الثلاثاء، 13 يناير 2026

06:37 م

كيف تُصنَّع الأقمار الصناعية وما تكلفة الوصول إلى الفضاء؟

الثلاثاء، 13 يناير 2026 12:48 م

الأقمار الصناعية

الأقمار الصناعية

تبدأ الأقمار الصناعية مسارها كمجرد فكرة على طاولة التخطيط، قبل أن تتحول إلى منظومات تكنولوجية فائقة القدرة على العمل في أقسى البيئات الكونية، وفي رحلة هندسية شديدة التعقيد، لا يُصمم القمر الصناعي لأداء مهمة محددة فحسب، بل ليصمد لسنوات طويلة في الفضاء دون صيانة مباشرة، معتمداً على دقة متناهية في التصميم واختبارات صارمة تسبق لحظة الإطلاق.

تنطلق عملية التصنيع بمرحلة "التصميم والتخطيط"، حيث يتم تحديد الهدف الاستراتيجي للمهمة، سواء في مجالات الاتصالات، البث التلفزيوني، مراقبة الأرض، أو الأبحاث العلمية، وبناءً على ذلك، يضع المهندسون المخططات التفصيلية للهيكل والأنظمة الفرعية (الطاقة، الاتصالات، الملاحة، والدفع)، مع تحدي تقليل الوزن إلى أدنى مستوياته لخفض تكلفة الإطلاق الباهظة، وتحديد العمر التشغيلي المتوقع والميزانية المرصودة.

 صراع مع الإشعاع والاهتزاز

تعد مرحلة "اختيار المواد" أكثر المحطات حساسية؛ حيث تُستخدم سبائك الألومنيوم، وألياف الكربون، والكيفلار لضمان خفة الوزن والصلابة الفائقة أمام اهتزازات الإطلاق العنيفة، ولأن البيئة الفضائية لا ترحم، تُستبدل الزيوت التقليدية بمواد تشحيم جافة مثل "التفلون" لمنع التبخر في الفراغ، وتُستخدم لدائن حرارية خاصة تمنع انبعاث الغازات التي قد تُتلف العدسات والأجهزة الدقيقة.

في المرحلة النهائية، يتم تصنيع المكونات من ألواح شمسية وخزانات وقود وأجهزة استشعار داخل "غرف نظيفة" معقمة تماماً من الغبار والجسيمات، وتُتوج هذه الجهود بتجميع كافة الأجزاء داخل الهيكل الرئيسي المعروف باسم "الحافلة" (The Bus)، وهو الإطار الحيوي الذي يضمن تكامل جميع الأنظمة الفرعية ويحولها إلى كيان تقني واحد جاهز لغزو الفضاء.

وقبل السماح للقمر الصناعي بمغادرة الأرض، يخضع لسلسلة من الاختبارات البيئية الصارمة التي تحاكي ظروف الإطلاق والفضاء، وتشمل هذه الاختبارات اختبارات الاهتزاز لمحاكاة القوة الهائلة للصاروخ أثناء الإقلاع، واختبارات الفراغ الحراري للتأكد من قدرة الأنظمة على العمل في درجات حرارة شديدة الارتفاع والانخفاض وفي غياب الهواء، إضافة إلى الاختبارات الوظيفية التي تضمن عمل جميع الأنظمة بكفاءة وتناسق تام.

وعند اجتياز هذه المراحل، تأتي مرحلة الإطلاق، حيث يتم تثبيت القمر الصناعي على صاروخ الإطلاق من منصة أرضية، ليُرسل إلى مدار محدد بدقة، وغالبًا ما يستخدم الصاروخ مدارات انتقالية، مثل مدار هوهمان، للوصول إلى المدار النهائي، سواء كان مدارًا أرضيًا منخفضاً أو متوسطاً أو مداراً ثابتاً بالنسبة للأرض، وفقاً لطبيعة المهمة.

صناعة الأقمار الصناعية من أكثر الصناعات تكلفة في العالم

وتُعد صناعة الأقمار الصناعية من أكثر الصناعات تكلفة في العالم، ويُعد القمر الصناعي المصري “نايل سات 301” مثالاً بارزاً على ذلك، إذ أعلنت الشركة المصرية للأقمار الصناعية أن تكلفة تصنيع وإطلاق وتأمين القمر بلغت نحو 180.9 مليون دولار، شملت جميع النفقات منذ التعاقد وحتى التأكد من جاهزية القمر للعمل في مداره، وتعكس هذه الأرقام حجم الاستثمارات المطلوبة لضمان امتلاك بنية تحتية فضائية قادرة على دعم قطاعات الاتصالات والإعلام.

وبينما تبدو الأقمار الصناعية هياكل معدنية ضخمة، فإنها تحتوي أيضًا على كميات محدودة من المعادن النفيسة، وعلى رأسها الذهب، الذي يُستخدم في طلاء بعض المكونات الإلكترونية والحساسات لحمايتها من التآكل والإشعاع وتحسين التوصيل الكهربائي، ورغم الاعتقاد الشائع بوجود كميات كبيرة من الذهب في الأقمار الصناعية، فإن الواقع يشير إلى أن الذهب المستخدم غالباً يكون في صورة طبقات رقيقة جدًا لا يتجاوز وزنها عادة غراماً واحداً، وقد يصل في بعض الحالات الخاصة إلى بضعة كيلوغرامات إذا استُخدمت طبقات أكثر سماكة، وهو ما يظل ضئيلاً مقارنة بالوزن الإجمالي للقمر الصناعي.

وتظل الأقمار الصناعية شاهداً على التقدم التكنولوجي الهائل الذي حققه الإنسان، حيث تجتمع الهندسة الدقيقة والاستثمارات الضخمة والاختبارات القاسية، من أجل جهاز صغير نسبيًا، لكنه يلعب دورًا محوريًا في حياتنا اليومية، من الاتصالات والبث التلفزيوني إلى الملاحة ومراقبة الأرض ودعم اتخاذ القرار.

اقرأ أيضًا:

«سبيس إكس» تعزز شبكة "ستارلينك" بإطلاق 29 قمرًا صناعيًا جديدًا

Short Url

search