الأربعاء، 14 يناير 2026

07:11 م

مستشار البنك الدولي السابق لـ"إيجي إن": الصين تسيطر على المعادن النادرة والعالم أخطأ حين استهان بترامب

الأربعاء، 14 يناير 2026 03:28 م

ماهر نيقولا المستشار السابق للبنك الدولي

ماهر نيقولا المستشار السابق للبنك الدولي

إيران مفتاح آسيا الوسطى وضربها يكسر ظهر الصين

النسر الأمريكي لن يترك التنين الصيني يبتلع العالم والمعركة الآن هي "الآن أو أبدا"

العولمة ماتت في 2025 ونحن الآن في عصر صراع الممرات والمعادن النادرة

ترامب يخطط لكسر ظهر التنين الصيني عبر بوابة طهران وجرينلاند

أوروبا أخطأت حين ظنت أنها أذكى من ترامب والآن تدفع الثمن

في اللحظة التي اعتقد فيها الجميع أن قوانين التجارة الحرة هي القدر المحتوم للاقتصاد العالمي أطلق دونالد ترامب صافرة التحول لتبدأ حقبة السياسة الاقتصادية الجغرافية الجديدة، فلم تعد القوة تُقاس بمعدلات النمو الصماء فحسب بل بالقدرة على خنق سلاسل إمداد الخصم وتأمين مسارات بديلة للطاقة والمعادن الحيوية.

إننا أمام مشهد اقتصادي عالمي يعاد تفكيكه على أسس مغايرة تماماً لما عشناه في الـ 40 عاما الماضية، مشهد تبرز فيه تساؤلات اقتصادية مصيرية: هل تحولت الرسوم الجمركية من أداة حماية تجارية إلى سلاح تحرير استراتيجي للاقتصاد الأمريكي من التبعية للصين؟ كيف استطاعت بكين تأمين 85% من المعادن الأرضية النادرة ولماذا يعتبر هذا الرقم هو التهديد الأكبر لمستقبل الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا تتسابق القوى العظمى للسيطرة على الممرات القطبية وضم "جرينلاند؟ وهدف أمريكا الحقيقي بالتهديد بضرب إيران؟ 

في هذا الحوار يفكك لنا ماهر نيقولا الفرزلي المدير التنفيذي للمركز الأوروبي الآسيوي للدراسات الاستراتيجية والمستشار السابق لدي البنك الدولي المنطق العميق الذي يحكم سياسات ترامب ويعيد قراءة التحولات الكبرى من بكين إلى واشنطن ومن جرينلاند إلى إيران في عالم لم تعد فيه الجغرافيا مجرد خلفية للتاريخ بل صارت سلاحه الاقتصادي الأخطر.

فإلى نص الحوار 

س: يتهم الخصوم في أوروبا الرئيس ترامب بأنه "حاكم مستبد متعصب" فكيف تقرأ أيديولوجيته الحقيقية؟

علينا أولا أن نضع الأمور في سياقها الثقافي والأيديولوجي ترامب لا يتحرك بعشوائية لديه رؤية عالمية تقود سياساته لكن كلمة عالم عنده تعني "الخريطة الأرضية" حرفيا ولكن بدون عولمة، فلقد عشنا 40 عاما منذ سقوط السوفييت عام 1985 حتى انطلاق حرب ترامب للتعريفات في 2025 سادت فيها العولمة وحكمت واشنطن نخب باعت المصالح الأمريكية.

خلال تلك الفترة سيطر حزبان مؤيدان لحلف الناتو وللتجارة الحرة على واشنطن وعلى معظم العالم ، الديمقراطيون في عهد كلينتون برأسماليتهم المتوحشة الذين تظاهروا بتمثيل الطبقة العاملة والجمهوريون الجدد في عهد بوش بنزعتهم الحربية الذين ادعوا الوطنية بينما باعوا أمريكا لمصالح أجنبية شملت الصين وألمانيا وإسرائيل وغيرها.

الولاية الثانية لترامب التي بدأت قبل عام بالضبط جاءت كرد فعل جذري على كل تلك التجاوزات المعادية للمصلحة الأمريكية وعلى عكس فترته الأولى بين 2017 و2020 فإن ترامب اليوم تحرر تماما من جناح بوش تشيني داخل الحزب الجمهوري وهو الجناح الذي تمكن من تدميره سياسيا خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024.

ما الخطأ الذي ارتكبه خصوم ترامب؟

الأوروبيون والبريطانيون أخطأوا حين استهانوا بترامب واعتقدوا أنهم "أذكى وأكثر تحضرا" منه وأيضا قادة فنزويلا وإيران ارتكبوا الخطأ نفسه وهم اليوم يدفعون ثمنا باهظا لسوء التقدير.

بالحديث عن السياسة الاقتصادية الجغرافية الجديدة كيف ترى طبيعة الصراع الحالي بين ترامب والصين؟

نحن حاليا نعيش السياسة الاقتصادية الجغرافية الجديدة فترامب ودائرته المقربة ليسوا هواة سياسة، هم نخبة من صناع القرار يحملون درجات علمية عليا من برينستون وهارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وقضوا سنوات طويلة في قمة مؤسسات وول ستريت ووادي السيليكون.

يكفي النظر إلى تشكيل حكومته السير الذاتية لوزرائه أقوى بكثير من نظرائهم الباهتين في باريس وبرلين ولندن والفارق واضح في الأداء ففي عهد ترامب أدركت النخبة الأمريكية أخيرا أن الصين كانت تفوز بهدوء وبثبات في سباق الهيمنة العالمية بينما كان رؤساء مثل بوش وأوباما وبايدن "غارقين في الغفلة"، فاليوم تتقدم الصين على الولايات المتحدة في معظم القطاعات الصناعية من الهندسة الميكانيكية والكهربائية والمدنية للبناء والسكك الحديدية الحديثة والنقل الجوي والبحري والطاقة بما فيها النووية بالإضافة لبناء السفن والنسيج و الصلب والألومنيوم والمعادن النادرة

ليس ذلك فقط بل إن طريق الحرير الجديد الصيني يمتد من منشوريا وهونغ كونغ إلى أثينا وبودابست ولم يتبق للولايات المتحدة سوى ثلاثة مجالات تنافسية حقيقية وهى الطيران المدني والعسكري وتكنولوجيا المعلومات بما فيها الذكاء الاصطناعي بالإضافة لصناعة الرقائق الإلكترونية بالشراكة مع تايوان وكوريا

لكن المشكلة الأخطر أن المعادن النادرة المكررة التي تسيطر الصين على 85 % منها هي العمود الفقري لصناعة الرقائق والأساس الذي يقوم عليه الذكاء الاصطناعي وكذلك الصناعات العسكرية والطائرات الحديثة

الصين تستخرج وتكرر ثلثي إنتاجها من المعادن النادرة من مناجم محلية والثلث الآخر من مناجم استراتيجية في شرق ووسط آسيا وأفريقيا وتتحرك هذه الخامات الحيوية نحو بكين عبر شبكة "طريق الحرير" العملاقة البرية والبحرية والجوية والتي يسميها المخططون الاقتصاديون الصينيون “حزام وطريق العالم”

س: نلاحظ اهتماما مفاجئا بجرينلاند وتصعيدا حادا ضد إيران ما الرابط الاستراتيجي هنا؟

انظر إلى الخريطة.. التغير المناخي والاحتباس الحراري يفتحان تدريجيا الممرين العملاقين في القطب الشمالي ومع طريق الحرير الصيني الذي يمر عبر آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان يعاد تشكيل الاقتصاد العالمي بسرعة غير مسبوقة

الصين باتت تسيطر على 90 %  من طريق الحرير الجديد بما في ذلك أفضل شبكات السكك الحديدية والموانئ والمطارات من باكستان إلى اليونان وحتى أجزاء من ألمانيا مثل هامبورج وإسرائيل مثل حيفا هذا النفوذ تحقق خلال 14 عاما فقط بينما كانت الحكومات الأوروبية والأمريكية تنظر في اتجاه آخر

في الوقت نفسه تسيطر روسيا على "الممر الشمالي الشرقي" وهو طريق شحن هائل يربط بين الأطلسي والهادئ على طول السواحل القطبية لروسيا وسيبيريا ولهذا ترامب يدرك أن اللحظة هي الآن أو أبدا إذا أرادت أمريكا البقاء في قلب اللعبة ولهذا جرينلاند تمنحه القدرة على التحكم في الممر الشمالي الغربي وهو الطريق البحري العملاق بين الأطلسي والهادئ عبر القطب الشمالي قرب سواحل ألاسكا وكندا

س: ولماذا يهدد ترامب بضرب إيران في تلك الفترة ؟

من خلال ضرب إيران بقوة تستطيع أن تسيطر على آسيا وهي مفتاح آسيا الوسطى وبحر قزوين منذ أيام هيرودوت وبالتوازي مع عقد سلام مع روسيا يضمن به حياد موسكو تستطيع الولايات المتحدة كسر العمود الفقري لطريق الحرير الصيني بعزل أصوله الأوروبية والآسيوية والأفريقية عن بكين وفي هذا المشهد حيث يصارع "النسر" "التنين" على السيادة المطلقة فوق رقعة الشطرنج العالمية تُنظر إلى أوكرانيا وأوروبا في أفضل الأحوال كأقزام بلا وزن في حسابات المخططين الأمريكيين ذوي النزعة النيكسونية الجديدة.

Short Url

search