الأحد، 05 يوليو 2026

01:50 ص

رقية الأشرم تكتب: الاندماجات الصناعية الكبرى.. حين تتحول الشركات إلى أدوات نفوذ جيوسياسي

السبت، 04 يوليو 2026 10:50 م

رقية الأشرم

رقية الأشرم

لم تعد الاندماجات الصناعية في عالم اليوم مجرد صفقات تجارية تستهدف زيادة الأرباح أو توسيع الحصص السوقية، بل أصبحت أحد أهم أدوات إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية على مستوى العالم، فالدول لم تعد تتنافس فقط عبر الجيوش أو التحالفات السياسية، وإنما عبر امتلاك كيانات صناعية عملاقة قادرة على التحكم في سلاسل الإمداد العالمية ومفاتيح الصناعة والطاقة والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، يبرز تأسيس "مجموعة بروج الدولية" كشاهد جديد على التحول العميق الذي يشهده الاقتصاد العالمي، حيث يجمع هذا الكيان بين خبرات ورؤوس أموال وشبكات صناعية تمتد بين الإمارات وأوروبا وأمريكا الشمالية، في خطوة تتجاوز حدود الاستثمار التقليدي إلى بناء مركز ثقل صناعي عالمي جديد.

وتتخصص المجموعة في إنتاج البولي أوليفينات، وهي المادة التي أصبحت العمود الفقري لعشرات الصناعات الحيوية حول العالم، بداية من التعبئة والتغليف، مروراً بالصناعات الزراعية والطاقة والبنية التحتية، ووصولاً إلى التطبيقات الصناعية المتقدمة. وبعبارة أخرى، فإن هذه المواد تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في غالبية المنتجات التي يستخدمها الإنسان يومياً.


ما يجعل هذه الخطوة أكثر أهمية أن الكيان الجديد مرشح لأن يصبح رابع أكبر شركة عالمية في قطاعه، مستنداً إلى قاعدة معرفية ضخمة تضم نحو 16,500 براءة اختراع وخبرات تقنية وصناعية متقدمة، وهو ما يمنحه قدرة استثنائية على المنافسة في الأسواق العالمية خلال السنوات المقبلة.


لكن القراءة السياسية لهذه الخطوة تكشف أبعاداً أعمق من مجرد التوسع الصناعي. فالعالم يعيش حالياً مرحلة إعادة تشكيل لسلاسل الإمداد بعد سنوات من الاضطرابات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية، وأصبحت الدول تبحث عن تأمين مصادر المواد الخام والمنتجات الاستراتيجية بعيداً عن الاعتماد على مراكز إنتاج محدودة.


ومن هنا تأتي أهمية إنشاء كيانات عابرة للحدود تمتلك التكنولوجيا ورأس المال والقدرة الإنتاجية في آن واحد، فكلما زادت سيطرة شركة على المواد الأساسية الداخلة في الصناعات العالمية، ازدادت قدرتها على التأثير في حركة التجارة الدولية وفي قرارات الاستثمار والإنتاج عبر القارات المختلفة.


ويعكس حجم الاستثمارات المعلن عنها، والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، رؤية طويلة الأجل تستهدف تعزيز النفوذ الصناعي في الأسواق العالمية، مع توقعات بتحقيق عوائد تشغيلية قوية خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع خطط إدراج الكيان في أسواق رأس المال الإماراتية بحلول عام 2027، بما يحوله إلى منصة استثمارية وصناعية عالمية مفتوحة أمام المستثمرين.


السؤال الأهم هنا ليس: كم ستربح هذه الشركة؟ بل: ما حجم النفوذ الذي يمكن أن تمتلكه شركة تساهم منتجاتها في تشغيل قطاعات الصناعة والطاقة والزراعة حول العالم؟.
ففي عصر الاقتصاد الجديد، أصبحت الشركات العملاقة تمتلك من أدوات التأثير ما يوازي أحياناً تأثير الدول نفسها، ومن يسيطر على التكنولوجيا والمواد الأساسية وسلاسل الإمداد، يملك القدرة على رسم جزء من خريطة الاقتصاد العالمي.


لهذا فإن تأسيس مجموعة بروج الدولية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد اندماج صناعي جديد، بل باعتباره نموذجاً لما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الصناعية الحديثة"، حيث تتحول المصانع ومراكز الابتكار وبراءات الاختراع إلى أدوات نفوذ جيوسياسي لا تقل أهمية عن النفط أو الموانئ أو الممرات التجارية الاستراتيجية.


إن العالم يشهد اليوم انتقالاً تدريجياً من صراع الموارد إلى صراع التكنولوجيا والصناعة، ومن ينجح في بناء كيانات صناعية عملاقة قادرة على التحكم في حلقات الإنتاج الأساسية،

Short Url

search