سيادة بحرية بأياد مصرية.. ترسانة الإسكندرية تقود قطار توطين الصناعات الثقيلة
الإثنين، 13 يوليو 2026 01:00 م
ترسانة الإسكندرية
إيمان البصيلي
لم يكن حلم توطين الصناعات البحرية في مصر، والتحول من ورش صغيرة لصيانة وإصلاح السفن إلى ترسانة إقليمية كبيرة، وليد اللحظة أو الصدفة؛ فأول خطوات الحلم بدأت منذ زمن بعيد مع تطوير شركة ترسانة الإسكندرية، رائدة صناعة وإصلاح السفن في مصر والشرق الأوسط وأحد أكبر قلاع الصناعات الثقيلة، وبناء وحدات بحرية حتى حمولة 57 ألف طن.
وبنت الترسانة كل أنواع السفن بمختلف أحجامها لخدمة شتى القطاعات العاملة في المجال البحري، مثل السفن التجارية كسفن البضائع الصب والسفن العامة، والسفن متعددة الأغراض المزودة بنظام نقل البضائع المدحرجة (RoRo) ذي الطابقين، وسفن شحن البضائع المدحرجة، وسفن نقل البضائع السائبة، بالإضافة إلى أكبر سفينة بُنيت في مصر على الإطلاق، وهي سفينة "قنا/دمياط" التي تبلغ حمولتها الإجمالية 38500 طن، والقاطرات، وبارجات نيلية، وناقلات ماء ووقود، بالإضافة إلى السفن الحربية مثل الفرقاطات، واللنشات السريعة، وقوارب كباري الاقتحام، والوحدات البحرية الخاصة مثل الحفارات، ومنصات الإعاشة البحرية، والعبارات.

شريان اللوجستيات: كيف تخدم الترسانة خطوط التجارة والطاقة؟
وتتمثل القيمة الاستراتيجية لشركة ترسانة الإسكندرية في قدرتها على توزيع خطوط إنتاجها وهندستها العكسية لتلبية احتياجات عملاء من طرازات وطبقات تشغيلية متباينة تمامًا في نفس الوقت؛ فلديها تعاقدات مع القوات البحرية المصرية (المحور العسكري الإستراتيجي)، وتعاقدات مع الهيئة العامة لميناء الإسكندرية (محور اللوجستيات والموانئ)، وتعاقدات مع هيئة قناة السويس (محور تأمين المجرى الملاحي العالمي) وتعاقدات مع قطاع النقل التجاري والنهري (محور التجارة الداخلية والـ Ro-Ro)، وتعاقدات مع الشركات البترولية والصناعات الثقيلة (القطاع المدني والهندسي).
منظومات تكنولوجية متطورة: "الإسماعيلية" تعزز أمان المجرى الملاحي العالمي
وفي إطار تعاقدها مع هيئة قناة السويس، دشنت الترسانة في ديسمبر 2025 قاطرة الإنقاذ “الإسماعيلية 2” طراز (N 113)، وهي أحدث وأكبر قاطرات الإنقاذ بالشرق الأوسط بقوة شد 190 طنًا، وهي القاطرة الثانية ضمن قاطرتي الإنقاذ اللتين تبنيهما الشركة لصالح هيئة قناة السويس، ويبلغ طول القاطرة الواحدة 71.6 متر، وعرضها 18.5 متر، بغاطس ٧ أمتار، وسرعة 16 عقدة.
ودُشنت القاطرة الأولى "الإسماعيلية 1" في يونيو 2025، وتتميز القاطرتان بأنهما الأحدث والأكبر في تاريخ الأسطول البحري للهيئة، فهي تمتاز بقوة شد كبيرة تفوق قوة شد أكبر قاطرات الإنقاذ بالهيئة، كما تتميز بتجهيزها بمنظومة DP التي تتيح لها سهولة المناورة أثناء التعامل مع الوحدات الخارجية، كما يمكنها نظام SCR من تنقية العادم من الكربون.

تطوير الموانئ المحلية: أربع قاطرات حديثة تعزز أسطول الإسكندرية
كما صنعت الترسانة عددًا من القاطرات لصالح الهيئة العامة لميناء الإسكندرية؛ ففي الأول من يناير 2025، سلمت الترسانة القاطرة "يوسف" إلى هيئة ميناء الإسكندرية بقوة شد 70 طنًا، وهي القاطرة الرابعة والأخيرة التي تسلمتها الهيئة من إجمالي 4 قاطرات تم بناؤها داخل شركة ترسانة الإسكندرية.
أما القاطرة الثالثة "مختار" فسلمتها الترسانة في منتصف أكتوبر ٢٠٢٤، فيما سلمت القاطرة الثانية "هداية" في الأول من أغسطس ٢٠٢٤، والقاطرة الأولى "درويش" فتسلمتها هيئة ميناء الإسكندرية في 26 يونيو 2023، وجميعهم بقوة شد ٧٠ طنًا.
سفن "الرورو" الوطنية: حلول ذكية للنقل التجاري والعسكري
ولدعم الأسطول التجاري البحري المصري، سلمت الترسانة في 2025 سفينة الدحرجة "الحرية ٣" من طراز (Ro-Ro)، وذلك بعد الانتهاء من كافة التعديلات المطلوبة ونجاح تجارب الإبحار النهائية وإصدار كافة شهادات السفينة الحتمية، وتعد "الحرية 3" إحدى أبرز النجاحات لشركة ترسانة الإسكندرية خلال الفترة الماضية نظرًا لنجاح الشركة في إعادة تأهيل وتجهيز السفينة بعد فترة توقف طويلة.
وتعتمد سفن الرورو على آلية تحميل وتفريغ عبر منحدرات، مما يتيح دخول وخروج المركبات مثل السيارات والشاحنات والحافلات والمقطورات وحتى الدبابات والمدرعات. وهي واحدة من ثلاث سفن شقيقة أنجزتها ترسانة الإسكندرية من ذلك النوع، وهي: الحرية، والحرية 2، والحرية 3؛ بهدف تقديم خدمة نقل بحري متطورة خاصة في المجالات التجارية والعسكرية.
وتتميز السفينة "الحرية 3" بمواصفات تقنية متقدمة؛ فيبلغ طولها 173 مترًا، وعرضها 25 مترًا، وتصل سرعتها إلى 16 عقدة، كما توفر قدرة استيعابية هائلة تشمل مقطورات تصل إلى 103 مقطورات، وسيارات ركاب تصل إلى 641 سيارة، وكذلك حاويات بسعة 755 حاوية (تشمل حاويات مبردة) بإجمالي حمولة تصل إلى 8899 طنًا.
كما قامت الترسانة بتصنيع وتسليم 6 بارجات نيلية بحمولة 800 طن للبارجة الواحدة لصالح شركة النيل للنقل النهري؛ لإنعاش حركة نقل البضائع عبر نهر النيل وتخفيف الضغط على الطرق البرية.

السيادة العسكرية: "الجبار" أول فرقاطة تُصنع بأيادٍ مصرية 100%
وفي إطار تعاونها مع القوات البحرية المصرية، دشنت الترسانة في ديسمبر 2023 الفرقاطة المصرية "الجبار" (F 910) طراز ميكو A200، والتي صُنعت بالكامل بأيادٍ مصرية وفي قلب ترسانة الإسكندرية لصالح البحرية المصرية، وهي أول فرقاطة تُبنى في مصر وبموجب ترخيص من شركة (ThyssenKrupp Marine Systems - TKMS) الألمانية.
وتعد "الجبار" هي الفرقاطة الرابعة والأخيرة من طراز ميكو A200 من ضمن الفرقاطات التي طلبتها مصر من الشركة الألمانية، على أن يتم تصنيع 3 منها في ألمانيا وتنقل الشركة التكنولوجيا الخاصة بصناعة الفرقاطة بالكامل لمصر حتى يتم تصنيع الفرقاطة الأخيرة داخل ترسانة الإسكندرية بأيادٍ مصرية 100%.
وفي نوفمبر 2022، وصلت الفرقاطة الأولى "العزيز" (F 904) إلى القاعدة العسكرية البحرية بالإسكندرية، وفي مايو 2023 تم تسليم الفرقاطة الثانية "القهار" (F 905)، وفي ديسمبر 2023 تم تسليم الفرقاطة الثالثة "القدير" (F 909).
يعتمد تصميم MEKO A200 على عائلة MEKO من السفن الحربية، وهي سفن معيارية وقابلة للتكيف صممتها شركة الأنظمة البحرية الألمانية Thyssen Krupp، وتشتهر هذه الفرقاطات بمرونة تصميمها، مما يسمح للقوات البحرية المختلفة بتخصيصها لتلبية احتياجاتها الخاصة.
يبلغ طول الفرقاطات 121 مترًا، وعرضها 16.4 مترًا، وغاطسها 4.4 أمتار، ويتم تشغيل الفرقاطات التي تزن 3700 طن بواسطة نظام دفع CODAG (مزيج من التوربينات الغازية والديزل)، والذي يتكون من توربين غازي GE LM2500 ومحركي ديزل MTU 16V 1163 TB93، مما يمنح السفينة سرعة قصوى تبلغ 28 عقدة، وقدرة على الإبحار لمسافة تصل إلى 7,200 ميل بحري.

خط إنتاج طراز (ASD): تعاون كندي-مصر يثمر عن "رأس الحكمة"
أما قاطرة "رأس الحكمة" ذات محرك الدفع الخلفي (ASD) من فئة RASTR 3200، فهي القاطرة الأولى التي سلمتها ترسانة الإسكندرية في يونيو 2025 إلى القوات البحرية المصرية، وتُعد هذه القاطرة الأولى من أصل ثلاث قاطرات يتم بناؤها لصالح البحرية المصرية في حوض بناء السفن بالإسكندرية بالتعاون مع هيئة التصنيف الفرنسية Bureau Veritas (BV).
ودشنت الترسانة القاطرتين "رأس بناس" و"رأس محمد" استعدادًا لتسليمهما خلال المرحلة المقبلة للقوات البحرية، وتتميز القاطرات الثلاث من طراز أزيموث (RASTR 3200) ASD بتكلفتها التنافسية، وقدرتها العالية على السحب التي تصل إلى 85 طنًا، بالإضافة إلى قدرتها الفائقة على المناورة والتحكم. كما أنها مجهزة بأحدث الأنظمة والمعدات من كبرى الشركات العالمية المصنعة في الصناعة البحرية، مثل محركات MTU الألمانية، ورفاصات وأوناش سطح من تصنيع كونجسبرج النرويجية.
وتعد هذه القاطرات أولى ثمار خط الإنتاج الجديد الذي دشنته ترسانة الإسكندرية لبناء ذلك الطراز المتميز من القاطرات لأول مرة بالترسانات المصرية بالتعاون مع مكتب التصميم الكندي “روبرت ألان”.
وتسعى الترسانة إلى توسيع نطاق استخدام قاطرات طراز ASD في جميع الموانئ المصرية نظرًا لأسعارها التنافسية التي تقل بنسبة 30-40% عن القاطرات المستخدمة حاليًا، كما أنها توفر حوالي 50% من تكاليف العملات الأجنبية، بالإضافة إلى أدائها القوي وسهولة مناورتها والتحكم فيها، فضلًا عن تجهيزاتها من كبرى الشركات المصنعة العالمية.
وتهدف الترسانة لتسويق القاطرة بالأسواق العالمية في سبيل تعزيز قوة الدولة التصديرية والعمل على زيادة مصادر الدخل بالعملة الصعبة كهدف رئيسي خلال المرحلة المقبلة.

الأول من نوعه محلياً: قارب الإسعاف البحري يدخل الخدمة رسميًا
كل هذا بجانب تصنيعها أول قارب إسعاف؛ ففي يوليو 2025 احتفلت الترسانة بالدخول الرسمي لأول قارب إسعاف بحري تم بناؤه في مصر للخدمة بنجاح، وهو الأول من نوعه الذي يتم تطويره محليًا ويدخل الخدمة لدى هيئة الإسعاف المصرية، وتم بناؤه وفقًا لأعلى المعايير الفنية والطبية، وهو مُجهز بأنظمة طوارئ متطورة وتقنيات حديثة لإنقاذ الأرواح. ويمثل هذا القارب خطوةً رائدةً في جهود مصر لتعزيز بنيتها التحتية الطبية البحرية.
القارب صُمم وبُني بالكامل في مصر بخبرات مصرية، وفقًا للمواصفات الطبية والبحرية الدولية، وهو مُخصص لخدمة رواد الشواطئ، وزوار الموانئ، والمرافئ، ومناطق اليخوت، كما أنه مُجهز للاستجابة لحالات الطوارئ التي تشمل سفن الركاب، والسفن التجارية العابرة للمياه الإقليمية المصرية، ومنصات النفط العائمة.
ويساهم القارب في توسيع خدمات الهيئة المصرية للإسعاف لتغطي البر والبحر والنهر، مما يضمن وصول هذه الخدمة العامة الحيوية إلى المحتاجين أينما كانوا، ويبلغ طول القارب 13 مترًا وعرضه 4 أمتار، ويتسع لنقل ما يصل إلى أربعة مرضى أو مصابين بالإضافة إلى الطاقم الطبي والملاحي.
وهو مزود بثلاثة محركات تُمكنه من الوصول إلى سرعة 35 عقدة، وهو مستوى أداء مُصمم خصيصًا لدوره الحيوي في الاستجابة لحالات الطوارئ، السفينة مجهزة بأنظمة ملاحة وسلامة بحرية حديثة، بالإضافة إلى معدات طبية شاملة ضرورية لعمليات الإنقاذ، تشمل إمدادات الأكسجين، وأجهزة مراقبة العلامات الحيوية، وأجهزة التنفس الاصطناعي، ومعدات لإخراج المرضى وتثبيتهم من الماء أو السفن الأخرى، ومجموعة كاملة من أدوية الطوارئ. ويقودها فريق طبي وملاحي عالي التدريب، قادر على الاستجابة بفعالية لمجموعة واسعة من حالات الطوارئ.

كسر الاحتكار الإقليمي: صيانة وتعديل أوناش "ماريدايف" العملاقة محلياً
وتسعى الترسانة دائمًا إلى استغلال الورش الضخمة والأوناش الموجودة لديها في خدمة قطاعات الطاقة والمصانع القومية، مثلما قامت بعملية صيانة وتركيب ونش رئيسي حمولة 80 طنًا للوحدة "ماريدايف 602"، وهي العملية الأولى والفريدة من نوعها على مستوى ترسانات الشرق الأوسط؛ فكان من المقرر لها التنفيذ بإحدى الدولتين مالطا أو تركيا، ولكن الترسانة رأت أنها بإمكانها إجراء عملية الصيانة والتركيب بداخلها وهو ما نجحت فيه بالفعل خلال يوليو وأغسطس ٢٠٢٤، وقامت بعملية التعديل المطلوبة وإرساء دعائم تثبيت كرين رئيسي طراز Liebherr (BOS 4200-60 Diesel LIT) حمولة 80 طنًا، وإنشاء ورفع وتثبيت منصة تحميل البومة الرئيسية، وتثبيت طلمبة الحفظ ضد الإمالة Anti-Heeling Pump بكامل منظومة الخطوط التابعة وعمل التعديلات اللازمة للخطوط الملحقة، وتصنيع وخراطة وتثبيت كوبلنج التعشيق الخاص بأحد أعمدة الرفاص لتعذر توفير البديل الجديد خلال مدة الإسناد، وجميعها قد تم تحت الإشراف الكامل لهيئة الإشراف الأمريكية ABS ونجاح أعمال اختبارات منظومة الونش في وجود الميكر.
كما نجحت الترسانة في إنجاح عملية رفع وتثبيت منظومة مد الكابلات والمواسير البحرية على الوحدة "مايو" التابعة لشركة خدمات البترول البحرية PMS خلال يوليو 2024.
اقرأ أيضًا:
ترسانة الإسكندرية: نسعى لتوطين صناعة السفن وقاطرات الإنقاذ بمصر
هيئة قناة السويس والقوات البحرية يدشنان قاطرة الإنقاذ «الإسماعيلية 1»
Short Url
من 125 إلى 512 مليار دولار.. المشروبات الوظيفية تقود موجة جديدة في صناعة الأغذية
08 يوليو 2026 03:41 م
1.6 مليون متر مربع لاستثمار جديد.. السعودية تستهدف تقليل الواردات بـ «مدينة البن»
05 يوليو 2026 02:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً