الثلاثاء، 13 يناير 2026

09:49 م

عقيدة «مونرو» تعود بوجه جديد، فنزويلا ساحة أولى وجرينلاند الصفقة التالية

الثلاثاء، 13 يناير 2026 06:01 م

ترامب

ترامب

لم يعد حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن جرينلاند مجرد تصريح عابر أو نزوة سياسية، بل بات جزءًا من سياق أوسع يعكس تحولًا واضحًا في السلوك الأمريكي تجاه مناطق النفوذ الاستراتيجي.

فبينما كانت فنزويلا مسرح التطبيق الأول لسياسة التدخل المباشر، تبرز جرينلاند اليوم كحلقة جديدة في سلسلة إعادة تفعيل مبدأ مونرو، ولكن بصيغة القرن الحادي والعشرين: نفوذ اقتصادي، وسيطرة على الموارد، وتأمين الجغرافيا قبل الخصوم.

ووفق تأكيدات صادرة عن البيت الأبيض، فإن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، بما فيها استخدام القوة، في ما يعد تصعيدًا غير مسبوق تجاه إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الدنماركية، وداخل المنظومة الغربية نفسها.

جزيرة الجليد.. الرهان الأميركي القادم

داخل واشنطن، لا يناقش ملف جرينلاند كقضية سياسية منفصلة، بل بوصفه أصلًا استراتيجيًا طويل الأجل ضمن سلة خيارات تشمل المسارات العسكرية والاقتصادية والقانونية والنفوذية.

ورغم أن الخيار العسكري يحظى بالاهتمام الإعلامي الأكبر، إلا أنه – من منظور اقتصادي واستراتيجي – يعد الأعلى كلفة والأكثر خطورة.

فالتحرك عسكريًا ضد جرينلاند قد يتم تفسيره كعمل عدائي من دولة عضو في حلف شمال الأطلسي ضد دولة عضو أخرى، وهو ما يفرض أعباءً جسيمة على شبكة التحالفات الغربية، ويهدد تماسكها في لحظة يشهد فيها النظام الدولي تصدعًا متزايدًا.

يكرر ترامب أن جرينلاند ضرورية للأمن القومي الأمريكي، مشيرًا إلى وجود روسي وصيني متصاعد في محيطها، من دون تقديم أدلة علنية، هذا الخطاب يعكس محاولة لإعادة تعريف الجزيرة من كونها إقليمًا تابعًا للدنمارك، إلى مساحة نفوذ محتملة ضمن صراع القطب الشمالي على الموارد والممرات البحرية.

ولذلك تتوزع السيناريوهات المطروحة أمام واشنطن بين ثلاثة مسارات رئيسية: عمل عسكري مباشر، أو شراء الجزيرة، أو بناء نفوذ اقتصادي تدريجي عبر السكان المحليين.

العمل العسكري.. سرعة محتملة مقابل فاتورة باهظة

من الناحية النظرية، يرى محللو دفاع أن تنفيذ عملية خاطفة للسيطرة على جرينلاند، قد يكون ممكنًا لوجستيًا، فالجزيرة، رغم مساحتها التي تبلغ نحو مليوني كيلومتر مربع، لا يتجاوز عدد سكانها نحو 58 ألف نسمة، يتمركز ثلثهم في العاصمة نوك، بينما يعيش الباقون على الساحل الغربي.

ولا تمتلك جرينلاند قوات عسكرية محلية، إذ تتولى الدنمارك مسؤولية الدفاع عنها بقدرات جوية وبحرية محدودة، وتعتمد مراقبة مساحات شاسعة من الإقليم على دورية «سيريوس» التي تستخدم زلاجات تجرها الكلاب.

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 100 عنصر عسكري متمركزين دائمًا في قاعدة بيتوفيك شمال غرب الجزيرة، وهي منشأة تعود للحرب العالمية الثانية، ويمكن نظريًا استخدامها كقاعدة لوجستية لأي تحرك مستقبلي.

لكن داخل الولايات المتحدة نفسها، يقلل مسؤولون سابقون من احتمال هذا السيناريو، ويؤكد ميك مولروي، نائب مساعد وزير الدفاع الأسبق، أن أي عمل عسكري سيكون مخالفًا بوضوح للقانون الدولي، وقد يواجه مقاومة تشريعية تصل إلى تفعيل «قانون صلاحيات الحرب».

شراء جرينلاند.. صفقة معقدة بلا سوق

الخيار الثاني يتمثل في الشراء المباشر، وهو طرح أعاده ترامب إلى الواجهة، ورغم ذلك، تؤكد كل من نوك وكوبنهاجن أن جرينلاند ليست معروضة للبيع، كما أبلغ وزير الخارجية ماركو روبيو الكونجرس بأن الشراء هو الخيار المفضل لدى الإدارة.

لكن تنفيذ الصفقة يتطلب تمويلًا من الكونجرس، وموافقة ثلثي مجلس الشيوخ، إضافة إلى موافقة الاتحاد الأوروبي، والأهم مشاركة سكان جرينلاند أنفسهم لضمان حق تقرير المصير.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية السكان يفضلون الاستقلال عن الدنمارك، لكن قلة فقط ترغب في الانضمام إلى الولايات المتحدة، ما يجعل هذا الخيار سياسيًا واقتصاديًا محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظل شعار «أمريكا أولًا».

كسب السكان.. نفوذ بدل الملكية

الخيار الثالث، والأقل تصادمية، يتمثل في بناء نفوذ اقتصادي تدريجي عبر السكان المحليين، وتكثف وكالات الاستخبارات الأمريكية مراقبتها لحركات الاستقلال في جرينلاند لرصد شخصيات قد تدعم توجهات واشنطن.

ويرى عمران بيوني، خبير الجيوستراتيجية في المجلس الأطلسي، أن «حملة نفوذ» هي السيناريو الأرجح، نظرًا لانخفاض كلفتها مقارنة بالعمل العسكري، واعتمادها على نماذج قائمة في المحيط الهادئ، حيث تمنح واشنطن مظلة دفاعية مقابل مزايا اقتصادية.

غير أن هذا المسار لا يمنح الولايات المتحدة سيطرة مباشرة على الموارد المعدنية الهائلة المدفونة تحت الجليد.

اقتصاد جرينلاند.. هشاشة وفرصة مؤجلة

بحسب البنك الوطني الدنماركي، نما اقتصاد جرينلاند بنسبة 0.8% في 2025، ومن المتوقع أن يحقق النسبة نفسها في 2026، مقارنة بـ 2% في 2022، ويعتمد الاقتصاد بشكل كبير على الصيد، في ظل تراجع مخزون الروبيان، وتدهور مفاجئ في المالية العامة خلال 2025.

ووصلت سيولة خزانة جرينلاند إلى مستويات حرجة في النصف الثاني من العام، بينما يبلغ عدد السكان 56,699 نسمة، مع توقع انخفاضهم بنسبة 20% بحلول 2050.

وتعتمد الجزيرة على منح دنماركية سنوية تمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما خصصت كوبنهاجن 253 مليون (2025–2029) للبنية التحتية والرعاية الصحية.

فنزويلا.. التطبيق العملي لمبدأ مونرو

في المقابل، قدمت فنزويلا النموذج العملي لتفعيل مبدأ مونرو بصيغته الصلبة، فبعد عملية عسكرية أمريكية انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وتبرز فنزويلا ككنز موارد غير مستغل، إذ يحتوي قوس أورينوكو على:

  • 8 آلاف طن من الذهب بقيمة تتجاوز 500 مليار دولار.
  • 33.8 مليون طن من الألماس.
  • 200 مليون طن من البوكسيت.
  • إضافة إلى أكثر من 40 معدنًا صناعيًا.

كما تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم بنحو 303 مليارات برميل، تمثل 17% من الاحتياطي العالمي، رغم تراجع الإنتاج إلى 1.1 مليون برميل يوميًا بعد أن كان 3.5 ملايين برميل في سبعينيات القرن الماضي.

مبدأ مونرو.. بنسخة القرن الحادي والعشرين

بين فنزويلا وجرينلاند، يتضح أن واشنطن لا تتحرك بدافع الأيديولوجيا، بل وفق منطق الموارد والجغرافيا والزمن، فمبدأ مونرو لم يعد يعني منع التدخل الأوروبي فقط، بل احتكار النفوذ الأمريكي في مناطق تعتبر حيوية للأمن والاقتصاد.

وفي حين مثلت فنزويلا ساحة التدخل المباشر، تبدو جرينلاند رهانًا طويل الأجل، يدار بالأدوات الاقتصادية والنفوذية بدل الدبابات، وتبدو جرينلاند في الحسابات الأمريكية رهانًا طويل الأجل أكثر من كونها هدفًا فوريًا، فبين إدارة أمريكية لا يتبقى لها سوى ثلاث سنوات، وشعب جرينلاندي يمتلك أفقًا زمنيًا يمتد لعقود وربما لألف عام.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح واشنطن في تحويل جزيرة الجليد إلى مكسب اقتصادي واستراتيجي؟ أم يظل الاهتمام بها فكرة تصطدم بواقع معقد وحسابات أعلى كلفة؟

اقرأ أيضًا:

شركات أمريكية تتفاوض وناقلات نفط تبحر إلى فنزويلا بعد اختفاء أسطول الظل

ترامب يلتقي كبار التنفيذيين بقطاع النفط لوضع خطة بشأن فنزويلا

Short Url

search