أرض الفرص، عوامل تجعل مصر وجهة استثمارية مثالية في قلب التجارة العالمية
الجمعة، 16 يناير 2026 01:59 م
الاستثمار في مصر
تشهد مصر في السنوات الأخيرة تحولًا اقتصاديًا لافتًا جعلها تعود بقوة إلى خريطة الاستثمار العالمية، ليس فقط كسوق استهلاكي ضخم، بل كمركز صناعي وتجاري استراتيجي يربط بين 3 قارات.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مزيج من الإصلاحات الاقتصادية الجريئة، والاستثمار المكثف في البنية التحتية، وإعادة تموضع ذكي داخل سلاسل الإمداد العالمية.
وفي ظل عالم يعاني من اضطرابات جيوسياسية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد بعد الجائحة، برزت مصر كـ«أرض فرص» حقيقية للمستثمرين الباحثين عن الاستقرار النسبي، والتكلفة التنافسية، وسهولة الوصول إلى الأسواق.

موقع جغرافي فريد وقناة السويس محور التجارة العالمية
تمثل مصر بوابة للتجارة الدولية، إذ تربط بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، وتعد قناة السويس شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، حيث تمر عبرها نحو 12% من التجارة الدولية، ما يجعل أي نشاط صناعي أو لوجستي في مصر قريبًا بطبيعته من قلب حركة التجارة الدولية.
ولا يقتصر التفوق على الموقع، إذ تتمتع مصر بإطار تجاري واسع، يشمل أكثر من 40 اتفاقية تجارة حرة وتفضيلية، أبرزها الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والكوميسا، واتفاقية أغادير، ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
هذه الاتفاقيات تفتح أبواب الوصول إلى أكثر من 1.5 مليار مستهلك، كثير منهم دون جمارك أو بتعريفات منخفضة للغاية، والأهم أن بعض الأسواق العالمية خفضت مؤخرًا التعريفة الجمركية على السلع المصنعة في مصر إلى نحو 10% فقط، وهو تطور يعزز القدرة التنافسية للمنتج المصري بشكل غير مسبوق.
هذا الامتياز التجاري يترجم مباشرة إلى انخفاض تكاليف التصدير، تسريع دخول الأسواق، وتنوع أكبر في سلاسل الإمداد، بما يقلل المخاطر التي باتت تؤرق المستثمرين عالميًا، ومع ارتفاع تكاليف الإنتاج في آسيا وأوروبا، أصبحت مصر خيارًا بديلاً واقعيًا، بل ومفضلًا، للعديد من المصنعين الدوليين.
الحكومة تدعم مناخ الاستثمار بسلسلة إصلاحات اقتصادية
في الداخل، دعمت الحكومة هذا التوجه بسلسلة إصلاحات اقتصادية عميقة استهدفت تحسين مناخ الاستثمار وتقليص البيروقراطية، ليتقلص زمن تسجيل الشركات ومكاتب التمثيل الأجنبي من 40 يومًا إلى 72 ساعة فقط، كما جرى تسهيل تخصيص الأراضي الصناعية، وخفض تكاليف الحصول عليها، وتبسيط إجراءات الاستيراد والتصدير.
هذه الخطوات، إلى جانب تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد في المؤسسات المملوكة للدولة، أعادت قدرًا كبيرًا من الثقة إلى السوق.
النتيجة كانت استقرارًا ملحوظًا في المؤشرات الكلية، وتعافيًا في معدلات النمو، وتحسنًا في الحسابات المالية، وتتوقع مؤسسات دولية كبرى، مثل بنك ستاندرد تشارترد، أن تكون مصر ضمن أسرع 10 اقتصادات نموًا خلال العقد المقبل، وأن تدخل قائمة أكبر 10 اقتصادات عالميًا بحلول عام 2030، وهي توقعات تعكس نظرة متفائلة مبنية على معطيات حقيقية، لا مجرد طموحات.
ولا يمكن إغفال العامل البشري، فمصر تمتلك أكبر تجمع عمالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بنحو 28 مليون عامل، نصفهم تقريبًا تحت سن الثلاثين.
هذه التركيبة السكانية تمنح المستثمرين موردًا بشريًا شابًا، قابلًا للتدريب، وبتكلفة تنافسية مقارنة بالأسواق الأخرى، ومع التوسع في التعليم الفني والتدريب الصناعي، تتعزز جودة هذه العمالة عامًا بعد عام.
ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر
كشف تقرير ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي عن ارتفاع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر إلى 6 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2024، في مقابل 5.5 مليار دولار خلال نفس الفترة من 2024/2023.
وأوضح تحقيق الاستثمارات الأجنبية المباشرة للقطاع البترولي صافي تدفق للداخل نحو 196.9 مليون دولار مقابل صافي تدفق للخارج بلغ 422.2 مليون دولار، كمحصلة لارتفاع التدفقات الواردة للقطاع البترولي لتسجل نحو 2.9 مليار دولار والذي يمثل استثمارات جديدة لشركات بترول أجنبية مقابل نحو 2.6 مليار دولار.
أسفرت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة للقطاعات غير البترولية عن صافي تدفق للداخل بلغ نحو 5.8 مليار دولار، وذلك كنتيجة أساسية لتسجيل الاستثمارات الواردة لتأسيس شركات جديدة أو زيادة رؤوس أموال شركات قائمة صافي تدفق للداخل بلغ نحو 2.9 مليار دولار مقابل نحو 1.9 مليار دولار.
بلغ صافي الاستثمارات الواردة لشراء العقارات بمعرفة غير المقيمين732.1 مليون دولار خلال النصف الأول من 2025/2024 مقابل 536.7 مليون دولار خلال النصف الأول من العام المالي السابق، في حين سجل صافي الأرباح المرحلة نحو 2.2 مليار دولار مقابل نحو 2.6 مليار دولار.
سجل صافي حصيلة بيع شركات وأصول إنتاجية لغير مقيمين 321.9 مليون دولار مقابل 626.4 مليون دولار، وسجلت الاستثمارات في محفظة الأوراق المالية في مصر صافي تدفق للخارج بلغ نحو 3.7 مليار دولار مقابل صافي تدفق للداخل قدره 252.8 مليون دولار.
سجل التغير على الأصول الأجنبية للبنوك صافي تدفق للداخل (يمثل تراجع في الأصول) نحو 7.4 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي الجاري مقابل صافي تدفق للخارج قدره نحو 1.2 مليار دولار خلال النصف الأول من 2024/2023.
ترتيب الدول العربية في رأس المال المصدر في مصر (يناير - أكتوبر 2025)
ومن خلال الجدول التالي، يستعرض موقع إيجي إن، ترتيب الدول العربية من حيث رأس المال المصدر، في مصر خلال الفترة من يناير وحتى أكتوبر 2025، وهي:
| الدولة | رأس المال المصدر (مليون دولار) |
| الإمارات العربية المتحدة | 1,319 |
| ليبيا | 557 |
| المملكة العربية السعودية | 499.7 |
| الكويت | 73.7 |
| الأردن | 53.8 |
| لبنان | 47.6 |
| البحرين | 20.6 |
| اليمن | 19.06 |
| فلسطين | 12.20 |
| قطر | 11.8 |
وتوضح هذه البيانات أن 3 دول عربية فقط هي الإمارات وليبيا والسعودية، تستحوذ مجتمعة على أكثر من 39% من إجمالي رأس المال المصدر في مصر خلال الفترة، وهو ما يظهر أن تركزًا نسبيًا للاستثمارات العربية في عدد محدود من الجنسيات، مقابل مساهمات أقل حجمًا ولكنها مستقرة من باقي الدول العربية.
ويؤكد ذلك مكانة مصر كوجهة استثمارية إقليمية جاذبة، قادرة على استقطاب رؤوس أموال عربية ضخمة، إلى جانب الحفاظ على تدفقات استثمارية متنوعة من مختلف الأسواق.
استثمارات ضخمة في قطاع النقل بالطرق والموانئ
شهد قطاع النقل في مصر خلال عام 2025 طفرة نوعية غير مسبوقة، في إطار استراتيجية الدولة الشاملة لتحديث البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ووفقًا لبيانات وزارة النقل، تجاوز حجم الاستثمارات المخصصة لمشروعات النقل خلال السنوات الأخيرة حاجز تريليوني جنيه، استحوذ عام 2025 على نصيب وافر منها، بهدف إنشاء منظومة نقل متكاملة، حديثة وآمنة، تخدم أكثر من 110 ملايين مواطن وتواكب متطلبات التنمية المستدامة.
على صعيد البنية التحتية، ضخت الدولة استثمارات ضخمة في الطرق والموانئ والطاقة، أكثر من 7 آلاف كيلومتر من الطرق الجديدة أعادت رسم الخريطة اللوجستية للبلاد، و18 ميناءً تجاريًا تربط مصر بالعالم، بينما توفر شبكة كهرباء مطورة قدرة تصل إلى 14.8 جيجاوات، مع جاهزية للتحول إلى شبكة ذكية، هذه العناصر تمثل العمود الفقري لأي نشاط صناعي مستدام.
مشروع القطار الكهربائي السريع
ويأتي مشروع القطار الكهربائي السريع في صدارة هذه المشروعات، باعتباره أكبر مشروع نقل بري في تاريخ مصر الحديث، إذ تمتد شبكة القطار على أطوال تقارب 2000 كيلومتر، وتضم أكثر من 60 محطة، بسرعة تشغيلية تصل إلى 250 كيلومترًا في الساعة.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الشبكة في نقل ملايين الركاب سنويًا، مع تقليص زمن الرحلات بين القاهرة والإسكندرية إلى نحو ساعتين، فضلًا عن تحقيق الربط المباشر والسريع بين البحر الأحمر والبحر المتوسط لأول مرة عبر منظومة نقل جماعي كهربائية متطورة.
وفي إطار تطوير النقل داخل المدن، واصلت الدولة تنفيذ مشروعات المونوريل بشرق وغرب النيل، بإجمالي أطوال تتجاوز 100 كيلومتر ونحو 35 محطة.
من المتوقع أن يخدم المونوريل قرابة مليون راكب يوميًا عند اكتمال تشغيله، ما يسهم في تخفيف الاختناقات المرورية داخل القاهرة الكبرى، خاصة على المحاور الحيوية المؤدية إلى العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة السادس من أكتوبر.

الأتوبيس الترددي السريع يعيد تشكيل حركة التنقل بالقاهرة الكبرى
وشهد عام 2025 تقدمًا ملحوظًا في تنفيذ وتشغيل مشروع الأتوبيس الترددي السريع (BRT) على الطريق الدائري، بطول يقارب 110 كيلومترات، ويضم نحو 48 محطة.
ومن المنتظر أن يخدم المشروع أكثر من 3 ملايين راكب يوميًا، مع تقليل زمن الرحلات بنسبة تصل إلى 40%، إلى جانب خفض معدلات استهلاك الوقود والانبعاثات الناتجة عن وسائل النقل التقليدية.
وعلى صعيد السكك الحديدية، استمرت الدولة في تنفيذ خطة تحديث شاملة، شملت إدخال مئات العربات الجديدة والجرارات الحديثة، وتطوير نظم الإشارات على آلاف الكيلومترات من الخطوط.
وتعد محطة بشتيل الجديدة نموذجًا بارزًا لهذا التطوير، حيث صممت لاستيعاب أكثر من 250 ألف راكب يوميًا، وتخدم خطوط الصعيد الرئيسية، بما يخفف الضغط عن محطة رمسيس التي كانت تعاني من كثافة تشغيلية مرتفعة.
وتواكب هذا التطوير توجهًا واضحًا نحو النقل الأخضر، حيث تعتمد مشروعات مثل القطار الكهربائي السريع، والمونوريل، وBRT على الطاقة الكهربائية، ما يسهم في خفض الانبعاثات الكربونية بمئات الآلاف من الأطنان سنويًا.
كما يجري العمل على دمج مختلف وسائل النقل ضمن منظومة ذكية موحدة، تسهل تنقل المواطنين وتحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
المناطق الصناعية تحول الرؤية إلى واقع
في قلب هذا المشهد، تلعب المناطق الصناعية دورًا محوريًا في ترجمة الرؤية إلى واقع، فمن خلال تطوير مدن صناعية متكاملة تعتمد على مبدأ “الصناعة الوطنية أولاً”، يحصل المستثمر على منظومة جاهزة تشمل المرافق والطاقة، والخدمات اللوجستية، والدعم التنظيمي والجمركي، بما يختصر الزمن والتكلفة، ويمنح ميزة تنافسية حقيقية.
باختصار، ما يحدث في مصر اليوم ليس مجرد تحسن اقتصادي عابر، بل إعادة صياغة لدور الدولة داخل الاقتصاد العالمي، تخفيض التعريفات الجمركية على الصادرات المصرية ليس إلا إشارة واضحة إلى تنامي الثقة الدولية في قدرات مصر الصناعية.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة واضحة: نافذة الفرص مفتوحة الآن، ومن يتحرك مبكرًا سيحصد النصيب الأكبر من هذا التحول التاريخي.
اقرأ أيضًا:
خريطة 2026 للاقتصاد المصري، إجماع على خفض الفائدة وانحسار التضخم
2.5 مليار دولار، 10 دول عربية تقود طفرة استثمارية في مصر خلال 2025
Short Url
كوريا الجنوبية تتحول إلى قوة صاعدة في سوق السلاح العالمي.. هل يدوم الصعود؟
15 يناير 2026 10:00 ص
الأعشاب والتوابل في مصر بين النمو والعجز التجاري، سوق بـ2.66 مليار دولار
14 يناير 2026 06:00 م
من النفط إلى المعرفة، التكنولوجيا تعيد تشكيل مستقبل الصناعات التحويلية في الخليج
14 يناير 2026 10:00 ص
أكثر الكلمات انتشاراً