الأحد، 01 فبراير 2026

12:41 م

83 مليار دولار وسوق يتغير، تحولات رقمية تعيد رسم تمويل التجارة حتى 2031

الأحد، 01 فبراير 2026 09:44 ص

تمويل التجارة العالمي

تمويل التجارة العالمي

يشهد سوق تمويل التجارة العالمي مرحلة تحول هيكلي عميق، مدفوعة بتسارع الرقمنة، وتغير أنماط التجارة الدولية، وظهور نماذج تمويل مبتكرة تقودها التكنولوجيا المالية، في وقت لا تزال فيه المخاطر الجيوسياسية وتشديد متطلبات الامتثال التنظيمي تشكل تحديات ضاغطة على البنوك والمؤسسات المالية التقليدية.

ووفقًا لأحدث تحليل صادر عن Mordor Intelligence، يقدر حجم سوق تمويل التجارة عالميًا بنحو 83.42 مليار دولار في عام 2026، مرتفعًا من 80.64 مليار دولار في 2025، مع توقعات بوصوله إلى 98.83 مليار دولار بحلول عام 2031، محققًا معدل نمو سنوي مركب يبلغ 3.45% خلال الفترة من 2026 إلى 2031.

هذا النمو، وإن بدا معتدلًا نسبيًا، يعكس توازنًا دقيقًا بين توسع الطلب على حلول تمويل أكثر سرعة ومرونة، وبين القيود المتزايدة المرتبطة بمخاطر الامتثال، والعقوبات الدولية، وارتفاع تكاليف إدارة المخاطر، خصوصًا في الأسواق الناشئة.

تحول هيكلي في الطلب.. من الاعتمادات المستندية إلى الحلول الرقمية المفتوحة

يظل الطلب في سوق تمويل التجارة منقسمًا بين أدوات تقليدية لا غنى عنها، وحلول رقمية تتوسع بوتيرة متسارعة، فعلى الرغم من استمرار الاعتمادات المستندية كخيار أساسي في الممرات التجارية عالية المخاطر، فإن السوق يشهد تحولًا واضحًا نحو حلول الحساب المفتوح (Open Account)، خاصة في البيئات التجارية المستقرة نسبيًا.

بحسب التقرير، استحوذت الأدوات المستندية على 65.72% من الحصة السوقية في عام 2025، مدفوعة بدورها المحوري في الحد من مخاطر عدم السداد في المناطق التي تعاني من تقلبات سياسية أو اقتصادية. 

في المقابل، من المتوقع أن تنمو المنتجات غير المستندية بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.39% حتى عام 2031، مدعومة برقمنة المستندات، وانتشار التأمين على الائتمان التجاري، وتكامل حلول التمويل داخل سلاسل التوريد الرقمية.

البنوك تهيمن والتكنولوجيا المالية تزاحم بقوة

على صعيد مقدمي الخدمات، لا تزال البنوك اللاعب المهيمن في سوق تمويل التجارة، حيث استحوذت على 69.84% من إجمالي الإيرادات في 2025، مستفيدة من ميزانياتها العمومية الضخمة، وقدرتها على تقديم تمويلات متعددة العملات، وخبرتها الطويلة في إدارة المخاطر العابرة للحدود.

غير أن هذا التفوق يواجه تحديًا متزايدًا من منصات التكنولوجيا المالية (Fintech)، التي يُتوقع أن تنمو بمعدل 4.75% سنويًا حتى 2031، مدفوعة بنماذج عمل تعتمد على واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، والدمج المباشر مع أنظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP) ومنصات التجارة الإلكترونية.

وتشير التقديرات إلى أن حجم سوق تمويل التجارة الذي تخدمه شركات التكنولوجيا المالية قد يصل إلى 11.2 مليار دولار بحلول 2031، في حال استمرار الشراكات القائمة مع البنوك الكبرى بنفس الوتيرة الحالية، ما يعكس انتقالًا تدريجيًا من المنافسة الصِرفة إلى نماذج تعاون هجينة تجمع بين رأس المال المصرفي والخبرة التقنية.

المعاملات الدولية تتصدر لكن السوق المحلي الأسرع نموًا

من حيث الاستخدام، استحوذت المعاملات التجارية الدولية على 61.35% من حجم سوق تمويل التجارة في 2025، نتيجة تعقيد الوثائق، وتعدد الولايات القضائية، والحاجة إلى أدوات ضمان قوية في الصفقات العابرة للحدود.

في المقابل، يتوقع أن يسجل التمويل التجاري المحلي أسرع وتيرة نمو، بمعدل سنوي مركب يبلغ 5.61% حتى 2031، مدفوعًا بتوسع برامج تمويل سلاسل التوريد داخل الأسواق المحلية، وتبني الشركات الكبرى نماذج الخصم الديناميكي والدفع المبكر لتحسين رأس المال العامل دون زيادة الاعتماد على القروض التقليدية.

الشركات الكبرى تسيطر وSMEs محرك النمو الحقيقي

لا تزال الشركات الكبرى تستحوذ على النصيب الأكبر من السوق، بنسبة 55.92% في عام 2025، بفضل علاقاتها المصرفية المتعددة، وقدرتها على تقديم ضمانات قوية، وسهولة امتثالها للمتطلبات التنظيمية.

لكن الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) تمثل محرك النمو الأسرع، مع توقعات بتحقيقها معدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.05% حتى 2031، مدعومة بالحلول الرقمية التي تقلل من تعقيدات الانضمام، وترقمن تقييم الجدارة الائتمانية على مستوى الفاتورة الواحدة.

ورغم ذلك، لا تزال فجوة تمويل التجارة للشركات الصغيرة والمتوسطة قائمة عند مستوى 2.5 تريليون دولار عالميًا، ما يفرض ضغطًا متزايدًا على البنوك ويدفع المؤسسات متعددة الأطراف وشركات التأمين إلى توسيع برامج الضمان لتشجيع الإقراض.

الرقمنة والبلوك تشين.. محركات النمو الأبرز

تشير بيانات Mordor Intelligence إلى أن رقمنة التجارة واعتماد تقنيات البلوك تشين تضيف وحدها نحو 1.2 نقطة مئوية إلى معدل النمو السنوي المركب للسوق، مع تصدر آسيا-المحيط الهادئ وأوروبا مشهد التبني.

فقد نجحت شبكات مثل Contour في تقليص زمن الموافقة على خطابات الاعتماد من 10 أيام إلى أقل من 24 ساعة، فيما كشفت SWIFT في سبتمبر 2025 عن نموذج أولي لدفتر أستاذ قائم على البلوك تشين يسجل بيانات التسوية الفورية لأكثر من 11 ألف مؤسسة مالية حول العالم.

كما أسهم الاعتراف القانوني بالمستندات الإلكترونية، مدعومًا بتطبيق قانون MLETR في دول مثل المملكة المتحدة وسنغافورة والاتحاد الأوروبي، في توسيع شهية المستثمرين تجاه الأدوات المدعومة بالذمم المدينة التجارية.

التجارة الإلكترونية العابرة للحدود تعيد تعريف التمويل التجاري

تشكل التجارة الإلكترونية العابرة للحدود محركًا رئيسيًا آخر، حيث يُتوقع أن تصل أحجام مدفوعات B2B الدولية إلى 56 تريليون دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي يبلغ 5.6%.

وتتجه شركات كبرى إلى دمج حلول الائتمان مباشرة داخل رحلات الشراء الرقمية، ما يقلل زمن انضمام الموردين ويدفع نحو تفضيل الحساب المفتوح على التحصيلات المستندية التقليدية. 

هذا التحول يفرض على البنوك تطوير منصات مرنة قادرة على اتخاذ قرارات ائتمانية فورية عبر واجهات رقمية متصلة بالأسواق الإلكترونية.

ضغوط الامتثال والمخاطر الجيوسياسية.. كوابح النمو

في المقابل، يواجه السوق مجموعة من القيود، أبرزها تشديد متطلبات مكافحة غسل الأموال ومعرفة العميل، والتي تخصم نحو 0.7 نقطة مئوية من معدل النمو المتوقع.

وتشير التقديرات إلى أن بعض البنوك الكبرى تنفق ما يصل إلى 175 مليون دولار سنويًا على مراجعات KYC، فيما لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي تعتمد أتمتة كاملة لهذه العمليات 4% فقط، ما يؤدي إلى إقصاء عدد كبير من الشركات الصغيرة عالية المخاطر.

كما تسهم التوترات الجيوسياسية والعقوبات في خفض النمو بنحو 0.5 نقطة مئوية، مع تسجيل تراجع بنسبة 21% في خطوط البنوك المراسلة إلى إفريقيا جنوب الصحراء منذ 2022، نتيجة سياسات تقليص المخاطر.

آسيا-المحيط الهادئ في الصدارة.. وأوروبا وأمريكا الشمالية تعيدان التموضع

جغرافيًا، تصدرت منطقة آسيا-المحيط الهادئ السوق بحصة 38.12% في 2025، مع توقعات بنمو قوي يبلغ 5.68% سنويًا حتى 2031، مدعومًا بعمق القاعدة الصناعية، وأطر التجارة الرقمية المتقدمة، ومبادرات مثل مشروعات الحزام والطريق، وبرامج الحوافز الصناعية في الهند.

في المقابل، تستفيد أمريكا الشمالية من الابتكار المالي ودور الدولار العالمي، بينما تواجه أوروبا تحديات تنظيمية متزايدة، تقابلها استثمارات مكثفة في حلول البلوك تشين والعملات المستقرة المتوافقة مع MiCA.

أما الشرق الأوسط وإفريقيا، فيمثلان أسواقًا ذات إمكانات نمو مرتفعة ولكنها مصحوبة بعلاوات مخاطر سياسية وتنظيمية.

يدخل سوق تمويل التجارة العالمي مرحلة إعادة تشكيل شاملة، حيث لم يعد النمو مرهونًا فقط بحجم التجارة العالمية، بل بقدرة الأطراف الفاعلة على الرقمنة، وإدارة الامتثال، وابتكار نماذج تمويل أكثر شمولًا. 

وبينما تظل البنوك حجر الزاوية في هذا السوق، فإن المستقبل يبدو مرسومًا بتحالفات ذكية مع التكنولوجيا المالية، وأسواق رأس المال، ومنصات البلوك تشين، في سباق لسد فجوة تمويلية عالمية لا تزال تمثل أحد أكبر التحديات أمام التجارة الدولية.

اقرأ أيضًا:

"الأصول المرمزة"، من تقنية ناشئة إلى عمود فقري للتمويل العالمي

مليارات لا تكفي العالم.. تقرير يكشف اختلالات التمويل العالمي ويدعو لثورة في دعم التنمية المستدامة

Short Url

search