الجمعة، 23 يناير 2026

12:16 ص

%72 من النشاط التعديني للذهب، طفرة استثمارية تغير خريطة اقتصاد السعودية في 2026

الخميس، 22 يناير 2026 10:30 م

الذهب

الذهب

ميرنا البكري

تشهد المملكة العربية السعودية تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق في قطاع التعدين، الذي أصبح أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ضمن رؤية 2030، بعد أن كان مقتصرًا على استخراج المعادن التقليدية. 

اليوم، يتحوّل التعدين إلى محرك اقتصادي رئيسي، مدفوعًا باستثمارات ضخمة في الاستكشاف وتطوير المشاريع، مع تركيز واضح على الذهب والنحاس والمعادن المستقبلية الضرورية للطاقة المتجددة وصناعة البطاريات. 

وتشير الأرقام إلى طفرة نوعية في النشاط التعديني، حيث ارتفعت ميزانيات الاستكشاف بشكل كبير، وارتفع عدد مشاريع الحفر والصيانة، ما يعكس رؤية المملكة لجعل التعدين ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل مستدامة وجذب الاستثمارات العالمية.

How is gold formed?
الذهب

تحول استراتيجي في التعدين السعودي بدعم من رؤية 2030

تمر السعودية الآن بمرحلة تحول حقيقي في التعدين، والذي يتم عبر استراتيجية التعدين التي تعتبر جزء أساسي من رؤية 2030، فالفكرة ليس في استخراج المعادن، لكن فتح أبواب جديدة للاقتصاد وتخفيف الاعتماد على النفط.

المملكة نجحت في توسيع البحث الجيولوجي إلى مناطق جديدة خارج الأحزمة التقليدية، بما يشمل معادن نادرة ومواد بطاريات السيارات الكهربائية، لتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الثروة المعدنية التي تقدر بـ 2.4 تريليون دولار، ما يمثل زيادة بحوالي 90% منذ عام 2016، مما يعني أن المملكة لديها مخزون كبير قادر على تغيير شكل الاقتصاد إذا تم إدارته بشكل صحيح.

ميزانيات الاستكشاف، إحصائيات تثبت جدية الدولة في القطاع

منذ 2022 حتى 2025، ارتفعت ميزانية الاستكشاف في مواقع التعدين بنسبة ضخمة وصلت لـ 595%، من 21 مليون دولار إلى 146 مليون دولار، ويشير هذا الرقم أن المملكة تعتبر قطاع التعدين جزء من مستقبلها الاقتصادي، وتضع أموال حقيقية في الاستكشاف والتطوير.

واللافت أنه برغم الزيادة الكبيرة، فالميزانية لازالت أقل بكثير من دول مثل أستراليا وكندا التي تخصص عادةً أكثر من مليار دولار سنويًا، وهو ما يعني أن السعودية ما زالت في مراحلها الأولى في هذا القطاع.

الذهب والنحاس، القلب النابض للاستراتيجية الاستثمارية

يعد التحول في توزيع ميزانية الاستكشاف مهم للغاية، حيث شهد عام 2025 تخصيص 72% من الميزانية للذهب و23% للنحاس، وهذا ليس أمرًا عشوائيًا بل توجه مخطط له بوضوح، فالذهب يجذب استثمار عالمي ويعتبر ملاذ آمن وأيضًا يساهم في تنويع الاقتصاد.

أما النحاس فهو مطلوب بقوة عالميًا بسبب التحول للطاقة النظيفة والبنية التحتية، وخاصةً في صناعة السيارات الكهربائية، بالتالي السعودية تلعب على ورقتين هامتين للغاية الذهب كأصل آمن، والنحاس كعنصر أساسي في الاقتصاد المستقبلي.

المشاريع والإصلاحات، السعودية تمهد الطريق للمستثمرين 

لا تستثمر السعودية في الاستكشاف فقط، لكنها توسع أيضًا في المشاريع نفسها، فلديها حاليًا 24 مشروع استكشاف و17 مشروع متقدم، ولابد من التركيز على أن الإنفاق على مواقع التعدين استحوذ على 62% من ميزانية 2025، مما يعني أن المملكة تسعى لنتائج سريعة وتوسيع الإنتاج في أقرب وقت.

ومن الجانب التنظيمي، خفضت السعودية الضرائب في قانون الاستثمار الجديد من 45% إلى 20%، ما يعطي المستثمرين ثقة أكبر ويجعل المملكة أكثر تنافسية عالميًا.

وفي جولة الترخيص التاسعة، منحت السعودية 172 موقع للتعدين وجذبت استثمارات معلنة حوالي 671 مليون ريال، وهذا أكبر عدد مواقع يتم ترخيصه في تاريخها، ومن المتوقع أن تكون جولة الترخيص العاشرة التي سيتم إعلانها  في منتدى المعادن المستقبلية 2026 أكبر من ذلك، وهذا دليل على أن الدولة تفتح الباب بقوة للمستثمرين.

قطاع التعدين في السعودية يحقق طفرة خلال 4 سنوات.. الذهب بالمقدمة (تقرير) -  الطاقة
قطاع التعدين

الاحتياطيات ونشاط الحفر، هل السعودية تمتلك الوقود الكافي؟

تمتلك السعودية حاليًا احتياطيات استراتيجية تعطي قطاع التعدين استقرار طويل الأمد، من ذهب يكفي لحوالي 40 عامًا، والنحاس لحوالي 15 عامًا، فهذه الأرقام تعطي ثقة كبيرة في قوة القطاع، لكن في نفس الوقت تجعل التوسع في الاستكشاف ضرورة ملحة لكي يتم ضمان  الاستمرارية ومواكبة الطلب العالمي الذي يزداد سريعًا.

انعكس هذا التحول بشكل عملي على أرض الواقع، فقفزت مشاريع الحفر من 58 مشروع في 2023 إلى 160 مشروع في 2024، وهذا دليل على أن المملكة جادة في تحويل التعدين لركيزة أساسية في الاقتصاد، تطبيقا لأهداف رؤية 2030، التي تستهدف رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي لـ 240 مليار ريال، وخلق 200 ألف وظيفة، وجذب استثمارات جديدة تتجاوز 27 مليار دولار.

المعادن والشراكات الدولية، السعودية تبني علاقات استراتيجية طويلة الأمد

تعتبر شركة "معادن" العمود الفقري لقطاع التعدين في السعودية، وتقود مشاريع ضخمة وشراكات دولية قوية، مثل مشروع جبل صيـد للنحاس مع Barrick، مشروع البوكسايت، ومجمع رأس الخير للألمنيوم مع Alcoa، ومشروع وعد الشمال للفوسفات مع Mosaic.

كما أن هناك اهتمام عالمي متزايد من آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، لأن المستثمرين يرون أن السعودية لديها موارد قوية وإصلاحات جذابة، خصوصًا في “درع الجزيرة” الذي يعتبر من أهم المناطق الجيولوجية في السعودية.

 التحديات الحقيقية، من البيئة للكوادر وحتى البنية التحتية في المملكة

رغم القفزات النوعية التي حققها قطاع التعدين في السعودية، فالطريق حتى قمة الهرم التعديني العالمي لا زال يواجه عدة تحديات كبيرة، والمملكة تعمل على تذليلها لكي تضمن استدامة النمو، وأبرزها:

 1.مربع الشفافية والحوكمة

لكي تنافس السعودية دول التعدين الكبيرة، لابد أن ترفع مستوى الإفصاح والحوكمة، لأن المستثمر العالمي يسعى لإيجاد بيئة تشريعية واضحة ومحكمة تضمن العدالة والشفافية في التعامل مع الامتيازات التعدينية.

2.المعضلة الجيولوجية وشح البيانات

في بعض المناطق، التكوينات الجيولوجية تكون معقدة للغاية، ما يجعل الاستكشاف أصعب أي حتى لو زادت الميزانيات، فلا يوجد دائمًا اكتشافات فورية، لذلك لابد أن يكون هناك قاعدة بيانات جيولوجية وطنية قوية وشاملة، تقلل مخاطر الاستكشاف وتزود دقة التنبؤات.

3. تحدي اللوجستيات والموارد الشحيحة

توجد أغلب الثروات المعدنية في مناطق نائية، ما يضغط على البنية التحتية، فالمشكلة ليس استخراج فقط لكن أيضًا توفير المياه عن طريق التحلية، وبناء شبكات طرق وطاقة واتصالات، وهذه استثمارات ضخمة لابد أن تتم قبل بدء الإنتاج الفعلي.

4.الفجوة المهارية والكوادر البشرية

يحتاج القطاع بسرعة كوادر وطنية مؤهلة تعمل بالتقنيات الحديثة في التعدين؛ نظرًا لأن غياب الكفاءات المتخصصة قد يبطئ تنفيذ المشاريع الكبرى ويأخر الجدول الزمني.

5.درع الحماية ضد تقلبات الأسواق

تتقلب أسعار المعادن العالمية باستمرار، ما يشكل تهديد للاستقرار المالي للمشاريع، وهنا تظهر أهمية بورصة المعادن السعودية المتوقعة؛ نظرًا لأنها ليست منصة تداول فقط، لكن أداة تحوط استراتيجية توفر استقرار سعري وتجذب رؤوس الأموال العالمية التي تبحث عن بيئة استثمارية أقل مخاطرة.

اقرا أيضًا:

قطاع «التعدين السعودي» يسجل أعلى نمو في 9 أرباع بنسبة 4.2%

نمو قطاعي التعدين والصناعة، أرقام قياسية واستثمارات ضخمة تعزز مكانة السعودية

مجتمع Esri للتعدين | استكشاف كيفية استخدام شركات التعدين لنظم المعلومات  الجغرافية
مشاريع الحفر

أهم التوقعات المستقبلية، السعودية في طريقها لتصبح مركز عالمي للتعدين

إذا حافظت المملكة على نفس وتيرة العمل الحالية ومع تعميق الالتزام بمعايير الاستدامة والحوكمة، فسيحدث طفرة إنتاجية ستغير شكل الاقتصاد بالكامل، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:

1) توسع جيولوجي غير مسبوق

من المتوقع أن تشهد منطقة الدرع العربي نشاط استكشافي مكثف يفوق المواقع التقليدية، وهذا قد يؤدي إلى اكتشاف مكامن جديدة تغير خريطة الاحتياطيات الحالية وتزيد من عمرها الافتراضي.

2) السعودية مغناطيس للاستثمارات الأجنبية

بفضل التسهيلات التشريعية المستمرة وتحسن بيئة الأعمال، ستتحول السعودية لوجهة أولى لكبرى شركات التعدين العالمية، هذا لن يجلب أموال واستثمارات فقط، لكن سيجلب أيضًا أحدث التقنيات العالمية للسوق المحلي.

3) تنوع المحفظة المعدنية

رغم أن الذهب والنحاس يظلوا في مقدمة الأولويات، إلا أن المملكة قد تشهد  صعود قوي لـ معادن المستقبل مثل الليثيوم والمعادن النادرة، وهذه المعادن الأساسية في صناعة البطاريات والطاقة المتجددة، ما يجعل السعودية في قلب سلاسل الإمداد للثورة الصناعية الرابعة.

4) سيادة مالية عبر بورصة المعادن

يُتوقع أن تكون البورصة المرتقبة نقطة التحول الكبرى، لأنها لن تربط التعدين المحلي بالأسواق العالمية فقط، لكن ستخلق منظومة مالية متكاملة توفر أدوات تحوط قوية ضد تقلبات الأسعار، مما يمنح المستثمرين أمان أكبر ورغبة أكبر في التوسع على المدى الطويل.

التعدين السعودي اقتصاد جديد يُبنى

يقود قطاع التعدين إعادة بناء الاقتصاد الوطني بعيدًا عن النفط، فالسعودية الآن لديها ثروة معدنية ضخمة، واستراتيجية واضحة واستثمارات حقيقية، وبيئة تنظيمية تتحسن، لكن نجاح هذا القطاع على المدى الطويل سيتوقف على مدى قدرتها على إدارة التحديات تحديدًا البيئية وأيضًا على استمرارية الاستكشاف والابتكار.

Short Url

search