الخميس، 04 يونيو 2026

11:41 ص

محمد ممدوح يكتب: مقترح سداد ديون مصر بـ«الخلطة السحرية»

الأربعاء، 08 أبريل 2026 11:44 م

الكاتب الصحفي محمد ممدوح

الكاتب الصحفي محمد ممدوح

في الوقت الذي تبحث فيه كبرى الاقتصادات العالمية عن حلول للهيكلة وجدولة الديون، قرر النائب محمد بلتاجي عضو مجلس النواب، اختصار الطريق بخلطة سحرية تمزج بين الحس الوطني وروح الجمعيات العائلية، مطلقا مبادرة لسداد ديون مصر تعتمد على المواطنين أصحاب الدخول المرتفعة، وتحديدا الـ5% الذين لا يمانعون دفع مليون جنيه كاش، مقابل مكافأة رخصة قيادة مدى الحياة، تجعل صاحبها عميلًا مميزًا لدى المرور.

وعلى الرغم من أن مبادرة النائب تبدو في ظاهرها «نبيلة وجميلة وبسيطة»، إلا أن لغة الأرقام السخيفة دائماً، تضعنا أمام حقائق صادمة، فلو افترضنا جدلاً أن الـ 5% من سكان مصر في الداخل يبلغ عددهم 108.8 مليون نسمة، حسب تعداد 2026 للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يمتلكون مليون جنيه “فكة” في جيوبهم ولن يمانعوا التبرع بها، فنحن نتحدث عن عدد قوامه 5.44 مليون «فاعل خير» دفعة واحدة.

وبعملية حسابية متفائلة للدرجة التي قد تجعل الآلة الحاسبة تبتسم، سنجد أن تبرع هؤلاء الملايين الخمسة سيوفر للدولة 5 تريليونات و440 مليار جنيه، وبمقارنة هذا الكرم الحاتمي بديننا الداخلي الذي كسر حاجز الـ 12 تريليون جنيه مصري، نكتشف أننا سنتمكن من سداد 45.33% من الدين الداخلي فقط، وتتبقى لنا مجرد «فكة» بسيطة تقدر بـ 6.56 تريليون جنيه فقط لا غير.. فهل يكمل النائب جميله ويخبرنا من أين نسد هذا العجز أو ربما يقترح مبادرة أخرى لسداد الجزء المتبقي.

أما المميزات التي طرحها النائب لإغراء المتبرع المليونير، كانت هي الأخرى ضربًا من الخيال الممتع، فلو افترضنا جدلاً أن المواطن المحظوظ سيعيش في مصر 70 عامًا، وقرر استخراج رخصة قيادته من يوم ولادته مباشرة، وبما أن صلاحية الرخصة 10 سنوات، فإنه سيجددها 7 مرات طوال عمره المديد،  وبالنظر إلى أن آخر سعر رسمي للتجديد رخصة القيادة حوالي 2000 جنيه، فإن إجمالي ما سيوفره صديقنا المليونير هو 14 ألف جنيه فقط لا غير، نعم أنت لم تخطئ القراءة، النائب يطلب منك مليون جنيه كاش فكة، ليمنحك في المقابل إعفاء قيمته 14 ألف جنيه بالتقسيط المريح على مدار 70 سنة. من المؤكد أنك أمام صفقة العمر التي لا تفوّت، إلا إذا كنت من هواة الحسابات المنطقية المملة مثلي.

أما عن بعبع الدين الخارجي الذي يبلغ 163.9 مليار دولار، فيبدو أن النائب آثر الصمت، ربما خجلاً من إحراجنا بمطالبة المواطنين بالتبرع بالعملة الصعبة هذه المرة، أو لأنه لم يجد في جعبة الحلول العبقرية ما يكفي لمواجهة هذا الرقم الأخضر، لكنه لم يستسلم، فسرعان ما قفز بمقترحه إلى منطقة أكثر إثارة، مطالبًا بمشاركة وطنية من 10% من الشعب، مع دعوة رقيقة لأصحاب الرواتب التي تتخطى 75 ألف جنيه شهرياً، أولئك المحظوظون الذين لا نعرف أين يختبئون، للتنازل عن ربع دخولهم لمدة عام، خاصة من تتجاوز إقراراتهم الضريبية بما يفوق الـ 50 مليون جنيه سنويًا.

وفي محاولة لتهدئة روع الغلابة، أكد سيادة النائب أن مبادرته هي قنص للمليونيرات فقط ولا تمس المواطن البسيط الذي يكفيه ما فيه، موضحًا أن تلك الديون كانت ضريبة ضرورية للإصلاح والبنية التحتية في ظل ضغوط إقليمية لا ترحم، واختتم النائب محمد بلتاجي سيمفونية التبرعات بالتشديد على التكاتف المجتمعي، واصفًا وضع اليد في الجيوب الممتلئة بأنه واجب وطني مقدس، في انتظار أن يفتح رجال الأعمال خزائنهم طواعيةً ليسددوا ما تبقى من التريليونات، فلعلنا نستيقظ يوماً فنجد الديون قد أصبحت مجرد ذكرى في سجلات البرلمان.

Short Url

search