الاقتصاد العالمي 2026، صمود لافت ونمو «غير متوازن» وسط مخاوف التضخم والتوترات التجارية
الجمعة، 06 فبراير 2026 02:05 م
آفاق الاقتصاد العالمي 2026
مع دخول عام 2026، يواصل الاقتصاد العالمي تحقيق مفاجأة غير متوقعة، بقدرته على الصمود، بعد عامين من الصدمات المتتالية، من توترات جيوسياسية وحروب تجارية إلى تشديد نقدي غير مسبوق.
لكن هذا الصمود ليس متوازنًا، بل أشبه بأوركسترا تعزف مقطوعة واحدة بإيقاعات مختلفة؛ حيث تتسارع بعض الاقتصادات بينما تتباطأ أخرى، وهو ما عبّر عنه صندوق النقد الدولي في أحدث تحديث لتقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” تحت عنوان “الزخم غير المتكافئ”.

تهدئة تجارية لكنها مؤقتة وهشة
أحد أبرز ملامح المشهد الاقتصادي الحالي هو التراجع النسبي في حدة التوترات التجارية، لا سيما بين الولايات المتحدة والصين، فبعد تصعيد قصير الأجل حول قيود تصدير أشباه الموصلات والمعادن النادرة، سارع الطرفان إلى هدنة مؤقتة شملت تخفيضًا للتعريفات الجمركية الثنائية حتى نوفمبر 2026، هذا إلى جانب تعليق بعض القيود على الصادرات، وساهمت هذه الخطوة في تخفيف الضغط على سلاسل الإمداد العالمية، ووفرت متنفسًا لقطاع التكنولوجيا العالمي.
هذه التهدئة لا تعني نهاية الحرب التجارية، بل تعكس إدارة للأزمة لا حلًا جذريًا لها، فالتعريفات الأمريكية الإجمالية، وفق حسابات صندوق النقد، بقيت عند مستويات قريبة من تلك المفترضة في تقرير أكتوبر 2025، ما يعني أن العبء التجاري لم يرفع بل أعيد توزيعه.
إزالة الرسوم عن بعض المنتجات الزراعية قابلها تشديد في قطاعات أخرى، وهو ما يجعل أثر هذه السياسات متفاوتًا بشدة بين الدول، يضاف إلى ذلك عنصر قانوني لا يقل أهمية وهو الترقب الواسع لقرار المحكمة العليا الأمريكية بشأن استخدام الرئيس لقانون الطوارئ الاقتصادية الدولية.
قرار كهذا، متوقع في أوائل 2026، قد يعيد رسم حدود السلطة التنفيذية في فرض القيود التجارية، ما يزيد من حالة عدم اليقين التي لا تزال أعلى بكثير من مستوياتها في مطلع 2025.
سيولة مالية داعمة مع تصدعات خفية
على الجانب المالي، تبدو الصورة أكثر إيجابية ظاهريًا، فالأوضاع المالية العالمية لا تزال ميسرة، رغم بعض التقلبات وارتفاع عوائد السندات السيادية، وواصلت أسواق الأسهم أداءها القوي، مدعومة بتدفقات استثمارية نحو قطاعات النمو، وعلى رأسها التكنولوجيا.
غير أن هذا الاستقرار يخفي تفاوتًا متزايدًا داخل الأسواق نفسها، فأسهم شركات التكنولوجيا العملاقة المعروفة بـ”السبعة العظماء”، واصلت الابتعاد عن بقية السوق، مسجلة ارتفاعات حادة مقارنة بمؤشر S&P 500 باستثناء هذه الشركات.
هذه الفجوة تعكس رهان المستثمرين على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي كمحركات رئيسية للنمو، لكنها في الوقت نفسه تثير مخاوف من تركز المخاطر وعودة سيناريو “الفقاعات القطاعية”.
الدولار الأمريكي استعاد بعض قوته بعد أن هدأت وتيرة تحوط المستثمرين ضد المخاطر، لكنه تعرض لضغوط مؤقتة عقب الإعلان عن فتح تحقيق يتعلق برئيس الاحتياطي الفيدرالي، هذا التذبذب يعكس هشاشة الثقة حتى في أكثر الأصول أمانًا، ويؤكد أن الاستقرار المالي الحالي مشروط أكثر مما يبدو.

نمو عالمي متوسط يخفي التباينات
على مستوى الأرقام، سجل الاقتصاد العالمي نموًا سنويًا معادلًا بلغ 2.4% في الربع الثالث من 2025، وهو رقم يفوق التوقعات بقليل، لكن هذا المتوسط يخفي قصصًا متناقضة عبر الاقتصادات الكبرى.
في الولايات المتحدة، جاء الأداء لافتًا، حيث تسارع النمو إلى 4.3% مدفوعًا بطفرة في الاستثمار التكنولوجي، وقدر صندوق النقد أن الإنفاق والاستثمار المرتبطين بالتكنولوجيا أضافا نحو 0.3 نقطة مئوية إلى متوسط النمو السنوي خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2025، وهو ما عوض جزئيًا أثر الإغلاق الحكومي الفيدرالي في الربع الأخير من العام.
هذا الأداء يعكس قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحويل الابتكار إلى نمو فعلي، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول استدامته في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتصلب توقعات التضخم لدى الأسر.
في أوروبا، كانت الصورة أكثر تباينًا، واستفادت فرنسا من دفعة قوية في صادرات قطاع الطيران، ما رفع نموها إلى 2.2%، في المقابل ظلت ألمانيا تعاني من ضعف الصادرات الصناعية، ليظل ناتجها المحلي الإجمالي راكدًا بين الربعين الثاني والثالث، هذا التباين يعكس اختلاف الهياكل الاقتصادية داخل منطقة اليورو، ويطرح تحديات إضافية أمام السياسة النقدية الموحدة.
أما اليابان، فقد دخلت منطقة الانكماش، مسجلة تراجعًا بنسبة 2.3%، ورغم أن الاستهلاك الحكومي والخاص ساعد في تخفيف حدة التراجع، فإن ضعف الاستثمار السكني والصادرات ظل عامل ضغط رئيسي، ما يعيد إلى الواجهة إشكالية الاعتماد الياباني المزمن على الطلب الخارجي.
الصين بدورها واصلت التباطؤ، مع نمو يقدر بنحو 2.4%، مدفوعًا بضعف الطلب المحلي، خاصة في قطاع العقارات، الذي لا يزال يمثل عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد، ومع ذلك، أظهرت الصادرات الصينية مرونة لافتة، خصوصًا في القطاعات التكنولوجية، ما ساعد على كبح حدة التباطؤ.
التكنولوجيا قاطرة النمو الجديدة
القاسم المشترك بين الاقتصادات التي حققت أداءً أفضل هو الاستثمار في التكنولوجيا، فطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات لم تقتصر آثارها على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى اقتصادات آسيوية سجلت أداءً قويًا في صادرات الرقائق والمعدات التكنولوجية، حتى في أوروبا، بدأت آثار هذا الزخم تظهر في دول مثل إسبانيا والمملكة المتحدة، وإن كان بوتيرة أقل.
هذا التحول يعيد رسم خريطة التجارة العالمية، فبينما تباطأت صادرات العديد من السلع التقليدية، ظلت التجارة العالمية متماسكة بفضل الطلب القوي على المنتجات التكنولوجية.
غير أن هذا الاعتماد المتزايد على قطاع واحد يطرح تساؤلات استراتيجية حول تنويع مصادر النمو، خاصة للدول النامية التي قد تجد نفسها خارج هذا السباق التكنولوجي.

التضخم.. هدوء ظاهري وقلق كامن
على صعيد الأسعار، يبدو التضخم العالمي مستقرًا نسبيًا، مع مفاجآت تميل إلى الجانب الإيجابي، إلا أن هذا الاستقرار يخفي قلقًا متزايدًا في بعض الاقتصادات، وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث لا تزال تكاليف المعيشة القضية الأهم لدى الأسر، وتظل توقعات التضخم على المدى القصير مرتفعة، كما تشير إليه استطلاعات مديري المشتريات.
هذا التناقض بين بيانات التضخم الرسمية ومشاعر المستهلكين يمثل تحديًا صعبًا لصناع السياسات النقدية، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للموازنة بين دعم النمو وعدم التهاون في استقرار الأسعار.
في المحصلة، يقدم تحديث صندوق النقد الدولي صورة لاقتصاد عالمي لم ينكسر، لكنه لم يتعافى بالكامل، عالم يقوده الابتكار التكنولوجي، لكنه مثقل بعدم يقين سياسي وتجاري، وتفاوتات متزايدة بين الدول والقطاعات.
السؤال المفتوح مع دخول 2026 ليس ما إذا كان الاقتصاد العالمي سينمو، بل من سيقود هذا النمو، ومن سيتخلف عنه، وهل يمكن تحويل هذا الصمود المؤقت إلى تعافي متوازن ومستدام، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة أطول من النمو غير المتكافئ.
اقرأ أيضًا:
آفاق النمو العالمي 2025–2026، تباطؤ منظم وسط تهديدات الركود المحتمل وتسارع «التفكك التجاري»
صندوق النقد: فقاعة الذكاء الاصطناعي تهدد مسار النمو العالمي
Short Url
من عصر الماموث إلى الذكاء الاصطناعي.. رحلة الابتكار في تشكيل الاقتصاد
05 فبراير 2026 12:10 م
الخردة تتحول إلى ثروة، تدوير المعادن يقود اقتصاد المستقبل (إنفوجراف)
04 فبراير 2026 04:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً