الأحد، 14 يونيو 2026

01:49 ص

عبد الحق طنطاوي وشهادة العالِمية ببراءة ملكية..

السبت، 13 يونيو 2026 11:51 م

الكاتب الصحفي محمد أحمد طنطاوي

الكاتب الصحفي محمد أحمد طنطاوي

بقلم: محمد أحمد طنطاوي

أبيض الوجه بعيون زرقاء، يرتدي عمامة الأزهر وزيه المعروف، أنيق المظهر، رشيق الجسد، متوسط الطول، على أنفه وشم أزرق صغير، وضعته أمه بعد ولادته بأيام، ظنًا أن ذلك يحميه من "عين الحسود"، في زمان لم تكن المدنية قد وصلت فيه إلى القرية، ولم تعرف النساء التعليم أو القراءة، وقد ظل الابن البار يترحم على أمه ويذكر حكايتها، كلما نظر في المرآة وعاين أنفه، حتى صار شيخًا عجوزًا.

عرفْته من صورة قديمة، كان جدي "كمال عبد الحق" يضعها في محفظة جلدية كبيرة، محاطة بكبسولات معدنية دقيقة الصنع، ويشير إليها بفخر ويقول: هذا جدك الشيخ عبد الحق طنطاوي، كان من علماء الأزهر الشريف"، ثم سرعان ما يريني مقتنياته النادرة، "الجبة"، وهى أشبه بـ "الجلابية"، و "الكاكولة" الأزهرية والجمع كواكيل، وهي رداء مفتوح من الأمام يميز طلاب الأزهر، ويشبه "البالطو"، بالإضافة إلى نظارة طبية، والكثير من الكتب القديمة، التي كانت في دولاب خشبي كبير في غرفة الضيوف، لا يجرؤ أحد على فتحه أو الاقتراب منه.

لم أكن محظوظًا برؤية هذا الجد العظيم، فقد وافته المنية قبل مجيئي إلى الدنيا بأكثر من عقد كامل، وتحديدًا في عام 1973م، عن عمر ناهز 75 عامًا، تاركًا خلفه حكاية كبيرة عن السعي في تحصيل العلم، والنبوغ المبكر، وتحدي الظروف والصعاب، ومصر المحروسة، وكيف كانت قبل مئة عام؟ والأزهر وطلاب العلم، الذين يقصدونه من الصعيد والريف وبحري، ومن شمال إفريقيا وبلاد المغرب العربي، إلى الجزيرة العربية حتى جنوب شرق أسيا، فقد كانت غاية كل أسرة أن يلتحق أحد أبنائها بمنارة العلم، الذي كان مقصِدًا لكل من يطمح في مكانة أفضل للدين والدنيا.

ولد عبد الحق طنطاوي في عام 1898م، لوالد ميسور الحال، يعمل بالزراعة، وله ثلاثة أبناء أكبرهم عبد الحق، وكان يحلم أن يلتحق بالأزهر، ويتعلم في أروقته، في وقت كان التعليم سلعة نادرة، ليس فقط لارتفاع التكاليف، وما يتم إنفاقه من أموال، بل لندرة المدارس، والأماكن التي يقصدها الناس للتعلم في مطلع القرن العشرين، لدرجة أن قرى بالكامل، قد لا تجد بها من يجيد القراءة والكتابة.

وفتح الجامع الأزهر أبوابه لمن يرغبون في العلم، بل كان يمنحهم ما يعرف بـ "الجراية"، وهي مخصصات يومية أو شهرية من الخبز، بالإضافة إلى مرتبات مالية، تُصرف لهم بانتظام لإعانتهم على المعيشة، وقد كانت تلك الإعانات من "أموال الأوقاف الضخمة"، التي أوقفها الملوك والأمراء والأثرياء على مر العصور لدعم العلم وطلابه.

يأتي هذا وفق معلومات منشورة عبر بوابة الأزهر الإلكترونية، لكن على الرغم من ذلك، كان الانتقال من القرية صعبًا، ولا يتحمله سوى الميسور ماديًا، فلم يكن حينئذ يوجد معهد أزهري واحد في كل محافظات الصعيد، ومعهد فؤاد الأول لم يتم افتتاحه سوى عام 1917م، لذلك كان طلاب العلم يقصدون المحروسة، لتلقي العلم في محرابه الأصيل " الأزهر الشريف"، وكانت أسرهم تخشى عليهم السفر لحداثة السن.

ولج الصغير إلى الجامع الأزهر، في نهاية العقد الأول من القرن العشرين، وكانت حينها الدراسة تنقسم إلى عدة مراحل، أولية، ثانوية وعالية، ومدة التعليم في كل منها 4 سنوات، ثم يُمنح الطالب الناجح في كل مرحلة شهادة رسمية، لكن عين النابغة الصغير كانت تنظر إلى ما هو أبعد وأثمن "درجة العالمية"، وقد كانت أعلى شهادة يمنحها الأزهر في ذلك الوقت، وتعادل شهادة الدكتوراه في يومنا هذا، فقد أكمل دراسته في كلية الشريعة والقانون، ثم بدأ طريقه إلى التخصص.

قبل أعوام بدأت بحثًا في تاريخ جدى لأمي وعم أبي الشيخ عبد الحق طنطاوي، أسأل الأقارب والأحفاد عن تاريخه وتخصصه الدقيق في الأزهر، وما إذا كانت له أبحاث أو رسائل علمية، أو مراجع وكتب يمكن إعادة طباعتها أو حتى قراءتها، فلم يكن أحدًا يعطي إجابات وافية تحمل دلالات واضحة، وقد حاولت منفردًا لعدة مرات كتابة الاسم والبحث عبر محرك جوجل، ربما أحصل على شيء، لكن لمرات عديدة لم أفلح، حتى كتبت في عنوان البحث الشيخ عبد الحق طنطاوي، الفقه المالكي، وكانت المفاجأة..

في بحث منشور للدكتور مصباح المتولي السيد حماد، وكان وكيلًا لكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، قبل سنوات، بعنوان "مقارنات في زكاة الأموال الحولية"، استعان الباحث في الدراسات السابقة برسالة للشيخ عبد الحق طنطاوي، في الصفحة السادسة، وكانت بعنوان " الزكاة في فقه الإمام مالك"، ومحفوظة بمكتبة كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر، باعتبارها مخطوطة نادرة مكتوبة بخيط اليد.

وبالتواصل مع الأصدقاء والزملاء في جامعة الأزهر، تأكدت بالفعل أن رسالة الشيخ عبد الحق طنطاوي، موجودة بالفعل في مكتبة كلية الشريعة والقانون، مكتوبة بخط اليد، فلم يكن استخدام الآلات الكاتبة حينها قد انتشر أو الطباعة بمفهومها المعاصر، بل كانوا يعهدون إلى الخطاطين لكتابة الرسائل والكتب والأوراق المهمة، وقد نجحت الجامعة خلال السنوات الماضية في حفظ عشرات الرسائل على ميكروفيلم، ضمن مشروع كبير، نجحت خلاله في حفظ تراثها العلمي القديم.

وتعتبر "رسالة الزكاة على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه" للباحث الشيخ عبد الحق طنطاوي، من الأطروحات العلمية التاريخية في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، فقد حصل عليها الباحث عام 1936 ميلادية / 1355 هجرية، بعدما كتبها وأعدها للمناقشة قبل هذا التاريخ بعام كامل، واستفاد الباحث من تعديلات قانون الأزهر رقم 26 لسنة 1936م، الذي أصدره الملك فؤاد الأول، بإعادة تنظيم الجامع الأزهر، والتعليم الأزهري، وتفاصيل التخصصات الدقيقة في الكليات والعلوم، ومن بينها كلية الشريعة والقانون.

وقد كان لفضيلة الشيخ محمد مصطفى المراغي، فضلًا كبيرًا في إعداد القانون رقم 26 لسنة 1936م الخاص بإعادة تنظيم الجامع الأزهر، وخروجه إلى النور، ليحدد من خلاله التفاصيل الدقيقة بالشهادات التي يحصل عليها خريج الجامع الأزهر، التي كان من ضمنها "العالمية بدرجة أستاذ في الفقه والأصول"، من كلية الشريعة والقانون، وقد حصل عليها الشيخ عبد الحق طنطاوي، بعد تقديم رسالته في التخصص، بعنوان "الزكاة على مذهب الإمام مالك"، وفق المادة 55 من القانون المذكور.

وترصد المادة 85 من قانون الأزهر رقم 26 لسنة 1936م، الشروط الخاصة بالحصول على شهادة العالمية من درجة أستاذ، وكان من بينها النجاح في امتحان يبين مبلغ تحصيل الباحث في القسم الذي تخصص فيه، ثم تقديم رسالة علمية في موضوع ذي صلة بالمواد التي تخصص فيها، وأن تكون الرسالة شاهدة بالعمل الجدي والبحث الشخصي المستقل الذي يفيد العلم، وتُمنح الشهادة وفقًا لنص المادة 115 من ذات القانون ببراءة ملكية "توقيع الملك"، وتعتبر من الشهادات العليا من حيث الحقوق التي تخولها لحامليها.

وتقع الرسالة التي بين أيدينا في 123 صفحة، بخلاف المراجع العلمية التي استندت عليها، والفهرس، وقد خطها الخطاط "محمد عبد القادر محمد"، وفق ما جاء في الصفحة الأخيرة منها، وحرص الرجل على تزيين صفحاتها، مرة بوضع شموعٍ في نهاية المباحث والفصول، ومرة أخرى برسم علم المملكة المصرية في ذلك الوقت، والذي كان "الهلال الذي تتوسطه ثلاث نجوم"، وقد جاء الخط ممتازًا، كأنه لم يتغير، رغم مرور 91 عامًا.

ويتحدث الشيخ عبد الحق طنطاوي، في بداية الرسالة تحت عنوان "الخطبة" عن أسباب اختياره لموضوع الزكاة، فيقول:" أردت أن يكون موضوع رسالتي في الركن الثالث من أركان الإسلام، الذي قد تركه معظم المسلمين المكلفين، وغرتهم الحياة الدنيا وزينتها، ولم يتدبروا في الآيات والأحاديث الدالة على وجوبها كأنهم صمٌ بكمٌ عمي، ولكن ران على قلوبهم حب المال وجمعه، وألهاهم التكاثر، ولم ينظروا إلى قوله جل وعلا "إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون"، ثم اختتم المقدمة بتوقيعه.

وتناولت رسالة "العالمية" بكسر اللام، ومعناها أن الطالب بلغ مرتبة العالم، للباحث الشيخ عبد الحق طنطاوي، عناوينًا حول حقيقة الزكاة وأحكامها، وشروطها وآدابها، وموانعها، وأنواع الزكاة المختلفة، ثم اختتم بحثه بالزكاة على الأوراق المالية " البنكنوت"، وقد أشار فيه إلى "الدكريتو" - كلمة من أصل إيطالي وتعني مرسومًا أو قرارًا - المؤرخ في الـ25 من يونيو 1898م"، وهو المرسوم العالي الذي أصدره الخديوي عباس حلمي الثاني، لتأسيس البنك الأهلي المصري، بمنحه حق امتياز إصدار الأوراق النقدية المصرية لمدة 50 عامًا، وقد صدر بعدها أول جنيه ورقي في تاريخ مصر عام 1899م، وقد خلص في هذا المبحث إلى وجوب الزكاة عن الأرواق المالية " البنكنوت"، باعتبارها أموالًا مضمونة في ذمة البنك.

في الختام.. أتمنى إعادة نشر المخطوطات التاريخية الموجودة لدى جامعة الأزهر، وتوسيع طرق الاستفادة منها، خاصة المحاولات الأولى، والرسائل العلمية التي تم إنتاجها في مطلع القرن العشرين، وحركة النهضة العلمية الكبيرة التي شهدتها مصر في ذلك الوقت، وتكريم أسماء أبرز الباحثين والعلماء الذين قدموا إسهامات جادة، ووضعوا بأيديهم اللبنة الأساسية للرسائل العلمية المتخصصة، التي شكلت تراثًا فكريًا كبيرًا، استفادت منه مختلف الأجيال.

Short Url

search