الأحد، 02 أغسطس 2026

03:45 م

شركات الأدوية و(QR codes).. الطمع على طريقة "اضغط هنا"!

الأحد، 02 أغسطس 2026 01:37 م

محمد أحمد طنطاوي

محمد أحمد طنطاوي

بقلم محمد أحمد طنطاوي

"من يطارد عصفورين يفقدهما معًا"، هكذا تقول الحكمة القديمة ردعًا لغريزة الطمع، وبحثًا عن القناعة المفقودة في نفوس الكثير، لكن يبدو أن هذه العبارة التاريخية الشهيرة لم تمر على آذان شركات الدواء في مصر، والمعنيين بهذه الصناعة المهمة، التي تؤمن واحدًا من أهم حقوق الإنسان "الحق في الدواء"، في بلد فقير، تتسع فيه رقعة الأمية، ويعيش القسم الأكبر من سكانه في المناطق الريفية أو العشوائية منخفضة الخدمات، وترتفع فيه معدلات الإصابة بالأمراض يومًا بعد الآخر، ويفقتر لمعادلة شفافة توازن بين عدد السكان، والطاقة الاستيعابية للمنظومة الصحية.

ارتفاع أسعار الأدوية خلال السنوات القليلة الماضية أمر لا يحتاج فطنة، ولا تحليلات أو تفاصيل ورصد لتطور الأسعار، لكنه واقع يعيشه المريض يوميًا، مع الأدوية التي تتقلب أسعارها، وترتفع بين عشية وضحاها، دون رقابة أو متابعة أو قرار من جانب هيئة الدواء، التي تتحمل المسئولية كاملة عن التفتيش والرقابة ومتابعة الجودة للدواء المصري، لكن ما يجري مؤخرًا في الكواليس يكشف عن فخ كبير يتم إعداده تحت مسمى "الكيو آر كود". 

القصة بكل بساطة أن أصحاب شركات الأدوية وغرفة صناعة الدواء، يخططون لتنفيذ اتفاق ضمني يستهدف إزالة السعر المطبوع من عبوات الدواء التي يتم إنتاجها حديثًا، واستبداله بـ (QR codes) يحمل كل البيانات والمعلومات التي تخص المنتج الموجود في العبوة، مثل السعر ودواعي الاستعمال والجرعة، وتاريخ الصلاحية، واسم الشركة المنتجة، وغيرها من التفاصيل الضرورية اللازمة لتأمين عبوة الدواء، وإلغاء "الروشتة " الورقية التقليدية، التي كانت تشتمل على كل المعلومات الخاصة بالمنتج، بما في ذلك  التحذيرات الطبية.

إذا بدأ المريض في مسح الكود إلكترونيًا، فيمكنه خلال ثوان معدودة الحصول على تفاصيل الدواء، بما في ذلك السعر والمواصفات الفنية، لكن هذا الأمر ينطوي على فخ كبير، وهو أن الشركة تتحكم في (QR codes) بشكل كامل، ويمكنها تحديث الأسعار بين الحين والآخر، دون أن يشعر المستهلك "المريض"، الذي قطعًا يتلقى الصدمة أمام خزينة الصيدلية، بعد زيادات تصل إلى نسب خيالية، في خطوة أرى أن الهدف منها قد يكون تحرير سوق الدواء، والتخلص من التسعيرة الجبرية، التي تحمى ملايين الفقراء، وتمنحهم دواء آمن بسعر مقبول. 

لو كان هدف شركات الأدوية أو غرفة صناعة الدواء خيرًا لأبقوا على طباعة الأسعار في عبوات الدواء بالأسواق، كما هو متبع إلى جانب (QR codes) المستحدث، الذي يغني عن الروشتة الورقية التي تكلفهم ملايين الجنيهات، لكن الأمر تحركه الأطماع ليس أكثر، فصلاحية الدواء التي تقترب من الثلاثة أعوام، غالبًا تجعل مكاسب الشركات أقل، بالإضافة إلى أن الصيدلي لا يمكنه بيع عبوة دواء مدون عليها سعر معين، بسعر آخر أعلى، فهذا ليس إلا غش تجاري واضح، وقضية تستوجب المساءلة، لذلك تحاول الشركات غلق هذا الباب لترفع الأسعار كيفما تشاء، مادامت تتحكم في التسعير من خلال الـ (QR codes).

لا يمكن لصناعة مهمة ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري، أن تخضع لأهواء شركات الأدوية، أو تحركها مطامع من يرغبون في حصد مكاسب هائلة، مع العلم أن الصيدليات وشركات التوزيع، بل والمصانع، تحقق أرباحًا قد تتجاوز 50%، وهو ما يضعنا أمام حالة من النهم نحو المكاسب القياسية، والأرباح الهائلة، دون النظر إلى ملايين الفقراء، ومئات الآلاف من المرضى، وحالة الأمية والجهل التي مازالت تضرب المجمتع وتشكل أكثر من 16.6% من حجم السكان، أي أن ما يقرب من 20 مليون مواطن لا يجيدون القراءة والكتابة، وأغلبهم من كبار السن، وهو ما يشي بأن حالتهم الصحية قد تكون متأخرة أو تحتاج للرعاية. 

هل مجتمع يعاني هذه النسبة من الأمية يمكنه أن يستخدم الـ (QR codes) ؟! هل المريض المنهك الذي بالكاد يصل إلى أبواب الصيدلية، قادر على مسح الكود والعبث مع عبوات الدواء يمينًا ويسارًا، لاسيما لو أنه يشتري 5 أو 6 أصناف من الدواء ؟! هل يتفرغ لمسح الأكواد أم يحصل على الدواء ليخفف شراسة المرض؟!  

أرجوكم فكروا في الفقراء وغير القادرين، ولا تصدروا أحكامًا مطلقة دون قراءة سليمة وحقيقية للأرقام، ودون أن ندس السم في العسل، ودون أن تحولوا الدواء لرفاهية لا يتحملها المرضى، ودون أن تخالفوا القوانين المتبعة، والمعمول بها، مثل قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018، ونص المادة 7 ، التي تلزم المُورد بإعلان أسعار السلع أو الخدمات التي يعرضها أو يقدمها بشكل واضح.. لذلك أتمنى أن ينتصر الجهاز للمستهلك ويخاطب شعبة الأدوية في الغرف التجارية والصناعية بأن ما يتجهون نحو تنفيذه يخالف صحيح القانون، وينتهك حقوق الناس في دواء آمن، بسعر معلن ومحدد. 

اقرأ أيضًا:

محمد طنطاوي: سقوط الذهب من عرش "الملاذات الآمنة"

Short Url

search