الإثنين، 22 يونيو 2026

04:42 م

رسالة للمدخرين في المعدن الأصفر: ابتعدوا عن مراقبة الأسعار.. الذهب يتجه نحو الاستقرار ولن يحقق طفرات صعود

الإثنين، 22 يونيو 2026 01:36 م

الكاتب الصحفي محمد طنطاوي

الكاتب الصحفي محمد طنطاوي

بقلم: محمد أحمد طنطاوي

"الذهب هو المال الحقيقي وكل ما دونه مجرد  ائتمان أو ديون".. جيه بي مورجان، (1837–1913) رجل الأعمال والمصرفي الأمريكي الشهير، وواحد من أهم الشخصيات التي شكلت الاقتصاد العالمي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، وقد ذكر هذه العبارة أمام التحقيق الشهير الذي أجراه الكونجرس الأمريكي عام 1912 حول احتكارات وهيمنة البعض على وول ستريت، وتورط مجموعة صغيرة من كبار الممولين في السيطرة على النظام المصرفي الأمريكي وتوجيه الائتمان لصالح شركاتهم.

مقولة مورجان التاريخية تشير إلى أن الذهب يحمل قيمته الذاتية ولا يعتمد على سداد طرف ثالث، أو عقود الثقة التي تعطي لأوراق البنكنوت قيمتها الحقيقية، ويمكن أن تتأثر أو تنهار بقدرة الجهة المصدرة لها، لذلك اعتبر الاقتصاديون الأوائل ورجال الأعمال أن الذهب معدن له طبيعة خاصة، وقيمة فريدة، وأداة اقتصادية لا تخيب، مهما تبدلت العقود أو تغيرت الأنظمة والسياسات. 

لكن دعونا نترك التاريخ قليلًا، ونتوقف عند حيوية الأسواق والقدرة الحقيقية للمعدن الأصفر في الوقت الراهن على اختراق الأزمات وكسب الرهان من جديد، بعد ما يقرب من 6 أشهر كاملة من خيبة الآمال للمستثمرين والمدخرين، وصل فيها الذهب إلى ذروته التاريخية 5589 دولارًا للأونصة "31.1 جرام"، في رحلة مكاسب غير مسبوقة خلال عام 2025 وصلت إجمالًا إلى ما يقرب من 65% مقارنة بعام 2024. 

على الرغم من كل النجاحات التي حققها المعدن الأصفر خلال 2025، إلا أنه كسر أغلب نقاط الدعم التي حققها، عدا نقطة واحدة بين 4000 إلى 4100 دولار للأونصة، وهو ما يجعل الجميع ينتظر نقاط أكثر جاذبية للشراء عند 3800 حتى 3500 دولارًا، وقد يهبط لها الذهب على المديين القصير والمتوسط، بحد أقصى ثلاثة أشهر، أي قبل نهاية الربع الثالث من عام 2026 الجاري، وهو ما يجعل مؤشرات السيولة الموجهة نحو الذهب تتراجع قليلًا لصالح أدوات أخرى، أهمها وول ستريت والأسهم، التي قد تنتظر فقاعة ضخمة في أقرب وقت ممكن بعد نهاية الحرب الأمريكية الإيرانية. 

بلغ حجم الخسائر التي حققها المعدن الأصفر منذ بداية العام الجاري قياسًا على أعلى نقطة حققها نحو 25% تقريبًا، لكن مع هذه النسبة الضخمة مازال الذهب يحقق مكاسب معتبرة للحائزين، تصل إلى حوالي 38% تقريبًا قياسًا على أقل نقطة تحققت في مطلع عام 2025 عند مستوى 2624 دولارًا للأونصة، بما يعني أن محفظة الذهب مازالت رابحة لدى المستثمرين، و من الممكن تسييلها لصالح الأسهم أو أذون وسندات الخزانة أو أي أدوات استثمارية أخرى.

البنوك المركزية تعتبر دائمًا كلمة السر في أسعار الذهب، فقد اشترت وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي، خلال العام 2025 نحو 863.3 طنًا، بانخفاض قدره 21% عن الأحجام القياسية المسجلة في عام 2024، التي بلغت نحو 1045 طنًا، بينما واصلت عمليات الشراء خلال الربع الأول من عام 2026 لتسجل 244 طنًا من الذهب، في الوقت الذي تتوقع المؤسسات الدولية أن يصل إجمالي المشتريات خلال 2026 ما بين 750 إلى 850 طنًا، وهو ما يؤشر إلى عدم وجود طفرات في أداء البنوك المركزية نحو الشراء خلال العام الحالي، الأمر الذي قد يجعل حركة المعدن الأصفر بطيئة نسبيًا في اتجاه مؤشرات الصعود. 

ومع كل الزخم الذي يقوده الإعلام حول مشتريات البنوك المركزية من الذهب، إلا أن مشتريات الأفراد على المستوى الكلي مازالت أكبر نسبيًا سواء في المشغولات والسبائك أو الصناديق المتداولة، التي تعرف اختصارًا بـ (ETFs)، فقد بلغت إجمالًا خلال 12 شهرًا 1.374 طنًا، وفقًا لإحصائيات مجلس الذهب العالمي، وقد سجلت مشتريات الأفراد في مصر خلال 2025 حوالي 45.1 طن، بينما تصدرت الصين والهند مشتريات الأفراد من المشغولات والسبائك، لتصل إلى 431.7 طنًا في الأولى، و280.4 طنًا في الثانية.

في وسط أوروبا وعلى بحر البلطيق، تتصدر بولندا قائمة الدول الأكثر شراءً للذهب عالميًا خلال 2024 و2025، وكذلك الربع الأول من العام الحالي، وقد نجحت العام الماضي في إضافة 102 طن، ليصل إجمالي حيازتها إلى 550 طنًا وفق خطة حكومية لرفع مستوى احتياطي الذهب إلى 700 طن بنهاية العام الجاري، مع العلم أنها نجحت في إضافة 45 طنًا خلال الربع الأول من 2026، بينما تستمر دول أخرى داخل الأسواق الناشئة نحو شراء الذهب بقوة مثل جواتيمالا وإندونيسيا وماليزيا وكمبوديا وأوغندا وكينيا، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي، لتأتي عمليات الشراء المكثفة بدافع التحوط من مخاطر انخفاض قيمة العملات الوطنية، وكذلك نتيجة الأداء الاستثنائي من المعدن الأصفر خلال السنوات الماضية.

البنك المركزي التركي له تجربة مختلفة مع المعدن الأصفر، فقد تخلصت إسطنبول من 127 طنًا من الذهب بحلول الربع الأول من 2026 في خطة استثنائية لحماية الليرة التركية، وتأمين الإمدادات اللازمة من الطاقة، مع بداية الحرب الأمريكية الإيرانية، ليسجل الاحتياطي الذهبي لديها نحو 693 طنًا، بنهاية مارس الماضي، إلا أن البنك استأنف عمليات الشراء من جديد ونجح في حيازة ما يقرب من 36 طنًا من الذهب في شهر إبريل الماضي، وتشير التوقعات إلى أن تركيا قد تستفيد من الانخفاضات في المعدن الأصفر، لترفع حيازتها مرة أخرى خلال الأشهر المقبلة.

بعد استعراض كل ما سبق يبقى سؤال المليون دولار: هل يتعافى الذهب ويعاود الصعود مرة أخرى ويقترب من المستويات التي حققها مطلع العام الجاري ؟.. من واقع القراءة البسيطة للمشهد لا أتصور أن يصعد الذهب بنفس الوتيرة التي حققها خلال العام الماضي أو مطلع العام الجاري، فقط سوف يظل يتأرجح بين المكسب والخسارة، عقب الوصول إلى نقطة الدعم الرئيسية عند 3800 دولارًا للأونصة، لاسيما أنه فشل عدة مرات في اختراق نقابة المقاومة لأعلى، ما بين 4400 إلى 4600 بالقوة التي تدفعه لمواصلة الصعود نحو المستويات السابقة.

من القراءة البسيطة للأرقام والنسب الخاصة بمشتريات البنوك المركزية والأفراد، لن يتمكن الذهب من تحقيق طفرات صعود على المدى القصير والمتوسط، أو على الأقل حتى نهاية العام الجاري، خاصة مع بلوغ أسعاره ذروتها، إلى جانب عزوف المستثمرين عن الشراء بأسعار تقترب من 5 آلاف دولار للأونصة، خاصة مع اتجاههم لدعم الأسهم في وول ستريت والبورصات الأوروبية والآسيوية، التي لم تعد قادرة على دفع المزيد من المال في صناديق الذهب.
التوقعات بوصول الذهب إلى نقطة 3800 دولارًا للأونصة مازالت قوية، خاصة أن المعدن الأصفر سوف ينجح معها في طرد المضاربين بعيدًا عن السوق، بسبب خروجهم لوقف الخسائر، ثم يبدأ بعدها رحلة صعود هادئة، تعيد قيمته كمخزن قيمة واستثمار آمن، كما كان دائمًا عبر عقود طويلة، لذلك ستظل السمة الغالبة في تداولات الذهب خلال الفترة المقبلة ما بين صعود وهبوط هادئين، دون طفرات كما كان يحدث خلال الأشهر الماضية. 

تبقى النصيحة الأخيرة للأفراد ومن يضعون مدخراتهم في المعدن الأصفر بضرورة أن يبتعدوا قليلًا عن مراقبة شاشات الأسعار، وتطبيقات البيع والشراء، والنشرات المتوالية والمستمرة، والزخم الإعلامي حول صعود وهبوط الذهب، لاسيما أن المعدن الأصفر سوف يدخل في حالة من الاستقرار النسبي، التي تدفعه نحو الصعود الحذر والهبوط الحذر أيضًا، كما كان دائمًا على مدار التاريخ، فلم يُعرف عن الذهب أبدًا أنه أصل للمضاربة، أو وسيلة للمكسب السريع، لكنه قيمة في ذاته، وملاذ يحفظ الأموال في مواجهة الطفرات التضخمية والتراجعات المحسوبة في قيمة العملات الورقية.

Short Url

search