الإثنين، 22 يونيو 2026

10:07 م

رُقية الأشرم تكتب: جهاز المخاطر بين حماية البنوك ودعم الإنتاج.. هل اختلطت المعايير؟

الإثنين، 22 يونيو 2026 06:33 م

رقية الأشرم

رقية الأشرم

مع التطور الذي شهده القطاع المصرفي خلال السنوات الأخيرة، أصبحت قواعد تقييم العملاء والاستعلام الائتماني من الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها البنوك لضمان سلامة التمويل وتقليل نسب التعثر. ويأتي "جهاز المخاطر" أو منظومة الاستعلام الائتماني في مقدمة هذه الأدوات التي تهدف إلى قياس قدرة العميل على السداد قبل منحه التمويل.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يجب تطبيق المعايير نفسها على جميع العملاء دون تفرقة بين المستثمر الكبير وصغار المنتجين والفلاحين والمربين؟، وفي الواقع، هناك فرق جوهري بين حالتين لا يجوز الخلط بينهما. 

الحالة الأولى تخص المستثمر أو صاحب المشروع الكبير الذي يمتلك سجلاً تجارياً وبطاقة ضريبية وميزانيات معتمدة وتاريخاً ائتمانياً واضحاً. هنا يصبح اللجوء إلى أجهزة المخاطر أمراً منطقياً وطبيعياً، لأن التمويل يهدف إلى تحقيق عوائد استثمارية ويحتاج إلى أدوات دقيقة لقياس درجة المخاطرة.

أما الحالة الثانية فتتعلق بصغار الفلاحين والمربين وأصحاب الأنشطة الإنتاجية المحدودة الذين يحصلون على قروض موجهة ومدعومة من الدولة، مثل قروض تسمين الماشية أو تمويل مستلزمات الإنتاج الزراعي. هؤلاء لا يملكون في كثير من الأحيان ملفات مالية معقدة أو سجلات تجارية منظمة، بل إن الهدف الأساسي من تمويلهم هو تمكينهم من الإنتاج وزيادة مساهمتهم في الاقتصاد الوطني.

ومن هنا يبرز التساؤل: كيف يمكن أن نمنح دعماً لفلاح يمتلك ثلاث أو أربع رؤوس ماشية ثم نطالبه بإجراءات ومعايير صُممت أساساً لكبار المستثمرين؟ وكيف نطلب من شخص يسعى للحصول على دعم تنموي أن يقدم الأدلة نفسها التي يقدمها أصحاب الشركات الكبرى؟

إن فلسفة الدعم في الأساس تقوم على مساندة الفئات المنتجة ومساعدتها على الوقوف على أقدامها، وليس تحميلها أعباء إضافية قد تحول بينها وبين الحصول على التمويل. ولذلك فإن مسؤولية تقييم هذه الحالات يجب أن تعتمد بدرجة أكبر على الدراسة الميدانية التي يجريها البنك ومديرو الائتمان والفروع، وعلى معرفة طبيعة النشاط الإنتاجي وقدرته الفعلية على تحقيق العائد.

وفي المقابل، فإن التجربة المصرفية نفسها تطرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل نجحت أنظمة المخاطر في منع تعثر كبار العملاء ورجال الأعمال؟ الواقع يشير إلى أن السوق شهد عبر فترات مختلفة حالات حصل فيها كبار المستثمرين على تمويلات ضخمة ثم تعرضت للتعثر، واضطرت البنوك إلى إعادة الجدولة ومنح تسهيلات إضافية لمعالجة الأوضاع المالية.

إذا كانت هذه الوقائع قد حدثت رغم وجود أنظمة الاستعلام والمخاطر، فإن ذلك يدفع إلى إعادة النظر في مدى عدالة تطبيق الإجراءات نفسها على الفلاح البسيط أو المربي الصغير الذي يسعى فقط إلى زيادة إنتاجه وتحسين دخله.

إن القضية ليست رفضاً لجهاز المخاطر أو التقليل من أهميته، بل دعوة إلى التفرقة بين التمويل الاستثماري والتمويل التنموي. فالأول يحتاج إلى قواعد صارمة لحماية أموال البنوك، بينما الثاني يجب أن يراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية ودور الدولة في دعم الإنتاج.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام صناع القرار: هل أصبح جهاز المخاطر أداة لحماية التمويل وتحسين كفاءته، أم تحول في بعض الحالات إلى عقبة أمام المواطن البسيط الذي يساهم يومياً في بناء الاقتصاد وزيادة الإنتاج؟

إن تحقيق التوازن بين حماية المال العام ودعم المنتجين الصغار هو التحدي الحقيقي الذي يجب أن تسعى إليه السياسات المصرفية خلال المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضا:

ريمون نبيل يكتب: أخطاء التداول.. كيف تهدر الأرباح بسبب سوء قراءة اتجاه السوق؟

د. علي الدكروري يكتب: فوز مصر على نيوزيلندا.. رسالة جديدة تؤكد قوة المنتخب الوطني

الدكتورة ريهام عمران تكتب: قانون KG1 بداية جيل يحترم العدالة

Short Url

search