التجارة العالمية تتحدى قيود الاستثمار وسلاسل الإمداد واعتبارات الأمن القومي، ما القصة؟
الأربعاء، 07 يناير 2026 09:34 م
سلاسل الإمداد
كشف التقرير الشهري الشامل لسياسات التجارة والصناعة لشهر ديسمبر 2025، الصادر عن منصة «غلوبال تريد ألرت»، عن مرحلة جديدة تدخلها التجارة العالمية، تتسم بقدر أكبر من الانتقائية والحذر، في ظل تصاعد اعتبارات الأمن القومي وسلاسل الإمداد جنبًا إلى جنب مع الحسابات الاقتصادية التقليدية.
وخلال أسابيع قليلة فقط، أقدمت حكومات حول العالم على إقرار مئات الإجراءات التجارية والاستثمارية التي غيّرت مسارات التدفقات الدولية، وتنوّعت بين فرض رسوم جمركية، وتقديم دعم صناعي، وتشديد قيود الاستثمار، إلى جانب سياسات تستهدف إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ويعكس هذا الزخم المتسارع اتجاهًا واضحًا نحو عولمة أكثر ضبطًا، وأقل انفتاحًا غير مشروط.
الولايات المتحدة: مزيج من التفاوض والحماية
في الولايات المتحدة، واصلت الإدارة الأميركية انتهاج سياسة تجمع بين الانفتاح الانتقائي والحماية المحسوبة، فقد أعادت واشنطن معايرة الرسوم الجمركية ضمن اتفاقات ثنائية مع كل من سويسرا وليختنشتاين وكوريا الجنوبية، ما أسفر عن تخفيف بعض الأعباء الجمركية، ولكن في إطار صارم يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل وحماية المصالح الوطنية.
وفي المقابل، قررت الإدارة تأجيل زيادات كانت مقررة على واردات الأخشاب والأثاث، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغوط على السوق المحلية، بينما فرضت عملياً حظراً على استيراد الطائرات المسيّرة الأجنبية الجديدة، بدوافع أمنية واضحة. وعلى مستوى أعمق، شكّل قانون تفويض الدفاع لعام 2026 نقطة تحوّل، إذ قيّد الاستثمارات الأميركية في قطاعات استراتيجية بدول محددة، لا سيما في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، بما يؤكد أن الاستثمار الأجنبي بات أداة من أدوات الأمن القومي.
الصين: انفتاح مشروط وتحوط صناعي
أما الصين، فاختارت مساراً أكثر دقة في إدارة أدواتها التجارية والصناعية. فقد شملت التعديلات تحديثاً لقوائم السلع ذات الاستخدام المزدوج، وتغييراً في حصص تصدير الوقود، إلى جانب تشديد المتطلبات الخاصة باستخدام المعدات المحلية في مصانع الرقائق الإلكترونية، في محاولة لتقليص الاعتماد على الخارج دون إغلاق قنوات التجارة كليًا.
وفي الوقت ذاته، سعت بكين إلى جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعات تكنولوجية متقدمة، عبر تقديم حوافز ضريبية وجمركية، وإطلاق صندوق وطني ضخم لرأس المال الجريء لدعم الابتكار المحلي. وتعكس هذه السياسة المزدوجة مزيجًا من الانفتاح المشروط والتحصين الصناعي، بما يخدم أهداف الاكتفاء التكنولوجي وتعزيز القدرة التنافسية.
الاتحاد الأوروبي: أولوية للأمن الاقتصادي
في بروكسل، تصدّر مفهوم الأمن الاقتصادي جدول الأعمال التجاري، فقد أجرى الاتحاد الأوروبي تحديثات على الرسوم والحصص بهدف ضمان توافر المدخلات الصناعية الحيوية، بالتوازي مع توسيع إجراءات مكافحة الإغراق، لا سيما تجاه الواردات القادمة من الصين.
كما دفع الاتحاد بمبادرات واسعة لدعم التحول الأخضر وتأمين المعادن الحرجة، مدعوماً بتعهدات تمويلية بمليارات اليوروهات، إلى جانب تعزيز آليات فحص الاستثمارات الأجنبية، ويعكس هذا التوجه قناعة أوروبية متنامية بأن التنافس الصناعي العالمي بات مرتبطاً بشكل وثيق بالاستقلال الاستراتيجي.
بقية العالم: تدخلات بلا استثناء
لم يقتصر هذا التحول على الاقتصادات الكبرى، فمن أميركا اللاتينية إلى آسيا وإفريقيا، شهدت السياسات التجارية موجة واسعة من التدخلات، شملت رفع أو خفض الرسوم الجمركية لحماية قطاعات محلية، وإطلاق برامج دعم تستهدف الطاقة النظيفة أو البنية التحتية.
وفي الشرق الأوسط، برزت تحركات نحو توطين المشتريات الحكومية وفرض رسوم على بعض الصادرات، وفي مصر، على سبيل المثال، جرى تعديل رسوم مفروضة على مكونات أعلاف وخردة فولاذ، في سياق سياسة تستهدف إدارة الموارد وتعزيز حماية السوق المحلية.
قواعد جديدة للتجارة العالمية
الخيط الناظم بين هذه القرارات المتفرقة يتمثل في حقيقة واحدة: التجارة العالمية لم تعد محكومة بالكلفة والكفاءة فقط، بل باتت مرتبطة بالأمن والمرونة والسيطرة على المدخلات الحيوية، وتعمل الدول الكبرى على إعادة كتابة قواعد اللعبة، مستخدمة الرسوم والدعم والاستثمار كأدوات سياسية واقتصادية في آن واحد.
وبالنسبة للشركات، لا سيما في الأسواق الناشئة، تبدو الرسالة واضحة: البيئة التجارية المقبلة أكثر تعقيدًا وتداخلًا مع الجغرافيا السياسية، والنجاح فيها يتطلب فهمًا دقيقًا لتقاطع الاقتصاد مع السياسة الدولية.
ويؤكد تقرير ديسمبر 2025 أن هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار بدأ مع صدمات سلاسل الإمداد خلال جائحة «كوفيد-19»، وتعمّق مع تصاعد التوترات الجيوسياسية. ومع اقتراب عام 2026، تدخل التجارة العالمية مرحلة جديدة بقواعد لعب مختلفة، عنوانها الأبرز: عولمة أكثر حذرًا وأشد انتقائية.
Short Url
مطار القاهرة يكسر حاجز الـ 3 ملايين راكب خلال ديسمبر 2025
08 يناير 2026 02:04 م
ميناء دمياط يستقبل 5 سفن ويصدر أكثر من 21 ألف طن بضائع عامة في 24 ساعة
08 يناير 2026 01:20 م
موانئ البحر الأحمر تتداول 55 ألف طن بضائع و1073 شاحنة اليوم
08 يناير 2026 10:53 ص
أكثر الكلمات انتشاراً