد في السوق السعودية

البنك الدولي يحذر: نقص الكهرباء والإنترنت يحرم الدول النامية من مكاسب الذكاء الاصطناعي

القطاع غير النفطي في الإمارات يسجل أعلى نمو في 4 أشهر بدعم الصادرات

السعودية تمنح المطورين حصة في مشروعات الإسكان التنموي لتحفيز الاستثمار

Short Url

search