السبت، 18 يوليو 2026

02:29 م

طوابير الفلوس.. كاش بطعم "الشمول المالي"

الإثنين، 25 مايو 2026 02:57 م

محمد أحمد طنطاوي

محمد أحمد طنطاوي

بقلم محمد أحمد طنطاوي

قبل ثلاثين عامًا كانت طوابير العيش واحدة من المشكلات الكبيرة التي تواجه المصريين، زحام وتكدس بالساعات أمام الأكشاك، يستيقظ الناس فجرًا ليحجزوا أماكنهم وسط مشادات ومشاحنات، وأحيانًا اشتباكات، وقد تحول الأمر إلى واجب يومي تخوضه الأسرة، لكن حينها كان الدعم على الرغيف حقيقيًا، وغير مشروط بعدد الأرغفة كما الآن، في زمن كان الجنيه يشتري 20 رغيفًا.. تمر السنوات وتدور الأيام وتنتهي طوابير الخبز، لنعيش حقبة طوابير المال! 

طوابير طويلة أمام ماكينات الصراف الآلي، البعض يقف بالساعات، حتى ينجح في صرف راتبه، نتيجة نقص أعداد الماكينات على مستوى المحافظات والمراكز وندرتها في القرى والنجوع والتوابع، خاصة في محافظات الدلتا والصعيد، لاسيما أن بعض المراكز التي تخدم مئات الآلاف من المواطنين لا يوجد بها سوى بضع ماكينات، ولا تتحمل الأعداد الهائلة التي تتردد يوميًا من أجل صرف المرتبات، أو المعاشات، خاصة في نهاية كل شهر أو مع حلول الأعياد والمواسم الرسمية. 

حدود السحب والإيداع القصوى من ماكينات الـ ATM

المأساة أن الطوابير ليست الأزمة، فمن الممكن أن تقف تنتظر في طابور طويل، وتتحمل سخافات ومضايقات من كل نوع، وأحاديث جانبية وهمهمات لا تنقطع، لكن كل هذا بلا ثمن عندما تقترب من دورك وتجد الماكينة قد أشهرت إفلاسها، ولم يعد بها أموال، أو أصابها عُطل فني وأصبحت غير قادرة على تلبية مطالب الجماهير العريضة، التي تصطف أمامها، وتتعامل معها وكأنها موظف، يسمع ويرى، فهذا يضربها بيده، وذاك يعبث بأزرارها، حتى يصبها العطب، فتكون النتيجة النهائية أن كل هذا الوقت ضائع بلا عائد، ولن تنجح في صرف راتبك!

ربما خيبة الأمل في سحب الراتب من ماكينات الصراف الآلي، ليست ذروة المأساة، بل هناك مرحلة أعنف، عندما تتم عمليات سحب وهمية، دون أن تحصل على الأموال، لتنتظر من 3 إلى 7 أيام عمل حتى تسترد أموالك مرة أخرى، وحينها لن يسمعك أحد، أو يتعاطف مع احتياجاتك أو التزاماتك المالية أحد، وستظل طيلة هذه المدة تضرب "أخماس في أسداس" لحين استعادة أموالك مرة أخرى. 

رسوم السحب من ماكينات الـATM

الحكومة المصرية تتحدث عن الشمول المالي منذ عقد كامل، فمنذ العام 2014 بدأت الدولة استراتيجية لتبني الشمول المالي في كل القطاعات الحكومية، واستهدفت بالأساس تقليل حجم الكاش المتداول، والتيسير في فتح حسابات مصرفية لكل الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص، والتشجيع على هذا التوجه بصورة مستمرة، وقد تم اتخاذ خطوات فعلية عام 2017، حتى وصلنا بأرقام كبيرة على مستوى الحسابات المصرفية، وباتت حوالي 55 مليون حساب، أي أن 50% من المصريين تقريبًا بات لديهم حسابات بنكية بنهاية عام 2025.

المشكلة الكبيرة ليست في أعداد ماكينات الصراف الآلي بقدر ارتباطها بخريطة توزيع هذه الماكينات، وعلى الرغم من وجود ما يزيد عن 26 ألف ماكينة صراف آلي، تمتلكها شبكة البنوك والبريد، إلا أن هناك كارثة ترتبط بعدالة التوزيع، فالقاهرة الكبرى وحدها تحوز على 47% من الماكينات لدى البنك الأهلى على سبيل المثال، وهو أكبر البنوك من حيث أعداد الفروع ووفرة الماكينات  وجودة الخدمة – 7300 ماكينة، بينما محافظات الصعيد التي يعيش بها 45 مليون مواطن يوجد بها 20% فقط من حجم تلك الماكينات، أي أن 1460 ماكينة موزعة على 10 محافظات، وكل محافظة 146 ماكينة، في متوسط 7 مراكز داخل كل محافظة، أي حوالي 20 ماكينة فقط في كل مركز، في المتوسط، في حين يضم كل مركز حوالي 40 قرية، مع العلم أن أغلب القرى خالية تمامًا من الماكينات.

أحدث بيانات البنك الأهلي المصري عبر موقعه الإلكتروني عن عام 2024

الزحام الكبير على ماكينات الصراف الآلي والطوابير الممتدة في الشوارع بمختلف المحافظات أكبر دليل على أن خطة الشمول المالي التي يرعاها البنك المركزي ليست بخير، وأن الأمر مازال على طريقة فيلم بوحة "سلخ قبل ما يدبح"، والأعداد المهولة من كروت المرتبات، والإلغاء الكامل للكاش من إدارات الحسابات، كان يجب أن يتواكب معها توفير بنية فنية وتكنولوجية قوية قادرة على تلبية احتياجات الشمول المالي، وتسهم بصورة مباشرة في تحسين الخدمات التي يحصل عليها المواطن، بدلًا من أن تكون النتيجة النهائية، موظف يحاصره الاكتئاب والقلق، حتى يتسنى له صرف راتبه، الذي كان قديمًا يحصل عليه من خزينة المدرسة أو الجامعة أو الوزارة والهيئة، دون زحام أو تدافع أو سحب وهمي وماكينات لا تعرف العيد أو الجديد ولا تقدر الظروف أو مصروفات الأسرة وحاجات البيوت!! 

Short Url

search