الخميس، 13 أغسطس 2026

03:34 م

الأرض والمياه والربحية.. ثلاث أزمات تحاصر زراعة بنجر السكر في مصر

الخميس، 13 أغسطس 2026 03:04 م

مصانع السكر

مصانع السكر

إيمان البصيلي

في الوقت الذي تشتعل فيه المنافسة على الرقعة الزراعية في مصر، يقف قطاع السكر أمام معادلة صعبة تتجاوز مجرد حسابات الأطنان والمساحات المنزرعة إلى عمق معادلة الأمن الغذائي، المائي، والاقتصادي، فبينما خاضت الدولة شوطًا كبيرًا في تقليص الفجوة الاستيرادية للوصول إلى الاكتفاء الذاتي، تقف خلف الأرقام المعلنة تفاصيل لوجستية وزراعية معقدة تشكل حقيقة المشهد الميداني، بدءًا من أزمة المياه في الأراضي الزراعية، مرورًا بصراع الربحية بين المحاصيل، وصولًا إلى كواليس نقل المحصول وصدمات الأسعار لدى المستهلك النهائي.

قضية الكفاءة المائية تأتي في صدارة الأبعاد الحاكمة لمستقبل المحصول، فيمثل بنجر السكر رأس حربة استراتيجيًا في السياسة المائية المصرية، ففي الوقت الذي يستنزف فيه فدان قصب السكر في صعيد مصر ما بين 10 إلى 12 ألف متر مكعب من المياه سنويًا، خاصة أنه يظل في الأرض طوال العام، يقدم البنجر نموذجًا ترشيديًا بدروة استهلاك لا تتجاوز 3500 إلى 4500 متر مكعب للفدان خلال موسمه الشتوي.

البنجر

البنجر أكثر توفيرًا للمياه من القصب

هذا الفارق المائي الشاسع يعني أن تراجع مساحات البنجر بنحو 50 ألف فدان في الموسم الجاري 2026 لا يمثل مجرد انخفاض في المعروض الزراعي، ولكن يحرم المنظومة من وفر مائي استراتيجي كان يمكن أن يرفد الشبكة القومية للري بـ 200 مليون متر مكعب من المياه، بخلاف دوره المحوري في استصلاح الأراضي الملحية والتطور الطبيعي للدورة الزراعية بالدلتا، خاصة أن فدان البنجر ينتج 2 طن سكر، بينما ينتج فدان القصب فى المتوسط 4.5 طن سكر أى أن الفدان من القصب يعادل 2.25 فدان بنجر، بالإضافة إلى إنتاج مخلفات حيوية تدخل في صناعات هامة كالعلف، والمولاس، والعسل الأسود.

إلا أن الفلاح المشغول دائما بحسابات المدخلات والمخرجات، ولا يقيس الأرض بالمتر المكعب من المياه، بقدر ما يقيسها بالجنيه الصافي في نهاية الموسم، ولذلك جاء قرار تقليص سعر توريد طن البنجر إلى 2000 جنيه لسعر الأساس ليحدث صدمة في حسابات الجدوى الاقتصادية لدى المزارعين، خاصة بعدما تزامن القرار مع صعود لافت للمحاصيل المنافسة في العروة الشتوية. 

السكر

البنجر يصارع في مواجهة أسعار القمح والمزايا اللوجستية للقصب

يقارن المزارع بين سعر استلام القمح الذي يجني عائدات مجزية تتجاوز 2000 جنيه للإردب بدعم حكومي مستقر ودون مخاطرة الشوائب ونسب السكر، بالإضافة إلي الارتفاع القياسي في أسعار البرسيم والسيلاج نتيجة الفجوة العلفية، مما يؤدي لتأمين سيولة نقدية سريعة ومستمرة للثروة الحيوانية، ووقتها يصبح التخلي عن مساحات البنجر تحركًا اقتصاديًا منطقيًا للهروب من ضغوط التكلفة نحو المحاصيل الأسرع دورانًا والأعلى ربحية كالخضراوات والبطاطس.

55 مليون دولار واردات مصر من بذور بنجر السكر في 2025.. وألمانيا المورد الأول

ومع ارتفاع تكلفة زراعة الفدان وتوفير البذور التى ترتفع أسعارها كل عام خاصة أن مصر تستورد حصة كبيرة منها من الخارج، ووفقًا لبيانات مركز التجارة العالمي، فإن مصر استوردت بذور بنجر السكر خلال عام 2025، بقيمة 55 مليون و880 ألف دولار، بنسبة زيادة قدرها ، مقارنة بواردات عام 2024 والتي بلغت 48 مليون و 299 ألف دولار.

تطور واردات مصر من بذور بنجر السكر خلال آخر 5 سنوات

السنة

2021

2022

2023

2024

2025

إجمالي الواردات “القيمة بالمليون دولار”

38,580

40,272

47,702

48,299

55,885

معدل التغير

ـــــ

%4.39+

%18.45+

%1.25+

%15.70+

ويظهر الجدول السابق نمو في واردات مصر من بذور بنجر السكر على مدار الخمس سنوات الماضية بصورة ملحوظة، فعلى مدار الفترة من 2021 وحتى 2025 ارتفع معدل التغير الإجمالي لواردات بذور بنجر السكر بنسبة 44.84%، وتعد ألمانيا هى المورد الأول لبذور بنجر السكر لمصر خلال عام 2025، بقيمة 27 مليون و867 ألف دولار، تليها فرنسا بقيمة 9 مليون و162 ألف دولار.

أكبر 5 دول صدرت بذور بنجر السكر لمصر في 2025

الدولة

حجم الواردات القيمة بالمليون دولار

ألمانيا

27,867

فرنسا

9,162

بلجيكا

8,367

الدنمارك

4,950

إيطاليا

2,853

بذور بنجر السكر

تكاليف النقل وزيادة أسعار المحروقات تضغط على الشركات

وعلى جانب آخر، تظهر الحلقة اللوجستية كأحد أكبر الألغاز التي تحكم ربحية الشركات وكفاءة التشغيل، فنقل نحو 13 إلى 18 مليون طن من المحصول من الحقول إلى خطوط العصر، ليس مجرد حركة سير للشاحنات، بل معادلة زمنية وسعرية، ففي الوقت الذي تلزم المنظومة مصانع السكر بتحمل تكاليف النقل والتحميل "النولون" أو تقديم حوافز نقل للمزارعين، فرضت الارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات أعباءً مالية ضخمة على كاهل الشركات، وتزداد الإشكالية تعقيدًا بالنظر إلى طبيعة البنجر المحفوفة بالمخاطر.

كما أن أي تباطؤ في سلاسل الإمداد أو تكدس للشاحنات أمام بوابات المصانع ينعكس فورًا على تراجع "بنط السكر" في الثمار، وهو ما ينزل بضررين مزدوجين، أولها تقليص علاوات الجودة للمزارع، ثانيها هبوط معدلات الاستخلاص الفعلي للمصنع.

ورغم هذه الإشكاليات استطاعت الحكومة فرض كلمة التوازن على السوق المحلي في نهاية المطاف، فارتفاع الواردات وتراكم المخزون الاستراتيجي الذي لامس 1.2 مليون طن في مطلع العام الجاري 2026، ووجود مخزون استراتيجي يكفي لمدة عام كامل، منحا وزارة التموين القدرة والقوة لتثبيت سعر السكر المدعم على البطاقات التموينية عند 12.60 جنيه للكيلو، وفي المقابل، ألقى هبوط الأسعار العالمية للخام بظلاله على السوق الحر، ليجبر منافذ الطرح والمجمعات الاستهلاكية على ضخ كميات وفيرة ليستقر سعر السكر في السوق الحرة عند 25 جنيهًا للكيلو، بينما تحمل المزارع والمصنع المحلي جانبًا كبيرًا من تكلفة هذا الاستقرار، تحت وطأة معادلة خفض التكاليف وإعادة ضبط إيقاع السوق.

اقرأ أيضًا:

قبل «العروة المبكرة».. الزراعة تكشف أهم توصيات بنجر السكر

بمكون محلي 100%.. إنشاء أكبر مصنع لإنتاج سكر البنجر في مصر

Short Url

search