-
مدارس "أجرو المصرية الإيطالية" الجديدة تشمل تخصصات الموارد المائية وصيانة المعدات الميكانيكية
-
طقس الأحد.. الأرصاد تحذر من شبورة صباحية وارتفاع الحرارة على أغلب الأنحاء
-
صناعة الباركيه على رادار المستثمرين.. دراسة تكشف عوامل النجاح والعائد المتوقع
-
32.2 ألف تيراواط/ساعة استهلاك كهرباء العالم في 2025.. والطاقة المتجددة تستحوذ على 33.4%
من ممر ملاحي إلى ترسانة إقليمية.. كيف تخترق مصر سوق بناء السفن والوحدات البحرية؟
السبت، 18 يوليو 2026 03:27 م
سفن - أرشيفية
إيمان البصيلي
من ورش صغيرة لصيانة وإصلاح السفن المتوقفة في الموانئ، أو المارة من قناة السويس و البحر المتوسط، إلى ترسانات بحرية عملاقة، ومركز إقليمي وعالمي لصناعة القاطرات، والسفن، واليخوت، هو الحلم الذي تسعي مصر إليه مؤخرًا، من خلال الاستثمار في صناعات توطين الوحدات البحرية، وتلبية احتياجات السوق المحلي داخل هيئة قناة السويس والموانئ المصرية وتعزيز فرص التصدير للأسواق الخارجية.
مؤخرًا سطع نجم ترسانة جنوب البحر الأحمر التى تحولت من ورشة صغيرة لإصلاح وبناء اليخوت السياحية إلى واحدة من كبرى شركات صناعة الوحدات البحرية في مصر والشرق الأوسط، وهو التحول الكبير الذي شهدته الترسانة خلال السنوات الأخيرة بعد عقد شراكتها المثمرة مع هيئة قناة السويس، لتعزيز التعاون في توطين صناعة الوحدات البحرية في مصر، لسد احتياجات السوق المحلي بالإضافة إلى التصدير للخارج.
نجحت ترسانة جنوب البحر الأحمر خلال عامين ونصف في التحول من ورشة صغيرة لإصلاح السفن إلى كيان صناعي متخصص في تصنيع القاطرات والسفن واليخوت وفق أحدث المعايير العالمية، فصنعت 16 قاطرة بحرية، خُصص 10 منها للعمل داخل هيئة قناة السويس، و4 قاطرات تم تصديرها إلى شركة (NERI) الإيطالية، وهو أول دخول للصناعة البحرية المصرية إلى الأسواق الأوروبية.

"درة القناة"تغزو إيطاليا بيخوت سياحية مصرية الصنع.. وبدء مشروع الـ 100 سفينة للتصدير
كما أعلن رئيس هيئة قناة السويس قبل أيام قليلة عن بدء تنفيذ مشروع تصنيع 100 سفينة صيد، تم الانتهاء من أول سفينتين، وجارٍ استكمال المرحلة الأولى بإنتاج 12 سفينة بطول 50 مترًا، تليها 12 سفينة أخرى بأطوال 30 و25 مترًا، مزودة بأحدث أجهزة السونار وتقنيات الصيد الحديثة، بما يرفع كفاءة عمليات الصيد ويزيد الإنتاجية، وجميعها مخصصة للتصدير إلى عدد من الدول، من بينها جزر القمر وموريتانيا واليمن والسنغال والصومال وإريتريا.
صناعة اليخوت حظيت أيضًا باهتمام مصري واسع، بعد التعاون مع شركات القطاع الخاص في تصنيع اليخت السياحي "درة القناة" بطول 38 مترًا، والتعاقد مع شركات إيطالية لتصنيع يخوت أخرى، وهو ما يشير إلى وجود طلب متزايد على اليخوت المصرية داخل الأسواق الأوروبية، بفضل جودة التصنيع والأسعار التنافسية.
كما تجهز مصر حاليًا مصنعين للفايبر جلاس بشركة قناة السويس للقوارب الحديثة، وانتهت بالفعل من بناء هياكل ثلاثة لنشات رحلات لخدمة السياحة البحرية والنيلية، بالإضافة إلى بناء 12 سفينة صيد أعالي البحار من طراز "رزق" وفق أحدث التكنولوجيا العالمية، لدعم قطاع الثروة السمكية في مصر.
ودعمًا لقطاع النقل الداخلي والمائي ووسائل النقل الصديقة للبيئة، يجري حاليًا الانتهاء من تصنيع أتوبيس نهري بسعة ستين راكبًا للعمل لصالح محافظة القاهرة، ويعمل بالطاقة النظيفة، بالإضافة إلى بناء هياكل لـ3 لانشات سياحية مخصصة لخدمة السياحة البحرية والنيلية.

قاطرات "عزم" العملاقة: مواصفات قياسية للتصنيع المحلي والتصدير للخارج
هذا بالإضافة إلى بناء حوالي 10 قاطرات بحرية عملاقة تحمل اسم "عزم"، ومن طراز "Rastar 3200-W"، لصالح هيئة قناة السويس، بقوة شد تصل لـ 90 طنًا، تم تدشين وتسليم 4 قاطرات منها: "عزم 1" و"عزم 2" في يوليو 2025، و"عزم 3" و"عزم 4" في فبراير 2026، ويبلغ طول القاطرة الواحدة 32 مترًا وعرضها 13.5 مترًا وغاطسها 6 أمتار، وتصل سرعتها إلى 12 عقدة، بقوة شد 90 طنًا، ومجهزة بأنظمة مكافحة الحرائق من الفئة الأولى، ويجري حاليًا الانتهاء من تصنيع باقي القاطرات العشرة، مع بناء قاطرتين بذات المواصفات "عزم 11" و"عزم 12" لتصديرهما إلى الخارج.

كما تعمل الترسانة على خطة لإنشاء مدارس فنية متخصصة في البحر الأحمر لتدريب وتأهيل العمالة الفنية الشابة في مجالات بناء السفن واليخوت، لضمان استدامة الكوادر البشرية المصرية.
وقبل ذلك نجحت الترسانة في بناء وتسليم وحدات بحرية أخرى مثل اليختين "إرادة" و"نصر" بطول 30.1 متر، واللذين تم تصنيعهما وفق أعلى المعايير الدولية وتسليمهما لمؤسسة الرئاسة المصرية عام 2022، بالإضافة ليخت الصيد الرياضي الفاخر "فخر" بطول حوالي 37 مترًا، والذي تم إطلاقه بالشراكة مع شركة قناة السويس للقوارب الحديثة.

مصنع "مصر" لبناء القاطرات أحد ركائز مصر لتوطين صناعات الوحدات البحرية
وفي أبريل 2024 افتتحت هيئة قناة السويس بالتعاون مع الترسانة مصنع "مصر" لبناء القاطرات البحرية، على مساحة 9000 متر مربع، وهو مقسم إلى ثلاثة قطاعات رئيسية: قطاع التقطع، وقطاع التشكيل، وقطاع البناء، ومجهز بالتكنولوجيا الأحدث عالميًا في بناء الوحدات البحرية المختلفة، وكانت باكورة إنتاجه قاطرات "عزم" العملاقة، بالإضافة إلى إنشاء 25 مركبًا و50 قارب صيد للعمل داخل البحيرات المصرية.
شركة ترسانة جنوب البحر الأحمر التي تعد واحدة من القلاع الصناعية البحرية الرائدة في مصر، ولها دور محوري في خطة الدولة لتوطين صناعات السفن، واليخوت السياحية، والوحدات البحرية الخدمية، تقع على بعد حوالي كيلومترين جنوب ميناء سفاجا بمحافظة البحر الأحمر، وهو موقع متميز جغرافيًا ومحمي طبيعيًا بين جزيرة سفاجا وسلاسل جبال البحر الأحمر، وهو ما يوفر بيئة مثالية لصيانة وإصلاح السفن.

وتأسست الترسانة على يد عائلة "الدجيشي" التي تمتلك تاريخًا عريقًا يمتد لأجيال في بناء وصيانة السفن في مصر، وبدأت نشاطها الرسمي في عام 1999، مركزة بشكل أساسي على بناء وتطوير وإصلاح اليخوت السياحية الفاخرة وسفن الغوص نظرًا لطبيعة المنطقة السياحية، إلا أن التحول الكبير جاء مع عقد شراكة الترسانة مع هيئة قناة السويس لتعزيز خطوة توطين الصناعات البحرية في مصر والعمل على إنشاء وحدات بحرية استراتيجية وخدمية عملاقة لسد احتياجات قناة السويس والموانئ المصرية بدلًا من استيرادها من الخارج لتوفير النقد الأجنبي، بالإضافة إلى تعزيز فرص الدولة التصديرية والتحول لمركز إقليمي لصناعة وتوريد الوحدات البحرية، ولأجل هذه الأهداف خصصت الحكومة المصرية مساحة إضافية تصل إلى 40 ألف متر مربع لتطوير الترسانة وزيادة طاقتها الإنتاجية.
سيادة بحرية بأيادٍ مصرية.. ترسانة الإسكندرية تقود قطار توطين الصناعات الثقيلة
لم يكن حلم توطين الصناعات البحرية في مصر، والتحول من ورش صغيرة لصيانة وإصلاح السفن إلى ترسانة إقليمية كبيرة، وليد اللحظة أو الصدفة؛ فأول خطوات الحلم بدأت منذ زمن بعيد مع تطوير شركة ترسانة الإسكندرية، رائدة صناعة وإصلاح السفن في مصر والشرق الأوسط وأحد أكبر قلاع الصناعات الثقيلة، وبناء وحدات بحرية حتى حمولة 57 ألف طن.
وبنت الترسانة كل أنواع السفن بمختلف أحجامها لخدمة شتى القطاعات العاملة في المجال البحري، مثل السفن التجارية كسفن البضائع الصب والسفن العامة، والسفن متعددة الأغراض المزودة بنظام نقل البضائع المدحرجة (RoRo) ذي الطابقين، وسفن شحن البضائع المدحرجة، وسفن نقل البضائع السائبة، بالإضافة إلى أكبر سفينة بُنيت في مصر على الإطلاق، وهي سفينة "قنا/دمياط" التي تبلغ حمولتها الإجمالية 38500 طن، والقاطرات، وبارجات نيلية، وناقلات ماء ووقود، بالإضافة إلى السفن الحربية مثل الفرقاطات، واللنشات السريعة، وقوارب كباري الاقتحام، والوحدات البحرية الخاصة مثل الحفارات، ومنصات الإعاشة البحرية، والعبارات.

شريان اللوجستيات: كيف تخدم الترسانة خطوط التجارة والطاقة؟
وتتمثل القيمة الاستراتيجية لشركة ترسانة الإسكندرية في قدرتها على توزيع خطوط إنتاجها وهندستها العكسية لتلبية احتياجات عملاء من طرازات وطبقات تشغيلية متباينة تمامًا في نفس الوقت؛ فلديها تعاقدات مع القوات البحرية المصرية (المحور العسكري الإستراتيجي)، وتعاقدات مع الهيئة العامة لميناء الإسكندرية (محور اللوجستيات والموانئ)، وتعاقدات مع هيئة قناة السويس (محور تأمين المجرى الملاحي العالمي) وتعاقدات مع قطاع النقل التجاري والنهري (محور التجارة الداخلية والـ Ro-Ro)، وتعاقدات مع الشركات البترولية والصناعات الثقيلة (القطاع المدني والهندسي).
منظومات تكنولوجية متطورة: "الإسماعيلية" تعزز أمان المجرى الملاحي العالمي
وفي إطار تعاقدها مع هيئة قناة السويس، دشنت الترسانة في ديسمبر 2025 قاطرة الإنقاذ “الإسماعيلية 2” طراز (N 113)، وهي أحدث وأكبر قاطرات الإنقاذ بالشرق الأوسط بقوة شد 190 طنًا، وهي القاطرة الثانية ضمن قاطرتي الإنقاذ اللتين تبنيهما الشركة لصالح هيئة قناة السويس، ويبلغ طول القاطرة الواحدة 71.6 متر، وعرضها 18.5 متر، بغاطس ٧ أمتار، وسرعة 16 عقدة.
ودُشنت القاطرة الأولى "الإسماعيلية 1" في يونيو 2025، وتتميز القاطرتان بأنهما الأحدث والأكبر في تاريخ الأسطول البحري للهيئة، فهي تمتاز بقوة شد كبيرة تفوق قوة شد أكبر قاطرات الإنقاذ بالهيئة، كما تتميز بتجهيزها بمنظومة DP التي تتيح لها سهولة المناورة أثناء التعامل مع الوحدات الخارجية، كما يمكنها نظام SCR من تنقية العادم من الكربون.

تطوير الموانئ المحلية: أربع قاطرات حديثة تعزز أسطول الإسكندرية
كما صنعت الترسانة عددًا من القاطرات لصالح الهيئة العامة لميناء الإسكندرية؛ ففي الأول من يناير 2025، سلمت الترسانة القاطرة "يوسف" إلى هيئة ميناء الإسكندرية بقوة شد 70 طنًا، وهي القاطرة الرابعة والأخيرة التي تسلمتها الهيئة من إجمالي 4 قاطرات تم بناؤها داخل شركة ترسانة الإسكندرية.
أما القاطرة الثالثة "مختار" فسلمتها الترسانة في منتصف أكتوبر 2024، فيما سلمت القاطرة الثانية "هداية" في الأول من أغسطس2024، والقاطرة الأولى "درويش" فتسلمتها هيئة ميناء الإسكندرية في 26 يونيو 2023، وجميعهم بقوة شد 70 طنًا.
سفن "الرورو" الوطنية: حلول ذكية للنقل التجاري والعسكري
ولدعم الأسطول التجاري البحري المصري، سلمت الترسانة في 2025 سفينة الدحرجة "الحرية ٣" من طراز (Ro-Ro)، وذلك بعد الانتهاء من كافة التعديلات المطلوبة ونجاح تجارب الإبحار النهائية وإصدار كافة شهادات السفينة الحتمية، وتعد "الحرية 3" إحدى أبرز النجاحات لشركة ترسانة الإسكندرية خلال الفترة الماضية نظرًا لنجاح الشركة في إعادة تأهيل وتجهيز السفينة بعد فترة توقف طويلة.
وتعتمد سفن الرورو على آلية تحميل وتفريغ عبر منحدرات، مما يتيح دخول وخروج المركبات مثل السيارات والشاحنات والحافلات والمقطورات وحتى الدبابات والمدرعات. وهي واحدة من ثلاث سفن شقيقة أنجزتها ترسانة الإسكندرية من ذلك النوع، وهي: الحرية، والحرية 2، والحرية 3؛ بهدف تقديم خدمة نقل بحري متطورة خاصة في المجالات التجارية والعسكرية.
وتتميز السفينة "الحرية 3" بمواصفات تقنية متقدمة؛ فيبلغ طولها 173 مترًا، وعرضها 25 مترًا، وتصل سرعتها إلى 16 عقدة، كما توفر قدرة استيعابية هائلة تشمل مقطورات تصل إلى 103 مقطورات، وسيارات ركاب تصل إلى 641 سيارة، وكذلك حاويات بسعة 755 حاوية (تشمل حاويات مبردة) بإجمالي حمولة تصل إلى 8899 طنًا.
كما قامت الترسانة بتصنيع وتسليم 6 بارجات نيلية بحمولة 800 طن للبارجة الواحدة لصالح شركة النيل للنقل النهري؛ لإنعاش حركة نقل البضائع عبر نهر النيل وتخفيف الضغط على الطرق البرية.

السيادة العسكرية: "الجبار" أول فرقاطة تُصنع بأيادٍ مصرية 100%
وفي إطار تعاونها مع القوات البحرية المصرية، دشنت الترسانة في ديسمبر 2023 الفرقاطة المصرية "الجبار" (F 910) طراز ميكو A200، والتي صُنعت بالكامل بأيادٍ مصرية وفي قلب ترسانة الإسكندرية لصالح البحرية المصرية، وهي أول فرقاطة تُبنى في مصر وبموجب ترخيص من شركة (ThyssenKrupp Marine Systems - TKMS) الألمانية.
وتعد "الجبار" هي الفرقاطة الرابعة والأخيرة من طراز ميكو A200 من ضمن الفرقاطات التي طلبتها مصر من الشركة الألمانية، على أن يتم تصنيع 3 منها في ألمانيا وتنقل الشركة التكنولوجيا الخاصة بصناعة الفرقاطة بالكامل لمصر حتى يتم تصنيع الفرقاطة الأخيرة داخل ترسانة الإسكندرية بأيادٍ مصرية 100%.
وفي نوفمبر 2022، وصلت الفرقاطة الأولى "العزيز" (F 904) إلى القاعدة العسكرية البحرية بالإسكندرية، وفي مايو 2023 تم تسليم الفرقاطة الثانية "القهار" (F 905)، وفي ديسمبر 2023 تم تسليم الفرقاطة الثالثة "القدير" (F 909).
يعتمد تصميم MEKO A200 على عائلة MEKO من السفن الحربية، وهي سفن معيارية وقابلة للتكيف صممتها شركة الأنظمة البحرية الألمانية Thyssen Krupp، وتشتهر هذه الفرقاطات بمرونة تصميمها، مما يسمح للقوات البحرية المختلفة بتخصيصها لتلبية احتياجاتها الخاصة.
يبلغ طول الفرقاطات 121 مترًا، وعرضها 16.4 مترًا، وغاطسها 4.4 أمتار، ويتم تشغيل الفرقاطات التي تزن 3700 طن بواسطة نظام دفع CODAG (مزيج من التوربينات الغازية والديزل)، والذي يتكون من توربين غازي GE LM2500 ومحركي ديزل MTU 16V 1163 TB93، مما يمنح السفينة سرعة قصوى تبلغ 28 عقدة، وقدرة على الإبحار لمسافة تصل إلى 7,200 ميل بحري.

خط إنتاج طراز (ASD): تعاون كندي-مصر يثمر عن "رأس الحكمة"
أما قاطرة "رأس الحكمة" ذات محرك الدفع الخلفي (ASD) من فئة RASTR 3200، فهي القاطرة الأولى التي سلمتها ترسانة الإسكندرية في يونيو 2025 إلى القوات البحرية المصرية، وتُعد هذه القاطرة الأولى من أصل ثلاث قاطرات يتم بناؤها لصالح البحرية المصرية في حوض بناء السفن بالإسكندرية بالتعاون مع هيئة التصنيف الفرنسية Bureau Veritas (BV).
ودشنت الترسانة القاطرتين "رأس بناس" و"رأس محمد" استعدادًا لتسليمهما خلال المرحلة المقبلة للقوات البحرية، وتتميز القاطرات الثلاث من طراز أزيموث (RASTR 3200) ASD بتكلفتها التنافسية، وقدرتها العالية على السحب التي تصل إلى 85 طنًا، بالإضافة إلى قدرتها الفائقة على المناورة والتحكم. كما أنها مجهزة بأحدث الأنظمة والمعدات من كبرى الشركات العالمية المصنعة في الصناعة البحرية، مثل محركات MTU الألمانية، ورفاصات وأوناش سطح من تصنيع كونجسبرج النرويجية.
وتعد هذه القاطرات أولى ثمار خط الإنتاج الجديد الذي دشنته ترسانة الإسكندرية لبناء ذلك الطراز المتميز من القاطرات لأول مرة بالترسانات المصرية بالتعاون مع مكتب التصميم الكندي “روبرت ألان”.
وتسعى الترسانة إلى توسيع نطاق استخدام قاطرات طراز ASD في جميع الموانئ المصرية نظرًا لأسعارها التنافسية التي تقل بنسبة 30-40% عن القاطرات المستخدمة حاليًا، كما أنها توفر حوالي 50% من تكاليف العملات الأجنبية، بالإضافة إلى أدائها القوي وسهولة مناورتها والتحكم فيها، فضلًا عن تجهيزاتها من كبرى الشركات المصنعة العالمية.
وتهدف الترسانة لتسويق القاطرة بالأسواق العالمية في سبيل تعزيز قوة الدولة التصديرية والعمل على زيادة مصادر الدخل بالعملة الصعبة كهدف رئيسي خلال المرحلة المقبلة.

الأول من نوعه محلياً: قارب الإسعاف البحري يدخل الخدمة رسميًا
كل هذا بجانب تصنيعها أول قارب إسعاف؛ ففي يوليو 2025 احتفلت الترسانة بالدخول الرسمي لأول قارب إسعاف بحري تم بناؤه في مصر للخدمة بنجاح، وهو الأول من نوعه الذي يتم تطويره محليًا ويدخل الخدمة لدى هيئة الإسعاف المصرية، وتم بناؤه وفقًا لأعلى المعايير الفنية والطبية، وهو مُجهز بأنظمة طوارئ متطورة وتقنيات حديثة لإنقاذ الأرواح. ويمثل هذا القارب خطوةً رائدةً في جهود مصر لتعزيز بنيتها التحتية الطبية البحرية.
القارب صُمم وبُني بالكامل في مصر بخبرات مصرية، وفقًا للمواصفات الطبية والبحرية الدولية، وهو مُخصص لخدمة رواد الشواطئ، وزوار الموانئ، والمرافئ، ومناطق اليخوت، كما أنه مُجهز للاستجابة لحالات الطوارئ التي تشمل سفن الركاب، والسفن التجارية العابرة للمياه الإقليمية المصرية، ومنصات النفط العائمة.
ويساهم القارب في توسيع خدمات الهيئة المصرية للإسعاف لتغطي البر والبحر والنهر، مما يضمن وصول هذه الخدمة العامة الحيوية إلى المحتاجين أينما كانوا، ويبلغ طول القارب 13 مترًا وعرضه 4 أمتار، ويتسع لنقل ما يصل إلى أربعة مرضى أو مصابين بالإضافة إلى الطاقم الطبي والملاحي.
وهو مزود بثلاثة محركات تُمكنه من الوصول إلى سرعة 35 عقدة، وهو مستوى أداء مُصمم خصيصًا لدوره الحيوي في الاستجابة لحالات الطوارئ، السفينة مجهزة بأنظمة ملاحة وسلامة بحرية حديثة، بالإضافة إلى معدات طبية شاملة ضرورية لعمليات الإنقاذ، تشمل إمدادات الأكسجين، وأجهزة مراقبة العلامات الحيوية، وأجهزة التنفس الاصطناعي، ومعدات لإخراج المرضى وتثبيتهم من الماء أو السفن الأخرى، ومجموعة كاملة من أدوية الطوارئ. ويقودها فريق طبي وملاحي عالي التدريب، قادر على الاستجابة بفعالية لمجموعة واسعة من حالات الطوارئ.

كسر الاحتكار الإقليمي: صيانة وتعديل أوناش "ماريدايف" العملاقة محلياً
وتسعى الترسانة دائمًا إلى استغلال الورش الضخمة والأوناش الموجودة لديها في خدمة قطاعات الطاقة والمصانع القومية، مثلما قامت بعملية صيانة وتركيب ونش رئيسي حمولة 80 طنًا للوحدة "ماريدايف 602"، وهي العملية الأولى والفريدة من نوعها على مستوى ترسانات الشرق الأوسط؛ فكان من المقرر لها التنفيذ بإحدى الدولتين مالطا أو تركيا، ولكن الترسانة رأت أنها بإمكانها إجراء عملية الصيانة والتركيب بداخلها وهو ما نجحت فيه بالفعل خلال يوليو وأغسطس ٢٠٢٤، وقامت بعملية التعديل المطلوبة وإرساء دعائم تثبيت كرين رئيسي طراز Liebherr (BOS 4200-60 Diesel LIT) حمولة 80 طنًا، وإنشاء ورفع وتثبيت منصة تحميل البومة الرئيسية، وتثبيت طلمبة الحفظ ضد الإمالة Anti-Heeling Pump بكامل منظومة الخطوط التابعة وعمل التعديلات اللازمة للخطوط الملحقة، وتصنيع وخراطة وتثبيت كوبلنج التعشيق الخاص بأحد أعمدة الرفاص لتعذر توفير البديل الجديد خلال مدة الإسناد، وجميعها قد تم تحت الإشراف الكامل لهيئة الإشراف الأمريكية ABS ونجاح أعمال اختبارات منظومة الونش في وجود الميكر.
كما نجحت الترسانة في إنجاح عملية رفع وتثبيت منظومة مد الكابلات والمواسير البحرية على الوحدة "مايو" التابعة لشركة خدمات البترول البحرية PMS خلال يوليو 2024.
قلعة الاقتصاد الأزرق: كيف تحولت "ترسانة بورسعيد" إلى مركز إقليمي لصناعة السفن بأيادٍ مصرية؟
تشهد صناعة النقل والخدمات البحرية في مصر تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق، تقوده الترسانات البحرية المصرية، وفي مقدمتها ترسانة بورسعيد البحرية التابعة لإدارة الترسانات بهيئة قناة السويس.
تأسست هذه القلعة الصناعية قبل أكثر من قرن ونصف لتأمين صيانة المجرى الملاحي، وتحولت خلال العقد الأخير إلى مركز إقليمي رائد لبناء السفن، وقاطرات أعالي البحار، والقطع البحرية المتطورة بأيادٍ وتصميمات مصرية خالصة بنسبة 100%.

شريان بورفؤاد: بنية تحتية عملاقة بموقع استراتيجي فريد
وتعد ترسانة بورسعيد البحرية واحدة من أهم وأعرق الترسانات بمنطقة الشرق الأوسط، وهي تتمتع بموقع استراتيجي شديد الأهمية عند المدخل الشمالي لقناة السويس بمدينة بورفؤاد.
وتم البدء بإنشاء الترسانة بالتوازي مع بداية تأسيس الشركة العالمية لقناة السويس البحرية عام 1869، وخلال فترة عملها الطويلة اكتسبت الترسانة خبرة كبيرة في مجال إصلاح السفن، حتى جاء عام 1960 فتم تطوير الترسانة وإضافة مجال بناء السفن.
وتشغل الترسانة مساحة يابسة إجمالية تبلغ 437,000 متر مربع، من بينها 70,500 متر مربع مخصصة للورش التخصّصية والمجمعات الصناعية.
ووفقًا للموقع الرسمي لهيئة قناة السويس ودليل إدارتها الفنية، تمتلك الترسانة أرصفة إصلاح مجهزة يبلغ طولها الإجمالي 1200 مترًا بأعماق تصل إلى 13 متراً. كما تدعم عملياتها أسطولا من الروافع البحرية العائمة التي تصل قدراتها الإجمالية إلى 500 طن، بجانب أوناش خدمة على الأرصفة تصل قدرتها إلى 60 طنًا.
ولتعزيز قدراتها الاستيعابية، تعتمد الترسانة على 4 أحواض عائمة تخدم القطع البحرية التابعة للهيئة وللعملاء الدوليين والمحليين بطاقة رفع تصل إلى 35 ألف طن، أولها حوض "فخر القناة"، والذي يعد أحدث الأحواض المنضمة للخدمة منذ عام 2023 بحمولة استيعابية ضخمة تبلغ 35,000 طن، وطول 260 مترًا، وعرض صافي 50 مترًا، وأقصى غاطس فوق بلوكات التدشين 10 أمتار ومجهز بونشين حمولة 40 طناً.
أما الحوض العائم الثاني فهو "عيد النصر" والذي يعمل منذ عام 1961 بحمولة رفع 25,000 طن، وطول 230 متراً، وعرض 35 مترًا، وغاطس 9.7 أمتار، وهناك الحوض العائم "السلام"، والذي يعمل منذ عام 1979 بحمولة 10,000 طن، وطول 185 مترًا، وعرض 28 مترًا، وغاطس 8.5 أمتار، ويطلق على الحوض العائم الرابع اسم "بورسعيد" ويعمل منذ عام 2001 بحمولة 5,000 طن، وطول 120 مترًا، وعرض 21.5 متر، وغاطس 6 أمتار.

وتمتلك الترسانة 5 رافعات (أوناش) عائمة تصل حمولتها إلى 500 طن، بالإضافة إلى أكثر من 60 ونشاً أرضياً وعلوياً تصل قدرة الرفع فيها إلى 60 طناً، على رأسها الرافعة "إنقاذ بهجت" بقدرة رفع 500 طن، والرافعة "بدوي" بقدرة 100 طن، والرافعة "عملاق" بقدرة 200 طن، والرافعة "خليفة" بقدرة 400 طن.
وتضم الترسانة ورش الآلات والخراطة، وبها ماكينات حديثة تعمل بالتحكم الرقمي (CNC) لخرط الأجزاء الكبيرة والعملاقة بدقة فائقة وتصنيع قطع الغيار، بالإضافة إلى المسبك وورشة الحدادة لتصنيع المسبوكات المعدنية من سبائك النحاس والحديد الزهر الرمادي وأعمال الحديد المطروق، وورشة إصلاح الهياكل الفولاذية لإصلاح وتجديد الهياكل الفولاذية بسرعة، مع استخدام ماكينات قطع البلازما الرقمية (Plasma CNC).
هذا بجانب ورش الميكانيكا والأنابيب لصيانة المحركات الرئيسية والمساعدة، وتصنيع واختبار خطوط الأنابيب هيدروليكياً حتى 400 بار، والورش الكهربائية لإعادة لف المواتير الكهربائية والمولدات حتى 400 كيلوواط، واختبار الأحمال حتى 1.5 ميجاواط، وورشة الطلاء واللفح الرملي لتجهيز وطلاء السفن وحمايتها.
وتقدم الترسانة خدمات الإنقاذ البحري والأعمال تحت الماء من خلال امتلاك فريق داخلي متخصص مجهز لعمليات الإنقاذ السريع، بالإضافة إلى تقديم خدمات الفحص والإصلاح واللحام تحت الماء وتصوير ومعاينة السفن تحت الماء كبديل للأحواض الجافة بالتنسيق مع غواصين معتمدين من منظمة IMCA.
10 سنوات من الإنجازات: من الاكتفاء الذاتي إلى غزو أسواق التصدير
وفقًا لسجلات إدارة الترسانات وقطاع بناء السفن بالهيئة، نجحت الترسانة خلال السنوات العشر الأخيرة في تحقيق طفرة إنتاجية شملت خمسة محاور رئيسية؛ في مقدمتها بناء القاطرات العملاقة من سلسلة "بركة" بقوة شد 160 طناً، وسرعة 17.5 عقدة بحرية، وطول 69.2 متر، وعرض 15.5 متر، وعمق 7.4 أمتار، وغاطس 6.4 أمتار، وإجمالي حمولة الوزن الساكن 2320 طن، وأربعة محركات ديزل بقدرة 3990 حصان لكل منها عند 600 دورة في الدقيقة (rpm)، ومدى بحري يصل إلى 6000 ميل بحري.
وهناك سلسلة "مصاحب"، وتتميز قاطرات مصاحب بقوة شد تصل إلى 70 طنًا، وبطول 35.87 متر، وعرض 12.5 متر، وغاطس 3.35 متر، وسرعة 13 عقدة، مدعومة بمحركات ألمانية متطورة من طراز (Voith). ومن أبرز الوحدات التي تم بناؤها القاطرة "عبد الحميد يوسف"، والقاطرة "مصطفى محمود"، والقاطرة "علي شلبي"، بالإضافة إلى القاطرة "لطفي جاد الله" التي شُيدت لصالح القوات البحرية المصرية.
وسلسلة "RAstar 3200" بقوة شد تصل إلى 75 طن، وسرعة 13 عقدة، وطول 32 متر، وعرض 12.8 متر، وغاطس 6 أمتار؛ حيث تولت الترسانة بناء سلسلة حديثة من القاطرات البحرية لتدعيم أسطول الهيئة ومواكبة السفن والناقلات الضخمة العابرة للقناة.

إعجاز الـ 90 يوماً.. أرقام قياسية في صناعة عبّارات المستقبل
الترسانة حققت أرقاماً قياسية بتصميم وتصنيع وبناء أكبر معديتين لنقل الركاب والسيارات بين ضفتي القناة (بورفؤاد وبورسعيد)، وهما "تحيا مصر 1" و"تحيا مصر 2". وتم الانتهاء من العمليات بالكامل —بدءًا من الفكرة والتصميم وحتى التدشين الفعلي— في 90 يومًا فقط؛ وتبلغ حمولة المعدية الواحدة 140 طنًا، بطول 43 مترًا، وتستوعب 32 سيارة و266 راكبًا.
وتمتلك ترسانة بورسعيد البحرية إمكانيات متقدمة في بناء وتطوير معديات السيارات عبر سلسلتين رئيسيتين؛ وتأتي في مقدمتها "سلسلة معديات السيارات حمولة 210 أطنان"، والتي تتميز بطول يبلغ 57 متراً، وعرض 15 متراً، وغاطس يصل إلى 1.4 متر، وتعمل بمحركي ديزل بقدرة 400 حصان لكل منهما لتصل سرعتها إلى 7 عقد بحرية، كما تم تزويدها بنظام دفع متطور من نوع (V.S.P) لضمان أعلى مستويات المناورة.
كما تقدم الترسانة "سلسلة معديات السيارات حمولة 320 طن" ذات السعة الأكبر، والتي يصل طولها إلى 64 متراً مع الحفاظ على عرض 15 متراً وبغاطس 1.5 متراً، وتعتمد هذه السلسلة على محركين بالقدرة ذاتها (400 حصان لكل منهما) يحققان سرعة تبلغ 8 عقد بحرية، مدعومة بنظام دفع ذو توجيه سمتي (ASD)، مما يعكس الكفاءة الهندسية والتكنولوجية العالية التي تتبناها الترسانة لتلبية احتياجات النقل البحري الحديث بكفاءة وأمان.

توطين صناعة الصيد.. خطة قومية لغزو أعالي البحار
ومع اتجاه الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة لتوطين صناعة الوحدات البحرية وتطوير أسطول الصيد المصري، أشرفت الترسانة وشاركت في بناء أساطيل حديثة، شملت في مرحلتها الأولى بناء 10 سفن صيد عبر "شركة القناة للإنشاءات البحرية" و7 سفن عبر "شركة الأعمال الهندسية البورسعيدية" تحت المظلة الفنية للهيئة. كما أعلنت الهيئة رسميًا عن البدء في مشروع بناء 50 سفينة صيد جديدة متطورة داخل ترسانة بورسعيد، بالتوازي مع التوسع في بناء سفن صيد أعالي البحار بالتعاون مع ترسانة البحر الأحمر.
في سابقة هي الأولى من نوعها لترسانات الهيئة، نجح مهندسو وعمال ترسانة بورسعيد في بناء وتصنيع مقدمة سفينة حاويات بالكامل وفقًا لأعلى المعايير والاشتراطات الملاحية العالمية المعترف بها دوليًا، وهو إنجاز تضافر مع دخول الحوض العائم الجديد "فخر القناة" للخدمة لتسهيل عمليات المحمل والإصلاح والبناء التكميلي.
صُنِع في مصر.. الترسانة تقتحم أسواق التصدير العالمية
انتقلت الترسانة إلى مرحلة التصنيع بغرض التصدير؛ حيث يجري العمل حاليًا على تنفيذ مشروع ضخم لبناء 10 قاطرات بحرية متطورة بقوة شد تصل إلى 80 طنًا، مخصصة بالكامل للتصدير الخارجي ولحساب عملاء دوليين، مما يعكس ثقة السوق الملاحي العالمي في معايير الجودة والتصنيع المصرية.
جودة بلا حدود.. منظومة متكاملة متوجة بالاعتمادات الدولية
لا تقتصر قدرات الترسانة على بناء الهياكل، بل تضم ورشًا تخصصية متكاملة تشمل: مسبك وحدادة، تشغيل معادن وتصنيع قطع الغيار، قطاع الكهرباء، صيانة محركات الديزل، وقسم التركيبات الميكانيكية والمواسير، بالإضافة إلى تقديم خدمات الجودة والاختبارات غير الإتلافية (NDT) للتأكد من سلامة البدن واللحامات.
وحصلت ترسانة بورسعيد البحرية على عددًا من الاعتمادات الدولية والشهادات الدولية في مجالات الإدارة والسلامة، وعلى رأسها شهادة ISO 9001:2015 في مجال جودة صيانة وإصلاح الوحدات البحرية، وشهادة ISO 45001:2018 في مجال نظام إدارة السلامة والصحة المهنية.
لتؤكد ترسانة بورسعيد البحرية مجددًا أنها ليست مجرد مرفق معاون لقناة السويس، بل هي عصب صناعي متكامل يقود قاطرة الاقتصاد الأزرق في مصر نحو آفاق عالمية.
«ترسانة السويس البحرية».. عصب الهندسة وملاذ السفن في قلب الممرات الملاحية
عند المدخل الجنوبي لقناة السويس، حيث تتقاطع مسارات الملاحة الدولية القادمة من شرق العالم وغربه، يرتفع مشهد الأوناش العملاقة وتدوي أصوات تشكيل الفولاذ داخل واحدة من أقدم القلاع الصناعية في الشرق الأوسط. إنها "شركة ترسانة السويس البحرية" والتسهيلات المرتبطة بها في بورتوفيق؛ هذه الشركة، التي تُعد ركيزة استراتيجية تابعة لهيئة قناة السويس، لا تمثل مجرد ورشة لإصلاح السفن، بل هي عصب هندسي متكامل يضمن سلامة واستمرار تدفق حركة التجارة العالمية عبر شريان القناة.
من الحوض الخديوي إلى شهادات الجودة العالمية: مائة وستون عامًا من السيادة البحرية
تمتد الجذور التاريخية لترسانة السويس إلى عام 1862، إذ أُنشئت في عهد الخديوي إسماعيل وعُرفت آنذاك باسم "الحوض الخديوي"، وجرى افتتاح حوضها الجاف رسميًا عام 1866م ليتولى رعاية سفن الأسطول المصري العسكري والتجاري، وسفن شركة العزيزية الملاحية.

ومع تطور الاحتياجات الجيوسياسية والاقتصادية لمصر، انضمت الترسانة رسميًا إلى عائلة الشركات التابعة لهيئة قناة السويس في عام 1963، لتتحول من مجرد حوض إقليمي إلى قلعة صناعية مواكبة لأحدث النظم البحرية العالمية. واليوم، لا تتعامل الترسانة مع السفن والناقلات العابرة إلا بلغة المعايير القياسية الدولية الفائقة.
وتتويجًا لتطوير منظومتها الفنية والإدارية، حازت الشركة على سلسلة من الاعترافات والشهادات الدولية الموثقة؛ إذ تمتلك نظام إدارة جودة معتمد دوليًا من هيئة الإشراف النرويجية (DNV) وفق المعيار الدولي (ISO 9001)، بالإضافة إلى شهادة السلامة والصحة المهنية (OHSAS 18001).
ولأن فحص أبدان السفن يتطلب دقة هندسية صارمة لمنع أي تسرب أو حوادث بحرية، نالت الترسانة اعتمادات رسمية خاصة كشركة معتمدة لقياس ثخانة بدن السفن، وإجراء الاختبارات غير الإتلافية (NDT) من كبرى هيئات الإشراف والتحكيم البحري في العالم، وعلى رأسها: هيئة الإشراف الأمريكية (ABS)، هيئة الإشراف البريطانية (Lloyd's Register)، هيئة الإشراف الفرنسية (Bureau Veritas - BV)، وهيئة الإشراف الإيطالية (RINA).

التكنولوجيا الفائقة في بورتوفيق: من روافع الأطنان إلى ثورة "الفيبرجلاس"
تتكامل الأنشطة التشغيلية لشركة ترسانة السويس البحرية مع التسهيلات المباشرة لترسانة بورتوفيق البحرية، مما يمنح الميناء الجنوبي قدرة فائقة على المناورة اللوجستية والفنية من خلال منشآت متطورة.
وتضم هذه المنشآت "رافع السفن الميكانيكي" (Synchrolift) الذي يُعد القلب النابض لعمليات الإصلاح السريعة بالترسانة؛ وهو نظام رفع ميكانيكي هندسي دخل الخدمة عام 1990م، ويمتلك قدرة رفع صافية تصل إلى 2000 طن. ويبلغ طول هذا الرافع العملاق 60 متر، بينما يصل صافي عرضه الداخلي إلى 20 مترًا، مما يسمح بنقل السفن والعائمات من الماء إلى ساحات الصيانة الجافة بسلاسة وأمان تام.
و واكبت الترسانة التطور العالمي في صناعة بناء السفن الخفيفة عبر إنشاء مصنع متطور ومتخصص في تصنيع وصيانة لنشات وقوارب "الفيبرجلاس" (الألياف الزجاجية GRP)، وهي تقنية تمنح الوحدات البحرية خفة في الوزن ومقاومة عالية للتآكل والملوحة. وفي الوقت ذاته، تمتلك الورش الفنية بالترسانة خبرات ميكانيكية متقدمة مكنتها من التفرد بصيانة وتعمير مختلف أنواع الرفاصات الحديثة وأنظمة الدفع والتوجيه المعقدة، مثل المنظومات من طراز: (Z-Drive و CPP و FPP و VOITH).

ما وراء الصيانة: البناء العملاق والصناعات الثقيلة بأيادٍ مصرية.
لا تكتفي ترسانة السويس بإعادة الحياة إلى السفن العاطلة، بل يمتد نشاطها إلى قطاع البناء البحري والهندسي الثقيل؛ فيمتلك قطاع بناء السفن بالشركة القدرة الفنية على بناء وتشييد وحدات بحرية كاملة بطول يصل إلى 60 مترًا وعرض يصل إلى 15 مترًا كحد أقصى. وتخضع جميع مراحل التصميم والبناء لإشراف صارم من إدارة مراقبة الجودة بالشركة لضمان مطابقتها للمواصفات الدولية المعمول بها.
وتتسع المظلة الإنتاجية للشركة لتشمل حزمة من الصناعات المغذية والإنشائية؛ فبرعت الترسانة في صيانة وتطوير معدات التكريك والكراكات العملاقة التابعة لهيئة قناة السويس لضمان كفاءة أعماق المجرى الملاحي، بالإضافة إلى تصنيع الخزانات البترولية والمائية الضخمة ذات السعات الكبيرة، وتصميم وتصنيع الإنشاءات المعدنية المعقدة، شبكات المواسير الصناعية، الكباري المعدنية، وخطوط الطرد الخاصة بمحطات المياه والصرف والغاز.
شريان لا ينضب: الترسانة العريقة ثبات راسخ وسط أمواج التحديات الدولية.
واليوم، ووسط التحديات الكبيرة التي يعيشها العالم من إغلاق للمضائق وتوترات في الموانئ، تظل هذه الترسانة العريقة كما كانت منذ القرن التاسع عشر حارس المدخل الجنوبي الأمين، وشريان العطاء الهندسي الذي لا ينضب في خدمة الملاحة الإقليمية والعالمية.
اقرأ أيضا:
من سفاجا إلى العالمية.. قاطرات «عزم» وسفن «رزق» تقود خطة مصر لتوطين وتصدير الصناعات البحرية
سيادة بحرية بأياد مصرية.. ترسانة الإسكندرية تقود قطار توطين الصناعات الثقيلة
قلعة الاقتصاد الأزرق.. كيف تحولت «ترسانة بورسعيد» إلى مركز إقليمي لصناعة السفن بأيادٍ مصرية؟
«ترسانة السويس البحرية».. عصب الهندسة وملاذ السفن في قلب الممرات الملاحية
Short Url
%73 من المتضررين يلومون تكلفة المعيشة.. تغير في خريطة استهلاك الأسر
15 يوليو 2026 11:26 ص
7.47 تريليون دولار أرباح قطاع الضيافة في 2025 والسعودية أكبر سوق في الشرق الأوسط
14 يوليو 2026 06:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً