أزمة سبائك الذهب والفضة.. اضطراب الإمدادات أم إعادة تسعير عالمية للمخاطر؟
الأربعاء، 28 يناير 2026 09:48 ص
سبائك الذهب
في عالم تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد إلى حد يصعب معه الفصل بين القرار السيادي وحركة الأسواق، لم تعد المؤشرات التقليدية كافية لقراءة المشهد الاستثماري العالمي، فما نشهده اليوم هو إعادة رسم لخريطة “الملاذات الآمنة”، حيث لم تعد السندات الحكومية – وعلى رأسها الأمريكية – تحظى بالمكانة المطلقة التي تمتعت بها لعقود، في مقابل صعود لافت لأصول بديلة يتقدمها الذهب.

السندات.. حين يتحول المرفأ الآمن إلى مصدر قلق
لطالما كان سوق السندات مرآةً حساسة للتوقعات الاقتصادية، إلا أن حساسيته المفرطة في المرحلة الراهنة جعلته أقرب إلى جهاز إنذار مبكر للأزمات الجيوسياسية والتجارية.
موجات البيع الأخيرة، سواء في الولايات المتحدة أو اليابان، لم تكن مجرد عمليات جني أرباح، بل تعبير صريح عن تآكل الثقة في استقرار السياسات العامة.
في الحالة الأمريكية، يبدو أن مفهوم “بيع أمريكا” لم يعد شعارًا إعلاميًا بقدر ما هو سلوك استثماري فعلي، تغذيه قرارات مفاجئة في السياسة الخارجية والتجارية، ونبرة تصعيدية تربك حسابات المستثمرين الدوليين، ويعكس ارتفاع العوائد الحاد طلبًا أعلى على علاوة المخاطر، لا سيما حين تصبح الحكومة نفسها عنصر عدم يقين.
أما اليابان، فالقصة أكثر تعقيدًا، فارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات تاريخية، بالتوازي مع تقلبات الين، يضع بنك اليابان أمام معادلة صعبة: إما التدخل لاحتواء التذبذب، أو ترك السوق يفرض تسعيرًا جديدًا يعكس عبء الدين العام الضخم، ومع اقتراب الانتخابات المبكرة، تزداد حساسية السوق لأي إشارة سياسية، ما يفتح الباب أمام مزيد من التقلبات.
العملات بين شبح التدخل وتوازنات القوة
سوق الصرف الأجنبي يعيش حالة ترقب مشوبة بالحذر، فالين الياباني، الذي عانى طويلًا من ضغوط هيكلية، وجد دعمًا مؤقتًا مع تزايد الحديث عن تدخل منسق محتمل بين طوكيو وواشنطن.
مجرد الإشارة إلى مراجعة سعر الصرف من قبل الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك كانت كافية لإشعال موجة مضاربات معاكسة، رفعت العملة اليابانية إلى أعلى مستوياتها في أسابيع.
لكن هذا الدعم يظل هشًا. فالدين الحكومي الذي يناهز 230% من الناتج المحلي الإجمالي، والتحديات الديموغرافية، تجعل أي قوة في الين عرضة للتآكل ما لم تدعم بإصلاحات أعمق.
ومع ذلك، فإن احتمالية تدخل مشترك – وإن كانت نادرة تاريخيًا – تعني ضمنيًا استعداد القوى الكبرى لاستخدام أدوات غير تقليدية لضبط إيقاع الأسواق.
الذهب.. المستفيد الأكبر من ضجيج السياسة
وسط هذا الضباب، يبرز الذهب بوصفه المستفيد الأوضح، صعوده القوي لا يعكس فقط ضعف الدولار، بل أزمة ثقة شاملة في الأصول المالية الورقية. فالمعدن الذي لا يدر عائدًا عاد ليؤدي دوره التاريخي: مخزنًا للقيمة في أزمنة الشك.
اللافت أن الطلب لا يقتصر على المستثمرين الأفراد، بل يمتد إلى مؤسسات كبرى وبنوك مركزية تسعى لتنويع احتياطياتها بعيدًا عن العملات الرئيسية.
ومع ارتفاع التوقعات السعرية إلى مستويات غير مسبوقة، يبدو أن السوق لم يعد يتعامل مع الذهب كتحوط مؤقت، بل كجزء أساسي من المحافظ الاستثمارية في المرحلة المقبلة.

الذهب إلى أين؟
السؤال الجوهري لم يعد: لماذا يرتفع الذهب؟ بل: متى يتوقف؟ الإجابة مرهونة بعوامل متشابكة؛ من مسار الدولار والسياسة التجارية الأمريكية، إلى مآلات النزاعات الجيوسياسية الكبرى، وأي تهدئة حقيقية قد تعيد بعض البريق للأصول التقليدية، لكن غياب رؤية سياسية مستقرة يجعل هذا السيناريو أقل ترجيحًا على المدى القريب.
في المحصلة، نحن أمام مرحلة انتقالية تعيد تعريف مفهوم الأمان الاستثماري، ولم تعد الأسواق تستجيب للأرقام وحدها، بل للخطاب السياسي، وللإشارات غير المباشرة، ولما بين السطور.
وفي هذا السياق، يصبح ضجيج السياسة ليس مجرد خلفية للأحداث، بل بوصلة حقيقية توجه قرارات المستثمرين من الين إلى الذهب، وما بينهما من رهانات مفتوحة على مستقبل الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضًا:
أزمة نقص سبائك الذهب والفضة في الأسواق تثير الجدل، وخبراء يوضحون الأسباب
Short Url
COP30 بين تعهدات التمويل وفجوة الانبعاثات، هل يفشل العالم مجددًا في كبح أزمة المناخ؟
28 يناير 2026 12:00 م
من 300 إلى 2 مليون دولار، دليل كامل لأسعار المحولات الكهربائية وأنواعها
25 يناير 2026 04:02 م
أوزمبيك بـ 4000 جنيه والدخل 5000، كيف يواجه المصريون فاتورة البقاء على قيد الحياة؟
25 يناير 2026 04:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً