الثلاثاء، 10 مارس 2026

08:12 م

الاقتصاد الدائري في المنطقة العربية.. من خيار بيئي إلى ضرورة اقتصادية

الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م

 الاقتصاد الدائري

الاقتصاد الدائري

لم يعد الحديث عن الاقتصاد الدائري في المنطقة العربية ترفاً بيئياً أو امتثالاً شكلياً للالتزامات الدولية، بل أصبح ضرورة اقتصادية ترتبط مباشرة بأمن الموارد، واستقرار المالية العامة، والقدرة على خلق وظائف مستدامة في بيئة عالمية شديدة التقلب.

الاقتصادات العربية نشأت وتوسعت تاريخياً وفق نموذج خطي واضح: استخراج الموارد، وتصنيعها، واستهلاكها، ثم التخلص منها، هذا النموذج عزز النمو في فترات الوفرة، لكنه خلق ارتباطاً وثيقاً بين الناتج المحلي واستهلاك المواد الخام والطاقة، ما أدى إلى ارتفاع البصمة المادية للفرد، وزيادة الضغط على المياه والطاقة والأراضي، ورفع كلفة التدهور البيئي على الموازنات العامة والصحة العامة.

ومع تصاعد آثار تغير المناخ، وتذبذب أسعار الطاقة والسلع، وتزايد القيود البيئية في الأسواق العالمية، لم يعد هذا النموذج قادراً على توفير استدامة مالية أو تنافسية طويلة الأجل. 

وهنا يبرز الاقتصاد الدائري كإطار نظمي يعيد تعريف العلاقة بين النمو واستخدام الموارد، عبر إطالة عمر المنتجات، وإعادة التدوير، وتحويل النفايات إلى مدخلات إنتاج، والانتقال من منطق “الاستخراج” إلى منطق “التجدد”.

البعد الاقتصادي للتحول الدائري

من منظور مالي بحت، التحول إلى الاقتصاد الدائري يعني خفض فاتورة الاستيراد للمواد الخام، وتقليل كلفة إدارة النفايات، وخلق صناعات جديدة قائمة على إعادة التدوير والتصنيع المستدام والطاقة النظيفة. 

كما يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية خضراء، سواء عبر الصناديق السيادية أو أدوات التمويل المستدام، في وقت أصبحت فيه معايير ESG عاملاً حاسماً في قرارات المستثمرين الدوليين.

الأهم أن هذا التحول يخلق فرص عمل نوعية في قطاعات التكنولوجيا النظيفة، وإدارة المخلفات، والزراعة الذكية، والطاقة المتجددة، ما يعزز تنويع القاعدة الإنتاجية ويخفف من هشاشة الاقتصادات المعتمدة على قطاع واحد.

الإمارات.. هندسة مؤسسية للاقتصاد الدائري

في هذا السياق، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج مؤسسي متقدم في تبني الاقتصاد الدائري، فمن خلال سياسة الاقتصاد الدائري 2021–2031 وإنشاء مجلس الإمارات للاقتصاد الدائري، تم تحويل المفهوم إلى إطار حوكمة واضح يربط بين البنية التحتية الخضراء، والنقل المستدام، والتصنيع، والأمن الغذائي.

ولم تعد مشاريع مثل مصدر ومدينة مصدر مجرد مبادرات رمزية، بل منصات استثمارية في الطاقة المتجددة والتخطيط الحضري منخفض الكربون، كما أن التوسع في مشاريع تحويل النفايات إلى طاقة، مثل محطة ورسان في دبي، يعكس انتقال الدولة من إدارة النفايات كعبء مالي إلى اعتبارها مورداً اقتصادياً.

هذا النهج يعزز موقع الإمارات كمركز إقليمي للاستثمار الأخضر، ويمنح اقتصادها ميزة تنافسية في عالم يتجه سريعاً نحو تسعير الكربون وفرض قيود على سلاسل الإمداد عالية الانبعاثات.

السعودية.. الدائرية كجزء من إعادة هيكلة الاقتصاد

في المملكة العربية السعودية، يأتي التحول ضمن إطار أشمل هو رؤية السعودية 2030، حيث يرتبط الاقتصاد الدائري بإعادة هيكلة عميقة للاقتصاد الوطني، وتعكس مبادرة السعودية الخضراء توجهاً مزدوجاً، خفض الانبعاثات عبر الاقتصاد الدائري للكربون، والتوسع في التشجير وحماية النظم البيئية.

إلى جانب ذلك، تعمل مبادرة تسريع الاقتصاد الدائري في القطاع الصناعي على رفع كفاءة استخدام المواد الخام وتقليل الهدر، ما يعزز تنافسية المصانع السعودية في الأسواق العالمية.

أما مشروع نيوم، فهو يمثل مختبراً حضرياً واسع النطاق لنموذج اقتصادي يعتمد بالكامل تقريباً على الطاقة المتجددة، وتصميم مدن منخفضة الانبعاثات، وسلاسل إمداد أكثر كفاءة، ورغم أن الجدوى الاقتصادية الكاملة لهذه المشاريع ستختبر بمرور الوقت، فإنها تعكس توجهاً استراتيجياً لربط النمو بالاستدامة.

مصر.. إدارة المخلفات كمدخل للتنمية الخضراء

في مصر، يتخذ الاقتصاد الدائري مساراً عملياً يرتكز على إدارة المخلفات وتحويلها إلى طاقة، وتمثل محطة تحويل المخلفات إلى كهرباء في أبو رواش تحولاً من نموذج الطمر التقليدي إلى استغلال النفايات كمصدر للطاقة، بما يخفف الضغط على الأراضي ويقلل الانبعاثات.

كما أن المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية تعكس توجهاً لدمج التحول الرقمي بالعمل البيئي، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الأخضر، وهذه المقاربة مهمة لاقتصاد بحجم مصر، حيث تمثل إدارة الموارد بكفاءة عاملاً حاسماً في استدامة المالية العامة وتقليل فجوات التمويل.

التحديات بين الطموح والتنفيذ

ورغم هذا الزخم، لا يزال التحول الدائري في المنطقة يواجه تحديات هيكلية، أبرزها ضعف البيانات المتعلقة بتدفقات المواد، والحاجة إلى أطر تشريعية أكثر صرامة لتحفيز إعادة التدوير، وتغيير أنماط الاستهلاك، إضافة إلى ضرورة تسعير الكربون أو إزالة الدعم غير الكفء الذي يشجع الهدر.

كما أن نجاح الاقتصاد الدائري يتطلب تغييراً ثقافياً وسلوكياً، وليس فقط سياسات حكومية، فالمستهلك، والمنتِج، والممول، جميعهم جزء من المعادلة.

من إدارة أزمة إلى بناء نموذج جديد

كشفت الأزمات الأخيرة – من الجائحة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد والتقلبات المالية – هشاشة النموذج الخطي القائم على الاستهلاك المكثف والاستيراد، وفي المقابل، يمنح الاقتصاد الدائري الاقتصادات العربية فرصة لإعادة صياغة نموذجها التنموي، بحيث يصبح النمو أقل استنزافاً للموارد وأكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات.

التحول لن يكون فورياً، لكنه بدأ يتبلور عبر سياسات وطنية ومشاريع كبرى واستثمارات خضراء متزايدة، والسؤال لم يعد، هل تتجه المنطقة نحو الاقتصاد الدائري؟ بل من سيتقدم أسرع، ومن سينجح في تحويل الاستدامة إلى ميزة تنافسية حقيقية في اقتصاد عالمي يعيد تشكيل نفسه على أسس خضراء.

اقرأ أيضًا:

سوق يتجه نحو 800 مليار دولار، 10 اتجاهات وابتكارات ترسم ملامح الاقتصاد الدائري في 2026

Short Url

search