الثلاثاء، 27 يناير 2026

12:03 م

الاقتصاد العالمي 2026، إعادة تشكيل عميقة تقودها الطاقة والذكاء الاصطناعي ورأس المال طويل الأجل

الثلاثاء، 27 يناير 2026 10:10 ص

الاقتصاد العالمي

الاقتصاد العالمي

يدخل الاقتصاد العالمي، مرحلة جديدة تتجاوز منطق الدورات التقليدية للصعود والهبوط، متجهًا نحو إعادة تشكيلٍ هيكليةٍ عميقةٍ تقودها الطفرة غير المسبوقة في الذكاء الاصطناعي، وتسارع التحول في أسواق الطاقة، وعودة الدولة بقوةٍ كمحركٍ للاستثمار عبر الإنفاق على البنية التحتية والدفاع والأمن الطاقي. 

وتجمع التقديرات الصادرة عن FTI Consulting, Inc، على أن عام 2026 قد يمثل نقطة ترسخ لهذه التحولات، حيث تنتقل الأسواق من مرحلة الترقب وعدم اليقين، إلى مرحلة بناءٍ طويل الأجل وضمن بيئة أكثر تعقيدًا وانتقائية.

 

توقعات الاقتصاد الأمريكي والصيني، ومنطقة اليورو 

ويقبل الاقتصاد الأمريكي على عام 2026 بنموٍ متوقعٍ حوالي 2.6%، وهذا رقم قوي للغاية قوي لاقتصاد بحجم أمريكا، ويختلف وضع الصين قليلًا، فالطلب المحلي ضعيف وسوق العقارات لا يزال يواجه تحديات، لكن في المقابل الصادرات قوية والحكومة تدخل بسياسات مالية ونقدية نشطة، لذلك من المتوقع أن يصل النمو لـ4.8%، فالصين هنا لا تجري بأقصى سرعة، وهدف الـ5% نمو لا يزال حاضرًا، حتى لو تم الوصول إليه بصعوبة.

وبالنسبة لمنطقة اليورو، فمن المتوقع أن تشهد نموًا متواضعًا عند 1.3%، وهذا انعكاس طبيعي للاقتصاديات الكبيرة، والشيخوخة السكانية الغالبة، لكن الأهم أن أوروبا مستقرة ولا يوجد انهيار أو أزمات سيولة، وهو ما يجعلها سوق آمنة أكثر منها سريعة النمو.

 

منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا تتألق، وقطر تتصدر التوقعات

وتكمن المفاجأة الحقيقية هنا، فمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تقبل على عام 2026 بنموٍ يبلغ حوالي 3.6%، أي أعلى من المتوسط العالمي؛ نظرًا لحجم الاستثمارات الحكومية الضخمة والتنويع الاقتصادي الحقيقي، والتحول الرقمي السريع، إلى جانب الفوائض المالية في الخليج.

وتتصدر قطر توقعات النمو بـ4.9% مدفوعة بزيادة إنتاج الغاز، ومن المتوقع أن تشهد مصر نموًا بنسبة 4.4%، وبدعمٍ من مشروعات الطاقة المتجددة، تليها السعودية بتوقعات تصل إلى 3.6% والإمارات بـ4.3%، واللافت أن هذا النمو يأتي من قطاعات أغلبها غير نفطية، وهو ما يشير إلى تحولٍ هيكلي داخل المنطقة.

 

الطاقة.. كهرباء أكثر واقتصاد مختلف

ولم تعد الطاقة مجرد قطاعٍ تقليدي مرتبط بأسعار النفط والغاز، بل أصبحت البنية التحتية الخفية للاقتصاد الرقمي الجديد، فالطلب على الكهرباء يتسارع بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعًا بالتوسعات الهائلة في مراكز البيانات، وانتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتسارع كهربة النقل والصناعة.

وتشير التقديرات، إلى أن مراكز البيانات وحدها باتت تنافس قطاعات صناعية كاملة في استهلاك الطاقة، ما يفرض ضغوطًا استثمارية ضخمة على شبكات الكهرباء.

في هذا السياق، تتحول شركات المرافق والطاقة المتجددة، إلى مستفيدٍ رئيسي من هذا التحول، ليس فقط عبر زيادة الطلب، بل من خلال دورها المحوري في استقرار الاقتصاد الرقمي، كما تتجه الاستثمارات في التحول الطاقي إلى مرحلة أكثر نضجًا، تركز على المشاريع الكبيرة ذات التدفقات النقدية المستقرة، بعد سنوات من الرهانات التجريبية. 

وفي المقابل، يبدو قطاع النفط والغاز عالقًا في مفارقة معقدة، طلب عالمي لم ينهَار ووفرة المعروض وضغوط التحول الطاقي تحدّ من فرص ارتفاع الأسعار، ما يبقيه في موقعٍ دفاعي خلال 2026.

 

التكنولوجيا.. من فورة الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإنتاجية

ولا تزال التكنولوجيا المحرك الأول لنمو الأرباح عالميًا، لكن طبيعة هذا النمو بدأت تتغير، فبعد موجة صعود قادها الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، تدخل الأسواق مرحلة إعادة تسعير أكثر عقلانية، حيث يصبح السؤال الأساسي: من يحقق العائد الفعلي من هذه الاستثمارات الضخمة؟

ورغم المخاوف المرتبطة بتركيز الاستثمارات في عدد محدود من الشركات العملاقة، فإن الذكاء الاصطناعي يواصل التغلغل في مختلف القطاعات، من الصناعة والخدمات المالية إلى الرعاية الصحية والخدمات اللوجستية. 

وتستفيد الحوسبة السحابية والأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية من هذا التوسع، الأمر الذي يخلق دورة استثمار طويلة الأمد، تتجاوز حدود شركات التكنولوجيا التقليدية.

 

أشباه الموصلات.. قطاع استراتيجي في قلب الصراع الجيوسياسي

وتمثل صناعة أشباه الموصلات، العصب الحقيقي للاقتصاد الرقمي، لكنها في الوقت ذاته أصبحت أداةً جيوسياسية بامتياز، فالتوترات بين الولايات المتحدة والصين، وسياسات توطين الإنتاج، تعيد رسم خريطة الاستثمارات وسلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الضغوط، لا يزال القطاع يتمتع بزخمِ أرباحٍ قوي -خاصة في أوروبا- مدفوعًا بالطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والتصنيع المتقدم، غير أن هذا الزخم يظل مشروطًا بقدرة الشركات على إدارة المخاطر الجيوسياسية، وضبط الاستثمارات الرأسمالية الضخمة المطلوبة.

 

الصناعة.. عودة المصانع في عصر البيانات

ويشهد قطاع الصناعات تحولًا ملفتًا، مدفوعًا بإعادة التصنيع والإنفاق الدفاعي، والطلب المتولد عن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فبناء مراكز البيانات وتوسيع شبكات الكهرباء وتعزيز القدرات الصناعية المحلية، كلها عوامل تعيد الاعتبار للقطاع الصناعي، بعد سنوات من التهميش النسبي.

وتستفيد الشركات الصناعية والهندسية من هذا التحول، خاصة تلك القادرة على تقديم حلولٍ متقدمةٍ في مجالات الطاقة والمواد والبناء الذكي، كما يبرز قطاع الصناعات، كحلقة وصلٍ بين السياسات الحكومية والطموحات التكنولوجية، ما يمنحه موقعًا استراتيجيًا في المرحلة المقبلة.

 

التشييد والبناء.. مراكز البيانات تحل محل الأبراج المكتبية

وفي سوق العقارات والبنية التحتية، يتضح الانقسام بشكلٍ صارخ، فبينما لا يزال قطاع المكاتب يعاني من ضغوطٍ هيكليةٍ مرتبطةٍ بالعمل عن بعد، تشهد قطاعات الإسكان واللوجستيات ومراكز البيانات انتعاشًا واضحًا.

وينظر إلى مراكز البيانات باعتبارها “العقار الجديد للاقتصاد الرقمي”، حيث تستقطب استثمارات ضخمة، وتعيد توجيه رأس المال بعيدًا عن الأصول التقليدية، كما يسهم تراجع أسعار الفائدة في دعم هذا التعافي، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار طويل الأجل في البنية التحتية.

 

السلع الأولية.. ذهب لليقين ومعادن للمستقبل

وتدخل أسواق السلع مرحلة مفصلية، حيث يواصل الذهب تألقه مدعومًا بطلب البنوك المركزية، ورغبة المستثمرين في التحوط من المخاطر الجيوسياسية والتكنولوجية. 

وفي المقابل، تكتسب المعادن الصناعية أهمية استراتيجية متزايدة، باعتبارها مكونًا أساسيًا في التحول الطاقي وبناء البنية التحتية الرقمية، أما النفط، فيظل تحت ضغط فائض المعروض، ما يعكس انتقالًا تدريجيًا في مركز الثقل من الطاقة الأحفورية إلى المعادن والطاقة النظيفة.

ويظل الذكاء الاصطناعي القصة الكبرى لهذا العقد، لكنه يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، فبعد سنوات من الاستثمار المكثف، يبدأ المستثمرون في التمييز بين الشركات القادرة على تحويل التكنولوجيا إلى أرباح مستدامة، وتلك التي تكتفي بسردية النمو. 

ورغم التحذيرات من مخاطر التركز وعدم وضوح الطلب طويل الأجل، فإن معظم التقديرات ترى أن الذكاء الاصطناعي، لا يزال في بدايات تأثيره الاقتصادي.

 

القطاع المالي.. ممول التحول العالمي

ويقف القطاع المالي كمستفيد وممول رئيسي لهذه التحولات في الخلفية، فالبنوك اليوم أكثر قوة من حيث رأس المال والربحية، وقادرة على دعم موجة استثمار طويلة الأجل في الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية، وتبدو البنوك الأوروبية تحديدًا في موقعٍ جيدٍ للاستفادة من هذه الدورة، مدعومةٍ بتحسن النمو الإسمي واستقرار بيئة أسعار الفائدة.

إن الاقتصاد العالمي لا يتجه إلى تباطؤٍ بقدر ما يتجه إلى إعادة تشكيلٍ شاملةٍ، حيث تعاد صياغة خريطة القطاعات الرابحة، وتتغير أولويات الاستثمار، ويصبح التفاعل بين التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية، هو المحدد الأساسي للنمو، إنها مرحلة لا تكافئ فيها السرعة بقدر ما تكافئ الرؤية طويلة الأجل، والقدرة على قراءة التحولات الهيكلية العميقة.

اقرأ أيضًا:-

صندوق النقد يرفع توقعات النمو العالمي لعام 2026 بسبب استثمارات الذكاء الاصطناعي

بين صمود أمريكا وتباطؤ الصين وتألق الشرق الأوسط، ملامح الاقتصاد العالمي في 2026

Short Url

search