الأربعاء، 14 يناير 2026

01:53 م

من النفط إلى المعرفة، التكنولوجيا تعيد تشكيل مستقبل الصناعات التحويلية في الخليج

الأربعاء، 14 يناير 2026 10:00 ص

دول مجلس التعاون الخليجي

دول مجلس التعاون الخليجي

في قلب التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم، يبرز قطاع الصناعات التحويلية بوصفه المعيار الأوضح لقياس متانة الاقتصادات وقدرتها على تحقيق نمو مستدام بعيداً عن التقلبات الدورية، فالدول التي استطاعت بناء قاعدة صناعية قوية، كانت الأقدر على خلق فرص العمل، وتعظيم القيمة المضافة، وتعزيز موقعها في سلاسل القيمة العالمية. 

ومن هذا المنطلق، يكتسب النقاش حول أثر التطور التكنولوجي على القيمة المضافة الصناعية في دول مجلس التعاون الخليجي أهمية خاصة، ليس فقط كموضوع ثانوي، بل كقضية استراتيجية تمس مستقبل التنمية في المنطقة.

الصناعات التحويلية.. من محرك نمو إلى تحدي هيكلي

تاريخياً، لعبت الصناعات التحويلية دوراً محورياً في الاقتصادات المتقدمة، حيث شكلت المساهم الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي، وساهمت في بناء قاعدة تصديرية متنوعة ذات قيمة مضافة مرتفعة، وعلى النقيض من ذلك، لا تزال معظم دول مجلس التعاون الخليجي تعاني من ضعف القيمة المضافة الصناعية نتيجة الاعتماد المفرط على الصناعات الاستخراجية، وفي مقدمتها النفط والغاز. 

هذا النمط الإنتاجي، رغم ما وفره من فوائض مالية لعقود، أفرز اختلالات هيكلية انعكست على معدلات النمو المستدام، ومستويات الإنتاجية، ونصيب الفرد من الدخل الحقيقي.

التكنولوجيا.. العامل الحاسم في معادلة التحول

التطور التكنولوجي لم يعد خياراً تكميلياً للقطاع الصناعي، بل أصبح شرطاً أساسياً لبقائه واستمراره، فالتكنولوجيا الحديثة – من الأتمتة والروبوتات إلى الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات – أسهمت في إعادة تعريف مفهوم الإنتاج الصناعي، عبر رفع الكفاءة، وتقليص الهدر، وتحسين الجودة، وتسريع دورة الإنتاج. 

ووفق الأدبيات الاقتصادية، فإن أثر التكنولوجيا لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يمتد إلى تعقيد المنتج الصناعي ورفع قيمته في الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على نمو القيمة المضافة الصناعية.

نموذج السبب والأثر.. قراءة في محركات القيمة المضافة

يعكس اعتماد نموذج “السبب والأثر” (هيكل السمكة) فهماً عميقاً لطبيعة العلاقة المركبة بين التكنولوجيا والصناعة، فالقيمة المضافة الصناعية لا تنمو بفعل عامل واحد، بل نتيجة تفاعل منظومة متكاملة من المحركات، أبرزها:

  • البحث والتطوير، الذي يتجلى في عدد المقالات العلمية والتقنية، ويعكس كثافة النشاط المعرفي والقدرة على الابتكار.
  • صادرات الصناعات التحويلية، التي تمثل بوابة الاندماج في الاقتصاد العالمي وتعظيم العوائد بالعملات الأجنبية.
  • واردات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، باعتبارها أداة لتحويل المصانع التقليدية إلى أنظمة إنتاج ذكية قادرة على اتخاذ القرار وتقليل الأخطاء.
  • الصناعات التكنولوجية المتقدمة، سواء كمدخلات إنتاج (سلع رأسمالية عالية التقنية) أو كمنتجات نهائية ذات قيمة مرتفعة.

هذه العوامل مجتمعة تفسر كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحول من مجرد أداة إنتاج إلى رافعة استراتيجية للنمو الاقتصادي.

قراءة في واقع دول مجلس التعاون الخليجي

تكشف البيانات الخاصة بالفترة (2000–2022) عن تفاوت واضح في أداء قطاع الصناعات التحويلية بين دول المجلس، إذ زاد حجمها السنوي بمعدل 51.9% مقارنة بزيادة سنوية قدرها 36.3% على مستوى العالم العربي. 

في بداية هذه الفترة، كانت قيمة الصناعات التحويلية الخليجية تشكل 48.2% من قيمة الصناعات التحويلية العربية، لتصل إلى 65.1% بنهاية 2022، ويعزى هذا التقدم إلى عوامل عدة، أبرزها القدرة المالية لدول الخليج، وتوجهها نحو التصنيع لتنويع مصادر الدخل، وتنمية الصناعات المعتمدة على الطاقة، فضلاً عن زيادة الاستثمارات الأجنبية في القطاع الصناعي. 

وعلى مستوى الدول، تختلف مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي بشكل واضح، ففي الكويت تمثل هذه الصناعات 7% فقط من الناتج، أي أقل من المعدل العربي، بينما تتصدر السعودية القائمة العربية بقيمة صناعات تحويلية تصل إلى 162.6 مليار دولار، أي أكثر من ثلث مجموع الصناعات التحويلية في العالم العربي.

وشهدت البحرين ارتفاعاً كبيراً في صناعتها التحويلية خلال العقدين الماضيين، حيث ارتفعت من 914 مليون دولار في 2000 إلى 9517 مليون دولار في 2022، لتشكل 16% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى من المتوسط العربي، مع ملاحظة تفوق الصناعات التحويلية على الصناعات الاستخراجية نتيجة محدودية إنتاج النفط المحلي. 

وفي الإمارات، بينما تحتل السعودية المرتبة الأولى من حيث القيمة، تحافظ الدولة على المركز الأول عربياً في قيمة صادرات الصناعات التحويلية التي بلغت 154.2 مليار دولار في 2022، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف حجم الإنتاج المحلي البالغ 55.9 مليار دولار، مع استهلاك جزء من الإنتاج محلياً.

النمو الاقتصادي الخليجي يواصل الزخم في 2025

شهد اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي زخماً متزايداً في عام 2025، مدعوماً بالإصلاحات الهيكلية والتحول الرقمي المتسارع، وفق تقرير "المستجدات الاقتصادية لدول الخليج – خريف 2025"، وتوقعت الدراسة أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الإمارات بنسبة 4.8%، والسعودية بنسبة 3.8%، والبحرين 3.5%، وعُمان 3.1%، وقطر 2.8%، والكويت 2.7%. 

يعود ذلك إلى أهمية استمرار تنفيذ استراتيجيات الرؤية الوطنية، وضبط السياسات المالية لتخفيف أثر تقلبات أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية، كما يبرز التحول الرقمي كعامل رئيسي لتعزيز التنويع الاقتصادي، مع تغطية شبكات الجيل الخامس لأكثر من 90% من السكان، واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مع تصدر السعودية والإمارات المشهد الإقليمي والدولي في هذا المجال.

أداء الدول الفردي والتنوع الاقتصادي

تستمر البحرين في تسجيل نمو قوي مدفوعاً بالقطاعات غير النفطية، خاصة الخدمات المالية والسياحة، مع توقعات نمو 3.5% في 2025، أما الكويت، فتعود إلى النمو بعد عامين من الانكماش، متوقعاً 2.7% بفضل ارتفاع صادرات النفط وتشريع قانون الدين العام الجديد. 

وتسير عمان نحو تنويع اقتصادي أسرع، مع توقع نمو 3.1% مدفوعاً بالقطاعات غير النفطية، فيما تظل قطر محافظة على نمو 2.8% بدعم الغاز الطبيعي المسال وفوائض مالية قوية، أما السعودية، فيتوقع أن يصل نموها إلى 3.8% رغم انخفاض أسعار النفط، مع تعزيز الإصلاحات واستقطاب الاستثمارات. 

وتواصل الإمارات أداءها الرائد، بنمو 4.8% متوازن بين القطاعات النفطية وغير النفطية، مع توسعة قاعدة صادراتها وتحقيق استقرار اقتصادي واسع النطاق.

بين الطموح والواقع.. فجوة التنفيذ

رغم وضوح الرؤية الاستراتيجية لدى دول مجلس التعاون، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة، فالتكنولوجيا، بطبيعتها، تحتاج إلى وقت حتى تنعكس آثارها على النمو الاقتصادي، كما تتطلب استثمارات ضخمة في رأس المال البشري، والبنية التحتية، والبحث والتطوير. 

كما أن ضعف الربط بين الجامعات والقطاع الصناعي، ومحدودية براءات الاختراع المسجلة محلياً، يشكلان عائقين رئيسيين أمام تعميق القيمة المضافة.

توصيات تتجاوز الطابع التقليدي

ما يطرحه التقرير من توصيات لا يخرج عن الإطار المنطقي للتنمية الصناعية، لكنه يكتسب أهمية خاصة في السياق الخليجي، فالاستمرار في الإنفاق على البحث والتطوير، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة في التحول التكنولوجي، وجذب الاستثمارات للصناعات عالية القيمة، كلها خطوات ضرورية. غير أن النجاح الحقيقي يتطلب نقلة نوعية في السياسات الصناعية، تقوم على:

  • توطين التكنولوجيا لا مجرد استيرادها.
  • بناء منظومة ابتكار متكاملة تربط التعليم بالصناعة.
  • تعزيز الشراكات الدولية القائمة على نقل المعرفة، لا فقط رأس المال.

إن مستقبل الصناعات التحويلية في دول مجلس التعاون الخليجي مرهون بقدرتها على استيعاب التطور التكنولوجي وتحويله إلى قيمة مضافة حقيقية، فالانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد قائم على المعرفة والصناعة المتقدمة لم يعد ترفاً تنموياً، بل ضرورة استراتيجية. 

وفي ظل تسارع الثورة الصناعية الرابعة، فإن التأخر في هذا المسار قد يعني اتساع الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة، بينما يفتح الإسراع فيه آفاقاً واسعة لتحقيق تنويع اقتصادي مستدام، وتنافسية عالمية حقيقية.

اقرأ أيضًا:

«فيتش»: توقعات إيجابية لاقتصادات الخليج في 2026

استطلاع: نمو اقتصادات معظم دول الخليج في 2025 و2026 بفضل زيادة إنتاج النفط

Short Url

search